الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

23/07/05


 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

التميُّز : لغة عصر ... للعمل الإذاعي

 

بقلم السنوسي بلاَّلّه

 

(2-2)

 

       إن ما نعنيه أو على الأصّح ما نهدف إليه من وراء هدف إحلال أو موْضَعَةِ كلمة (التميُّز) وسط زخم العمل الإذاعي المُقدَّم إلى جمهور المستمعين، هو أن يصبح التميّز (كصفة) هو ذاته (الفعل). وبمعنى آخر أن يكون التميُّز إطاراً عاماً للعمل الإذاعي، من حيث الشكل والمضمون.

 

        ولمحاولة تفصيل ذلك التصور تجب الإشارة إلى أن العمل الإذاعي أصلاً، ينبغي أن يتم من خلال وجود فِرق عمل يكمل بعضها بعضاً، تقوم على الإنسجام والتفاعل الذي ينمّي بينها شعور الحس المشترَك -كعامل معنوي مهم- يلضم كافة الجهود في عقد عمل جماعي رائع، ليتدرّج بروز العمل خطوة خطوة في تسلسل منطقي، يقوم في دور البداءة على محاولة الفرد ممارسة التقويم الذاتي للفكرة (الإذاعية) الخام، ثم عرض هذه الفكرة -على نطاق محدود- على بعض أعضاء فريق العمل الإذاعي، ومناقشتها معهم، للأخذ برأيهم ثم أخذ ملاحظاتهم بشأنها.

 

        وتعقب ذلك مرحلة التهيؤ لدخول المرحلة العملية التي يتم التحرّك خلالها على محاور عِدَّة يربط بينها الذوق أو الحس الفني المشترَك الذي يساهم في تطور ونضوج العمل الفني إلى حدٍ كبير. في هذه المرحلة (العملية) تتكامل نقوش عباءة التميُّز تتراً، بما يطبعها من لمسات فنية وتقنية متعدِّدة، من بينها الكلمة والموسيقى، اللتان توظَّفان هنا لخدمة أغراض وإحتياجات العمل الفني، بإختلاف الأوضاع والأنماط والأشكال. ثم الولوج بعد ذلك إلى مرحلة عصرنة الفكرة من خلال تمريرها عبر آليّات العصر التقنية، سواء بالإغتراف من نبع (الإنترنت) أو بالتوقّف عند محطّات وكالات الأنباء ومصارف المعلومات المتعدِّدة، أو بغير ذلك من السبُل التي توَّفرها لهم تقنيات العصر العلمية والمعلوماتية، التي تمكِّن من إستيفاء وإستكمال نواقص أعمالهم المختلفة.

 

        وربما كان عمل الفنيين على صعيد هذه المرحلة غُدّواً ورواحاً، بإستخدام الآلة تارةً، وإعمال الحواس تارةً أخرى، وإطلاق العنان للخيال تارات متتابعات، هو الأكبر جهداً من أجل توفير سبُل الإنبثاق والنجاح لتلك الفكرة أو ذلك العمل.

 

        ولعل إحدى الخلاصات المرجوة عقب الإنتهاء من هذه المرحلة بالذات هو أن تخلع الحيوية رداءها على المسار المتوقَّع لهذا العمل الفني، مما يكسبه من ثمَّ قبولاً طيّباً لدى كافة المستمعين، وهو لبُّ أو جوهر ما يسعى إليه العاملون بالإذاعة، وهو من جانب آخر تلخيص موضوعي لما يمكن أن يكون إجابة متقبَّلة على سؤال (ماذا ينبغي عمله؟) المشار إليه.

 

        يكتسب العمل الإذاعي تميّزه أحياناً من خلال حيوية معالجته لقضايا الساعة، ومواكبة الجديد، على مختلف صعُد عوالم الإبداع، وتنقّله عبر البرامج والمواد المختلفة، بين شتّى الفئات والأعمار والمواقع ، والإلتقاء بالمسئوولين ومواجهتهم بتبعات مسئوولياتهم، والإستعانة بآرائهم، والنزول -على صعيد آخر- إلى مختلف مستويات المستمعين ، بمراعاة الفروق الفردية بينهم، من أجل تقديم صورة متكاملة ومباشرة عن قضية أو حدثٍ ما، أمكن للإذاعة التعامل معه أو معالجته في أية فترة من الفترات. ولعل ما يُطلق عليه عادة مواضيع أو أحداث وقضايا الساعة بالذات، هي الأكثر لفتاً لإنتباه المستمع، وجعلهِ أكثر متابعة للإذاعة والإستئناس بما يرد عبر برامجها من أفكار وآراء تتناول هذا الحدث أو ذاك، بالخبر أو التعليق أو النغم أحياناً. إن التنوّع الفئوي الذي تتحرّك الإذاعة على مساحة أرضيته أثناء معالجتها أو تغطيتها لحدث هام أو قضية ملحّة، هو الذي يدفع المستمع إلى المتابعة المكثّفة لبرامجها بغية الإلمام بشتّى الأفكار المتطابقة والمتضاربة، على السواء، من أجل الإلمام الكامل بكافّة ظروف ومعطيات الموضوع قيد التناول والمناقشة. إضافة إلى شعور المستمع ذاته، بأنه يعمل من خلال تركيزه هذا، على إشباع حاجته من أوجهِ المعرفة والمعلومات المختلفة، وأن لا غِنً له عن المادة الإذاعية (الراديو) بإستمرار وفي مختلف الأوقات.

 

        ومن هنا فلعله من المهم فعلاً، في العمل الإذاعي، الأخذ بمبدأ إتاحة الفرصة للمستمعين، من خلال بعض برامج الإذاعة، للمشاركة بأفكارهم وآرائهم وإقتراحاتهم، والأخذ ببعضها فعلياً، من أجل زرع الثقة بين الإذاعة والمستمعين، الذين يشعرون بعد حين من ذلك أن (هذه) الإذاعة تُعدّ منبراً متاحاً وخاصاً بهم، يستطيعون من خلاله التعبير عما يجيش داخلهم من مشاعر وأفكار وأحاسيس. ما يعكس القول، في المقابل، بأن الإذاعة هي إحدى وسائل بلورة الرأي العام (المستنير) داخل المجتمع، ويجعل كافّة العاملين بها مستنفَرِين في دائرة النشاط المتواصل، من أجل أن يكونوا على مستوى هذه المسؤولية الضخمة، التي تستحق منهم كل جهد وتقدير، بإعتبارها رسالة حضارية ذات قيمة كبرى وأبعاد مختلفة.

 

        ومن الجدير ملاحظته أيضاً، في سياق (محاذير) التخاطب مع المستمعين -كما ألمحنا- الإبتعاد الكامل عن إتخاذ موقع المُعَلِّم أو الموجِّه، على الرغم مما تحمله رسالة الإذاعة من المعاني السامية للإرشاد والنصح والتوجيه، حيث ينبغي أن يتم حدوث مثل هذه المعاني بصورة تلقائية عفوية مبرمجة سلفاً، إلاَّ أن تمريرها يتم بالوسائل والطرق غير المباشرة، ما يضمن أحسن النتائج وأفضلها، ولا يدفع بالمستمع إلى التبرّم أو الضيق والنفور.

 

        ويتم كل ذلك في الوقت الذي يعلم فيه القائمون على العمل الإذاعي أنهم يتواكبون -أو يتنافسون- في ركضهم داخل حلبة الإبداع لكسب المهتمّين (والمعجبين)، مع أحصنة سبق متميِّزة (ومتطورة) من فصائل وأجناس التقنية المعاصرة (التلفزيون والكمبيوتر وشبكات الإنترنت ...إلخ).

 

        إن العمل الإذاعي الجيّد هو، كما أسلفنا، ذات التميّز الذي يُعطي القدرة للمستمع -في المقابل- ليستطيع أن يختار ويميّز بين جودة البث المسموع لهذه الإذاعة أو تلك، ويمنحه القول الفصل بشأن أفضلية هذه المادة أو تلك، ومن ثمَّ تفضيل هذه الإذاعة على تلك، وهو ما تحاول كافّة الإذاعات -في العالم- كسبه أو الحصول عليه، كدليل على قدرتها على العطاء الجيّد، وكدفع أو دعم معنوي مطلوب، يعبِّر على جانب آخر، عن تواصل هامّ ومرجوٍ بين الإذاعة ومستمعيها في كل مكان.

 

        ولكن إلى ذلك كله لا ينبغي أن نقول أن الإذاعة قد حققت التميّز، فقط، لنَيلها التفضيل أو الأفضلية التي يعبّر عنها المستمع بطريق أو بآخر، أو يمكن التكهّن بها عبر أية وسيلة من وسائل الإستبيان أو الإستقصاء أو غيرها من آليّات حصرِ أو معرفةِ ميَلِ وتوجهِ الرأي العام، حيال أية قضية من القضايا العامة، لا بل إن التميّز المنشود هو في ذاته، بالإضافة إلى بعض ما سبق ذكره، رسالة لخدمة الإنسان (الفرد والجماعة) ولإشباع مختلف حاجاته، داخل حدود الوطن وخارجه، يقوم على الإعداد لها والقيام بها بعض من المهتمّين بضرورة تواتر ومضاتها وإشعاعها وعموم فائدتها، عبر قنوات وآليّات مختلفة، تقوم في النهاية بدورها المطلوب على صعيد التواجد أو التجمّع البشري بعامَّة.

       

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع