الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

09/07/05


 

 

المؤتمر الوطني بين الفعل ورد الفعل

 

 

بقلم : عبد المنصف البوري

 الفعل..

يأتى من الزخم الذى حققه المؤتمر الوطني الأول للمعارضة الليبية داخلياً وخارجياً، وهو فعل ‏لا نريده أن يقف عند حدود التغطية الإعلامية التى فاقت توقعات الكثيرين، بما فيهم نظام ‏القذافى، فتلك مسألة مهمة ولكنها ليست من أولويات القوى المعارضة، فالأهم من ذلك كله هو ‏الواقع الجديد الذى أفرزه هذا المؤتمر، والمتمثل فى الاستحقاقات التى يمليها هذا الواقع الجديد ‏على جميع الليبيين.

 

إن إنعقاد هذا المؤتمر فى ظل الظروف القائمة فى ليبيا والمعطيات الإقليمية والدولية الراهنة، ‏له دلالات على درجة كبيرة من الأهمية، ليس كحدث فى حد ذاته فحسب، بل أيضاً فى تنوع ‏القضايا التى طرحها المؤتمر، والتى تشمل فى مجملها مطالب شعبية ليبية، وطبيعة السلطة ‏الدكتاتورية، وإنعدام الشرعية الدستورية.

 

وبقدر ما رفع هذا المؤتمر من توقعات الليبيين عبر تحريك سواكن القضية الليبية، واحتمالات ‏خلخلة مفاصل نظام القذافى، إلا أنه فى ذات الوقت قد ألقى بأعباء وتحديات جديدة وجسيمة، ‏تتطلب تطويراً فاعلاً لأساليب المواجهة السياسية والإعلامية فى المرحلة القادمة.‏


هذه التحديات وأن كانت تقع بالدرجة الأولى من الناحية المرحلية على عاتق فصائل ‏المعارضة الليبية والمستقلين الذين ساهموا فى هذا المؤتمر، إلا أنها من الناحية الفعلية ‏والمستقبلية ـ إذا أُريد لها النجاح ـ فهى تقع على عاتق جميع الليبيين الراغبين فى التغيير ‏بأي شكل من الأشكال سواء فى داخل الوطن أو فى خارجه.‏

هناك عدة رسائل يمكن قراءتها من خلال إنعقاد هذا المؤتمر، وفيما يلي ملامح الرسالة ‏الأولى:

 

أولاً: عكس هذا المؤتمر وعياً عالياً ونضجاً كبيراً، وصدقاً فى النوايا، وأكد الأحساس ‏بالمسؤلية الوطنية للمشاركين، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي تجاه القضية الليبية ‏وطناً وشعباً، وعزز الجهود الجماعية فى العمل بدلاً من الأساليب الأحادية، وأفرز تلاحم ‏حقيقياً.


ثانياً: كشف هذا المؤتمر ولأول مرة منذ إنقلاب سبتمبر 1969، عن قدرة لدى الليبيين عموماً ‏وفصائل المعارضة والمستقلين خصوصاً على العمل الجماعي، وعلى بلورة الأفكار والقضايا ‏المتعلقة بالوطن وصياغتها فى صورة مطالب أمكن الاتفاق حولها، ومن ثمة شرع الجميع فى ‏البحث عن الوسائل لتحقيق الالتفاف الشعبي حولها فى داخل البلاد وخارجه.‏

 

ثالثا: تأكد لدى المشاركين فى المؤتمر من خلال النقاشات التى دارت فيه بأن العمل الوطني ‏لفصائل المعارضة الليبية والمستقلين والشخصيات الوطنية سوف يهتم بالنتائج بعيدة المدى ‏التى تقوم على الجهود الجماعية المتعددة الأطراف والقائمة على التنسيق مع مختلف ‏المستويات والقطاعات الليبية.‏

 

رابعاً: وضح من خلال تفاعلات هذا المؤتمر بضرورة نقل الصراع إلى داخل ليبيا تدريجياً أو ‏مرحلياً، وذلك عبر خطوط التماس التى تشكلت فى السابق، وتلك التى بدأت تتشكل الآن بين ‏الليبيين فى داخل الوطن وخارجه.‏

 

لقد أدرك جميع من شارك فى هذا المؤتمر، وأولئك الذين لم يشاركوا فيه بأن علاقات ‏التواصل والتلاحم التى تربط الليبيين فى المهجر بالشعب الليبي فى الوطن لا يمكن فصلها أو ‏إحداث القطيعة فيها، مهما حاول القذافى تشويه هذه العلاقة، والعبث بها من خلال إطلاق تهم ‏باطلة وترويج شائعات كاذبة، لأنها علاقات قائمة على الانتماء للوطن الواحد وتستلهم مبادىء ‏وقيم وقواعد وأعراف المجتمع الليبي منذ أن عرف فى التاريخ.‏

 

رسالة المؤتمر الثانية جاءت لكى تؤكد على إرساء بعض القواعد وجملة من من المبادىء ‏لكى تزيل أية بلبلة أو تشكيك أولبس فى صدق نوايا الليبيين فى الخارج وعلى وجه ‏الخصوص المعارضة الليبية، وتحول دون وجود أية تناقضات فى رؤيتها واستمرارية ‏وجودها، ومن ثمة احداث المطابقة بين توجهات الليبيين فى الخارج والشعب الليبي فى ‏الداخل. وملامح هذه الرسالة تريد أن تؤكد على أن:‏

 

‎الليبيون فى الخارج ليسوا طلاب سلطة ولا يرغبوا فى أن يكونوا على رأس السلطة فى ‏ليبيا، وإن على الشعب الليبي وحده فى الداخل أن يختار ويفرز رموزه وعناصره وقيادته ‏من الأشخاص المشهود لهم بالنزاهة والصدق والكفاءة من بين مختلف قطاعات وشرائح ‏المجتمع الليبي.‏

 

إن تغيير الوضع القائم فى ليبيا بتغيير السلطة الحاكمة نهائياً لإعادة بناء النظام السياسي ‏على أسس دستورية لا تسمح بالحكم الفردي هو مهمة أساسية لكافة شرائح وقطاعات ‏الشعب الليبي فى الداخل قبل الخارج.‏

 

المؤتمر، ومن خلال قراءته للواقع الإقليمي والدولي وما يجرى فى المنطقة العربية على ‏وجه الخصوص يرفض أي تدخل أجنبي أو دعم خارجي من أجل أحداث عملية التغيير ‏فى ليبيا. وإن دور الليبيين فى الخارج ينبغى أن يكون دور تحريضياً فى الدعوة للتغيير ‏السياسي الدستوري بشتى الطرق السلمية.‏

 

لقد كشف المؤتمر وهم إدعاءات القذافى، فبعد سنوات طويلة من القمع والتشريد والقتل، وبعد ‏أن امتلأت السجون والمعتقلات بالالاف من الليبيين، تصور أنه قد قضى نهائياً على كل ‏أشكال المعارضة والرفض لحكمه، غير أنه فوجىء بأن المعارضة الليبية، فصائل ومستقلين ‏وشخصيات، هم اليوم أكثر تنظيماً وقدرة على العمل بصورة جماعية، وأقوى عوداً للتصدى ‏لسياساته وممارساته القامعة لليبيين.‏

 

وجاءت رسالة المؤتمر الثالثة تأكيداً لحراك سياسي يستند إلى وعي عميق وفهم واضح ‏لحقيقة المواجهة مع نظام القذافى، الذى حاول أن يوهم الشعب الليبي والعالم الخارجي ـ على ‏امتداد ثلاثة عقود ـ بأن الصراع هو بين الشعب الليبي بقيادة القذافى من ناحية وبين ‏المعارضين الليبيين فى الخارج من ناحية أخرى، بينما أبرزت قرارات وتوصيات وبيان ‏التوافق الوطني أن لب المشكلة وأصلها ومحور الداء فيها هو القذافى ذاته، وإن حقيقة ‏الصراع هى بين جميع فئات وقطاعات وتوجهات الشعب الليبي فى داخل الوطن من جهة ‏وبين القذافى وأزلامه وأجهزته الفاشية من جهة ثانية، وإن المعارضين الليبيين فى الخارج ما ‏هم إلا امتداد طبيعي شرعي يعبر عن طموحات وآمال الليبيين فى داخل الوطن.‏


إن وضوح هذه الرسالة هو الذى سبب حالة الإرتباك الشديد والشلل الذى أصاب نظام القذافى ‏ودفعه للبحث عن وسائل الإنتقام المليئة باليأس والإحباط، والتى كانت بعيدة كل البعد عن ‏الموضوعية والموازين العقلية.‏

 

الحالة المزرية التى عاشها النظام ترجمت نفسها فى ردود الفعل الغاضبة ومحاولة الزج ‏بالشعب الليبى للخروج لتأييده، وجند العملاء فى مظاهرات مفتعلة، وعقد المؤتمرات الشعبية ‏من أجل التنديد بالمؤتمر تحت قوة التهديد بحرمان أعضائها من حقوقهم المعيشية والحياتية، ‏مما يؤكد على مدى هشاشة هذا النظام وإنعدام قاعدته الشعبية.‏

 

الرسالة الآخرى التى خرجت من المؤتمر كانت ذات مضمون يتعلق بالبيئة الدولية، ‏فالمشاركون يدركون تماماً عمق التشابكات والتعقيدات التى تحيط بالمسألة الليبية، وتداخلات ‏المصالح الإقتصادية والسياسية والإستراتيجية وتقاطعاتها الدولية والإقليمية، لذا ركز ‏المشاركون فى المؤتمر على أوجه التشابه والتوازى فى القيم والمبادىء المتعلقة بالشرعية ‏الدستورية، وهى القيم والمبادىء التى تعارفت عليها جميع شعوب العالم عبر مسيرتها ‏الحضارية الطويلة.‏

 

وجاءت المطالبة بالشرعية الدستورية كحق من الحقوق الطبيعية والأساسية لأي شعب من ‏شعوب العالم بما فى ذلك الشعب الليبي، متناغمة مع السمات التى تحكم طبيعة الأنظمة ‏السياسية فى هذا العصر.‏

 

إن إلغاء نظام القذافى للشرعية الدستورية التى كانت قائمة، ورفضه لوجود أية شرعية ‏دستورية منذ إنقلاب سبتمبر 1969 لا يضعه خارج هذا العصر فحسب، بل إن بقائه على هذا ‏النحو قائم على فرض الأمر الواقع بالقوة مما يعطى الحق للشعب الليبي بمواجهته والمطالبة ‏بتغييره بشتى الطرق.‏

 


وقد نجح المشاركون فى المؤتمر بصورة أكبر عندما أوضحوا للعالم بأنهم سوف يعتمدون ‏على الوسائل والسبل السلمية فى نضالهم السياسي ضد الحكم غير الشرعي، وهو الأمر الذى ‏يبدو أكثر اتساقاً وقبولاً من دول وشعوب العالم اليوم ويكسب نضال الليبيين الإحترام ‏والتشجيع.

 

***

‏‏رد الفعل..‏

تشكل ردود الفعل غير الواعية التى تتراوح مابين الشلل شبه الكامل إلى ردود الفعل العشوائية ‏الغاضبة، وإجتماعات القذافى بعناصر السلطة وقيادات اللجان الثورية، أكبر دليل على ضعف ‏وهشاشة السلطة الحاكمة فى ليبيا، وقناعة القذافى وأجهزته بعدم وجود قاعدة شعبية لهم ‏تساندهم وتدعمهم فى أي مواجهة.‏

 

هذه الحالة المرتبكة ألتى ظهر بها نظام القذافى تطرح الكثير من التساؤلات حول قدرة أجهزة ‏السلطة على التصدى لأي تحرك فى المستقبل نحو أي شكل من أشكال التغيير الذى قد يطرأ ‏فى البلاد.‏

 

بعد أكثر من 36 عاماً من الإستبداد والسيطرة وفرض الأمر الواقع على الشعب الليبي، ‏والاعتقاد بأن الأمور سوف تستمر على هذا النحو للأبد، يجد القذافى نفسه وأجهزته فى ‏مواجهة مع المعارضين الليبيين، وهم أكثر قدرة على العمل الجماعي والنضال السياسي ‏لتخليص البلاد من حكمه الإستبدادي.‏

 

لم يتوقع أحد كيف أن مؤتمراً للمعارضة الليبية بهذا الحجم والإمكانيات المالية الذاتية ‏المتواضعة، والرافض كل الرفض لأي دعم أجنبي أو عربي، ان يهز أركان ومفاصل النظام ‏بهذه الصورة المزرية التى ظهر بها أمام الرأي العام الليبي أولاً ثم أمام بقية دول العالم، ‏فالصورة التى ظهر بها نظام القذافى قد أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أمرين غاية فى ‏الأهمية:‏

 

أولهما: التفسخ المؤسسي للأجهزة القائمة فى ليبيا والذى برز من خلال الشلل الفعلي لهذه ‏الأجهزة عند إنعقاد المؤتمر الوطني، وعدم فعاليتها وعجزها شبه التام عن إنجاز وظائفها فى ‏كيفية التعامل مع هذا الحدث، بالطبع هذا الشلل والعجز يستند إلى غياب قاعدتها الشعبية ‏وإتسام عملها بالغموض والإضطراب والفوضى وغياب المعايير القانونية والشرعية ‏لممارستها.‏

 

ثانيهما: طبيعة شخصية القذافى نفسه والعاملين معه الذين مازالوا يعيشون حالة من التحجر ‏والإنغلاق بسبب سيطرة ثقافة الإرهاب والقمع على عقولهم وأساليب تفكيرهم والتى تمنعهم ‏بالتالي من الرؤية الصحيحة والتقدير الموضوعي العقلاني لطبيعة الموقف السياسي فى ليبيا.‏

 

فقد كشف هذا المؤتمر وردة الفعل العنيفة عليه نمط العقلية المسيطرة على السلطة الحاكمة فى ‏ليبيا، ووضح بما لايقبل الشك بأنها لا تعدو أن تكون عصابة أو مجموعة عصابات محاصرة ‏بالخوف، ومحاطة بسياج من التخلف الذى يحول دون ردة فعل عقلانية.

 

إن لجوء القذافى وأجهزته وكتبة السلطة إلى محاولة تشويه صورة شخصيات ورجالات ‏المعارضة الليبية وإطلاق مختلف النعوت عليهم ومحاولة تحريض المجتمع الليبي ضدهم من ‏خلال رؤية سلبية تعمل على تأجيج العداءات، الأمر الذى يزيد من حالة الاحتقان السياسي ‏القائم أصلاً فى البلاد، غير أن ثمة وعي عام بين جميع الليبيين فى داخل البلاد وخارجها بأن ‏مناورات النظام تهدف إلى تقسيم الليبيين وتشتيت جهودهم، ولا شك ان فشل هذه الجهود يبرز ‏اللجوء إلى الخيارات القمعية والقهرية التى يهدد بها النظام، فضلاً عن محاولة إجبار الليبيين ‏للخروج فى مظاهرات مفتعلة وعقد ما يسمى بالمؤتمرات الشعبية للتنديد بالمعارضين الليبيين.‏


إن سياسة التخويف والتخوين التى تمارسها اللجان الثورية والأجهزة الأمنية على الشعب ‏الليبي فى هذه المرحلة سوف تزيد من حالة الاحتقان السياسي وتأجج مشاعر العداء الكامن ‏ضد النظام وأجهزته، وسوف تقود إلى بناء التحالفات الداخلية فى أية مواجهة قادمة مع ‏النظام.‏

 

كما أن تصعيد التوتر بهذه الصورة يُمكن المعارضة الليبية من جذب الإنتباه إليها ـ ليس من ‏خلال مؤتمرها المنصرم فى حد ذاته، ولكن من خلال القضايا الأوسع التى طرحها هذا ‏المؤتمر وعلى رأسها مسألة غياب الشرعية الدستورية فى ليبيا.‏

 

إن إتساع هذا الحدث (المؤتمر) بهذا الشكل يوفر للمعارضة الليبية والليبيون فى المهجر على ‏وجه الخصوص، الحافز لتنظيم وتعبئة الشعب الليبي، ومع تعاظم مستوى التعبئة والتنظيم ‏الجماعي فأن هذه المعارضة سوف تنجح فى صياغة تكتيكات وإستراتيجيات مختلفة للمواجهة، ‏فشل القذافى فى مواجهة الواقع يفسره العجز عن فهم التقلبات التاريخية العميقة وبالتالي فقدان ‏السيطرة على آليتها والتحكم بها، وردة الفعل التى قام بها النظام لابد وأن تزيد من فقر ‏الأنماط والأساليب الغوغائية التى يستخدمها هذا النظام ويفرغها أكثر فأكثر من محتواها ومن ‏نواتها العقلية حتى لا يبق منها إلا طابعها الإيحائي التهريجي الفارغ.‏

 

كما أن عدم الإعتراف والإقرار بالأزمة الحقيقية والعميقة التى يمر بها ويعيشها الشعب الليبي، ‏لا يعنى بأي حال من الأحوال نجاح القذافى فى تأكيد موقعه وتثبيت سلطته، بل إن ذلك ‏سيكون السبب الرئيسي فى توسيع دائرة المعارضة والرفض فى داخل ليبيا ويعجل بالمواجهة ‏الحقيقية بين الشعب الليبي بكل قطاعاته وشرائحه وتوجهاته وبين القذافى وأزلامه وأجهزته.‏

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع