
13/07/05
|
بسم الله الرحمن الرحيم
المؤتمر الوطني للمعارضة... والسلطة
بقلم السنوسي بَلاَّله
ان ماحدث واقعياً، على صعيد انعقاد المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، هو عمل وطني بحت قامت به قوى الرفض الليبية، ولم يكن ممارسة مباشرة للسياسة أو عملاً سياسياً بالمعنى الحِرفي للكلمة. ولذا فهو بحسب فجائية زخم تداعياته كحدث كبير، يعتبر بالنسبة للكثيرين عملاً ليس من السهل استيعابه وفهمه، وبحاصَّة في ظل ثقافة التعتيم (الديكتاتورية). أضف إلى ذلك، وفي سياقه أيضاً، أن الاستحقاقات القوية والمباشرة التي رفعها المؤتمر الوطني، لاشك صدمت العقل الليبي بعامَّة وعقل (الثورجية) بخاصَّة، ولهم في ظل تغييب وعيهم قليل العذر، ولهم إزاء تنطع الكثير منهم كثير التوبيخ. لأن سوء الفهم أو عدم الاستيعاب من طرف غوغاء اللجان للحدث، لم يكن مبرراًً لهم للطعن في المؤتمرين والتشكيك في وطنيتهم، وهم يعلمون أن ليبيا قد تمثَّلت داخله، من أقصاها إلى أقصاها، وبجميع مناطقها وأطيافها، وهو ما يواجه ادعاءات السلطة، ومَنْ يمثّلها، بأن هؤلاء "شرذمة قليلون ..تجمعهم مصالح وأطماع معينة، وتدفعهم قوى استعمارية أجنبية وجهات عميلة..". !! وتلكم مقدمة.
يوم 30/6/2005م. ردَّد المذيع (مراسل قناة الجزيرة في ليبيا)، وكذلك بعض المواطنين الذين التقى بهم ذلك اليوم ...ردَّدوا في تقاريرهم واحاديثهم، على مسمع ومرأى الناس (داخل جماهيرية العقيد القذافي)، وتداولوا بطلاقة ولأكثر من مرة، كلمات وألفاظ ومعاني جديدة على قاموس السلطة السياسية الحاكمة في ليبيا، مثل: المعارضَة، والمؤتمر الوطني، وتنحّي العقيد القذافي، والدستور، ورفض أسلوب التوريث، واعلان حكومة انتقالية و... و... و. ...اللافت أنه بعد وأد السلطة لكثير من هذه المعاني السياسية وأمثالها لأكثر من ثلاثة عقود، يُعيد الوعي السياسي الليبي للذاكرة، في عصر العولمة والإنفتاح الإعلامي، ما كانت أُرغِمَت على تناسيه والقفز فوق معانيه قسراً. وتلكم (الإعادة) خطوة إلى الأمام.
وبنظرة خاطفة إلى الماضي القريب نلاحظ أن هذه الألفاظ والمعاني، كانت في مجملها إحدى اشكاليات الخطاب السياسي للسلطة، لأنها تعني، ضمن ما تعني، وبخاصّة في سردية منطقها وتداعياتها، وأيضاً في أبسط صورها: حرية الرأي، الإعتراف بالآخر "الديموقراطية"، إلاَّ أن المنتظَم السياسي المسيطِر على الوضع في ليبيا، ظل لأكثر من ثلاثة عقود يرفض التعامل بمبدأ المشارَكة السياسية التي تعني الإعتراف بالآخر والتعاطي السياسي معه. وتلكم قصة طويلة يختزلها العجب في حكم الفرد، ويُعيدها ويفرضها على الواقع السياسي بقوة، تعنُّت الفرد الحاكم ذاته. ذلك الذي لم يقبلها طوعاً ويعلم الآن أنه سيقبلها كرهاً، حتى لو ادعى أو زعم تجاهل هذه الحقيقة، التي أضحت من كثرة تكرارها هنا وهناك بدهية من بدهيات السياسة في هذا العصر: عصر انتفاضة الشعوب. تلكم حقيقة.
من يهتم بالأحداث ويرصدها لا يجب أن ينظر إلى القضية الليبية في بُعدها السياسي فحسب. بل إن القضية الوطنية -بسبب طُول حكم القذافي وتعامله معها- بحسب وجهة نظره الفردية، قد حدث لها (للقضية) تداعيات كثيرة وخطيرة تُلح على الإنقاذ، بل والإسراع في ذلك، لإنقاذ ما يمكن انقاذه منها، على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الإنسان، ناهِيك بالطبع عن الجوانب السياسية المنهارة أصلاً، نظير فقدان المصداقية والتطوير والقدرة على التكيُّف مع المتغيّرات العالمية. وهو ما ألحَّ بمجمله، في المقابل، على انعقاد هذا المؤتمر الوطني. وتلكم مسؤولية.
إن الوصفة القذافية لم تعُد تُجدي نفعاً نظير استفحال واستشراء داء الفساد، وعُقم نظرية العلاج وعدم فاعليتها، بحكم تخلف تركيبتها العلاجية، وعجزها وقصورها عن مداواة (مشاكي) العصر "الديموقراطية والشفافية وحقوق الإنسان و...". وعلى الرغم من اتساع الخرق على الراقع، وهو ما يتطلَّب منطقياً معالجة أكثر موضوعية، إلاَّ أن كل ما فكَّر العقيد بشأنه في هذا الخصوص، هو التظاهر بتجاهل أمر المؤتمر أو على الأصح الإدعاء والزعم بتفاهة الحدث أصلاً، ومحاولة تسفيه القضية برمتها، وذلك من خلال إحالة الموضوع على المؤتمرات واللجان. حيث تم الإيحاء للمؤتمرات الشعبية الأساسية -خلال دورة اجتماعاتها للعام 2005م.- بأن تتعامل مع هذا الحدث بما يرديه ويبخسه، وطُلب إلى بعض القبائل أن تدينه وتشجبه في سياق ما أسمته "..المحاولات اليائسة للتطاول على خيارات الشعب...". في الوقت الذي يعلم فيه الجميع، بمن فيهم أعضاء المؤتمرات الشعبية واللجان الثورية، أن تلك (الخيارات!!) كانت قد فُرضت على الشعب قسراً، ولم يُستشَرْ بشأنها، ومن ثم لم يختَرها. وتلكم المعالجة كانت، بالطبع، معالجة قاصرة.
لقد كانت محاولة جمع ما يُسمى بالمؤتمرات الشعبية خطوة معروفة مسبقاً من طرف القذافي، لرمي هذه المشاكل فوق اكتاف المخدوعين من اعضاء هذه المؤتمرات، التي لا تقدم ولا تؤخِّر في القضية شيئاً. وفي المرة القادمة، وهذه لن تكون المرة الأخيرة التي يتجاوز فيها القذافي أراء "وقرارات" مَن حوله، وبخاصة هياكله "الشكلية" السياسية، حيث سيتجاوزها هذه المرة بطريقة عكسية، وسيرضخ لاستحقاقات المرحلة، شاء أم أبى. !! وتلكم ستكون حلقة ضمن حلقات الانبطاح، بعد المزاودة (التعويضات نموذجاً).
أفادت التقارير في ذلك السياق إلى أن ردة الفعل السطحية، التي استظهرها القذافي من مؤتمراته الشعبية الأساسية (في 2/7/2005م.)، كانت تنضح بعبط المفردات القديمة المصنَّفة داخل متن القاموس الثورجي المهترئ منذ عقود. وعلى الرغم من سطحيتها وعجزها عن إدراك ما يدور حولها من أحداث جسام، إلاَّ أننا نورد منها هنا، من باب العلم بالشىء، بعض النماذج فقط –نقلاً عن وسائل الإعلام الرسمية "بالجماهيرية"- وهي على النحو التالي:
* المؤتمرات الشعبية الأساسية في شعبية بنغازي، قالت: "...كيف تكون الشرذمة المتآمرة وصية على الشعب.. لا بدَّ من القصاص منها، وجعلها عبرة لمن يعتبر. (...) إن الديموقراطية المباشرة تساوي سلطة الشعب. (...) الخونة والمرتدّين دُمىً وأذناباً للغرب، يودّون الرجوع للتبعية. (...) الخزي والعار للخونة المتآمرين المجرمين. (...) المجد والخلود للقائد معمر القذافي (...). مفجِّر عصر الجماهير، وصقر أفريقيا الأوحد...).
* الإتحادات والنقابات والروابط المهنية العامة بالجماهيرية/طرابلس، أصدرت بياناً في اجتماعها العادي، تدافع فيه عن: "... سلطة الشعب، وتتمسَّك بها للسيطرة على مقدّرات الشعب (...) وتتمسَّك بمعمَّر قائداً وراعياً للديموقراطية، وتجدد البيعة له...".
* القيادات الشعبية الإجتماعية بشعبية طرابلس، بعثت برقية تأييد للعقيد القذافي: "...ضدّ الجواسيس، ممن ينشرون الدعايات المغرضة ضد الجماهيرية العظمى وسلطة الشعب، ويعملون على هدم اللُّحمة الوطنية...".
* عدد من القبائل (في الجماهيرية العظمى) أرغِمت على تقديم: "... وثيقة عهد ومبايعة للقائد معمر القذافي (...) والموت لعملاء الغرب والرجعية العربية، أعداء سلطة الشعب (...) والمجد، كل المجد، لقائد الثورة...".
* (جماهير القانونيين في الجماهيرية العظمى) أرسلت برقية للعقيد القذافي قالت عنه: "...أنه هو الحقوقي الأول (...وقالت) ان كل مَن لم يستوضح حقيقة الثورة، فنحن على استعداد لمناقشته !! (...كما طالبت) بارسال برقية احتجاج لبريطانيا لسماحها بعقد المؤتمر فوق أراضيها...". !! وتلكم في مجملها، نكوصات، وعودة خائبة لمرجعية الخطاب السياسي منتصف وأواخر السبعينيات.
في ظل المفاهيم السياسية الشائعة في عصر "الدمقرطة والشفافية، وحقوق الإنسان"، يعتبر تعامل القذافي مع حدث المؤتمر الوطني سلباً، نقطة سيئة تُحسَب ضده، سواء بالمنظور المحلي أو الدولي، وبخاصَّة في إطار ميزان علاقته بالرأي الآخر والديموقراطية، ومزاوداته بشأنها. وستوضع محصّلة ردّ فعل السلطة "الدولة" والقذافي، باعتباره رأس السلطة، تجاه المؤتمر الوطني أمام الموازين الدولية المعنية بنشر الديموقراطية وثقافة حقوق الإنسان، في الوقت المناسب، لتوضح حقيقة وكيفية تعامل القذافي مع هذه القيم وأمثالها. وتلكم بعض أوجه عدم القدرة على التفاعل مع المتغيرات الدولية، لا بل عدم القدرة على استيعابها.
تبقى الإشارة ختاماً إلى أهمية استحقاقات المؤتمر الوطني بشأن رفض أسلوب التوريث، وما يعنيه ذلك من اجهاض لمخططات سيف، واطماعه في تولّي الحكم، بالتنسيق مع أبيه -أو بغيره-. وأيضاً الإستحقاق المعني بالتركيز على معنى "تكوين آلية قانونية، لملاحقة كل مَن ارتكب جرائم ضد الإنسانية، ومقاضاته أمام المحاكم الدولية المختصَّة..."، ممثَّلاً بالذات في قضية (مذبحة سجن أبو سليم)، وقضايا الإختطاف والتغييب القسري، المتضَمِّن قضايا الإمام موسى الصدر ومنصور رشيد الكيخيا وعزات المقريف وجاب الله مطر ....ناهيك عن المفقودين في حروب أوغنده وتشاد، حيث ستظل هذه القضايا والأمور من أبشع الهواجس التي تطارد العقيد، لتصل به إلى محكمة لاهاي. وتلكم عدالة وقصاص.
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()