في أحد أيام الخريف من عام
1930 ولد إنسان ليبي في إحدى خيام المعتقلات الايطالية،
الكثيرة في ليبيا ذلك الوقت مستمعا لحديث وبكاء أفراد أسرته
وضيوفهم، عن ذلك الماضي الجميل والحياة الكريمة التي كانوا
يعيشونها قبل تلك المعتقلات، وعن هذا الحاضر القبيح والحياة
المهينة التي أصبحوا يعيشونها في ذلك الوقت، وأن المستقبل سيكون
أسوأ من ذلك.
لماذا تغيرت أحوال تلك الحياة، التي لم يكن لهم أيّ يد، كعادتهم
دائما، في ذلك التغيّر، وأنه قبل تلك المعتقلات كانت ليبيا تقوم
بتصدير القمح والشعير والاغنام وأشياء أخرى لدول العالم، وتقوم
بصناعة أغلب الاشياء التي كان يستعملها إنسان ذلك الوقت.
ولازال ذلك الليبي الذي ولد في تلك الخيمة حتى يومنا هذا، يجلس
على الكرأسي البيضاء متحدثا عن ذلك الماضي الجميل، بعد أن صارت
ليبيا اليوم تستورد كل شيء من الخارج، حتى القماش الذي يصنع منه
علمها الوطني، ومعه كذلك الخبراء الذين يقومون بخياطة ذلك
العلم!!
وفي نفس ذلك اليوم من خريف عام 1930
ولد إنسان أمريكي في إحدى خيام المساعدات الحكومية، الكثيرة في
أمريكا ذلك الوقت، والتي أقامتها الحكومة بعد الانهيار الاقتصادي
الذي أصاب أمريكا عام 1929،
لمساعدة الناس حتى لايموتوا من الجوع.مستمعا لحديث أفراد أسرته
وضيوفهم، عن ذلك الماضي الجميل والحياة الكريمة التي كانوا
يعيشونها قبل تلك المخيمات، وعن هذا الحاضر القبيح والحياة
المهينة التي أصبحوا يعيشونها في ذلك الوقت، وأن المستقبل سيكون
أحسن وأجمل من ذلك، وأن سبب ذلك التغيّر هو سؤ وفساد إدارتهم
الحكومية، وأنهم جميعا مسئولين عن ذلك، وأنهم سيغيرون تلك
الاحوال مهما كانت الظروف.
بعد ذلك بأقل من خمسة عشر سنه كان بعض أفراد تلك الخيام
الامريكية هم أحد أسباب تخلص ليبيا من الاستعمار الايطالي، وبعد
ذلك باقل من أربعون سنة كان العلم الامريكي هو الوحيد المنصوب
فوق سطح القمر حتى يومنا هذا.
فلماذا اختلف مستقبل الانسان الليبي عن الامريكي، رغم ولادتهم
في ظروف متشابهة من الحياة، وأنهم جميعا أبناء تسعة أشهر،
ويعيشون على نفس الكوكب.
ولمعرفة سبب ذلك الاختلاف، سأحاول أن أقدم لكم دراسة مختصرة عن
الشخصية الامريكية والليبية التي جعلت ذلك الاختلاف ممكنا رغم
تشابه ظروف الحياة بينهما.
أولا الشخصية الامريكية:
يعيش الامريكي وهو يؤمن بأن التغيّر أساس لهذه الحياة،
فالإنسان يبداء حياته طفلا فشابا فعجوزا ثم يموت، وأن أوراق
الشجر القديمة لابد أن تتساقط لتنموا أوراق جديدة مكانها.وأن
هذا التغيّر قد يكون إجتماعيا أو إقتصاديا أو علميا، أو،
أو....
فعندما يرى الامريكي فارا يطارد قطا، لن يكون ذلك شيئا غير
معقول بالنسبة له، بل سيكون شيئا جديدا، مؤكدا لنظرته للحياة،
وسيحاول أن يقوم بدراسة سبب ذلك والاستفادة منه في المستقبل.
وعندما يقف ذلك الامريكي أمام إحدى مشاكل الحياة الكثيرة دائما،
فانه سيحاول التخلص منها أو تغييرها الى الافضل.
فالايمان بالتغيّر هو القاعدة الاساسية لصفة الأمل في هذه
الحياة، التي تجعل من ذلك الامريكي كما قال كاتبهم الكبير (إرنست
همنغواى): (إنسانا لم يصنع
للهزيمة، إنسانا قد يدمر ولكنه لا يهزم).
يعيش الليبي وهو يؤمن بأن الثبات أساس لهذه الحياة، وأن الاشياء
لابد أن تبقى على حالها طول الزمن.
فعندما يرى الليبي حمارا يطارد ضبعا، يكون ذلك شيئا غير معقول
بالنسبة له، ومعاكسا لنظرته للحياة، وسوف يصاب بانهيار عقلي مدى
حياته.
وعندما يقف الليبي أمام إحدى مشاكل الحياة الكثيرة دائما، فانه
لن يحاول التخلص منها أو تغييرها إلى الافضل.
فالايمان بالثبات هو القاعدة الاساسية لصفة اليأس في هذه الحياة،
التي تجعل من ذلك الليبي بعد أن يرى تغيرا بسيطا فى هذه الحياة،
باكيا على حالة الثبات الماضية التي كان يعيشها، نادما على تلك
الايام التي كان فيها الحمار يسقط ميتا بعد أن يرى الضبع أمامه،
مرددا ما قاله الشاعر الليبي الكبير (الفضيل
المهشهش):
أحوال إيبكن
أحوال على اليمين وعلى اليسار يتكن
أحوال خلفن عقدات ما ينفكن
باب النجا منهن الله يجيبه
أحوال خلفن حتى الحمار يهارج
في هيلعا ما خاف من تنييبه
أحوال حاطات الصقر تحت البومه
حتى ان فك منها تلحقه وتجيبه
وإلى لقاء.........
عبدالرازق المنصوري
طبرق-- ليبيا
5 / 6 / 2003