

د/ جاب الله موسى حسن
09/07/05
|
لكل مقام عباءة!!
أتيحت لي الفرصة أن ارقب عن كثب العلاقة بين القائد والمقود في عدد غير قليل من الأمانات وعلى رأسها جامعة بنغازي ، لكنني كنت شغوفا أكثر بمراقبة سلوك الإنسان الفرد حين يكون قائدا ومقودا في أن واحد. في الحالة الأولى سرعان ما يتحول المرء محدود الإمكانات بمجرد تقلده مراسم منصبه، إلى ثوري حتى النخاع،بل يذهب أكثر من ذلك بالقول أنا دمي أخضر!! ويحيط نفسه بمساعدة آخرين، بهالة يمتزج فيها الواقعي بالخيالي، والحقيقي بالأسطوري، ويتمخض الأمر في النهاية عن إنسان خارق للعادة ، يدفع به ليتربع على أكتاف الآخرين، الذين قد يشعر بعضهم بالامتنان والسعادة لان أكتافهم نالت شرف حمل مؤخرة الفارس الهمام!! ولهذا قال على الشاعري قولته المشهورة "يا ريتني جواداً ليمتطيني العقيد!!"
في الحالة الثانية التي يكون فيها الإنسان قائدا ومقودا في أن واحد يسهل أن ترى شخصين في شخص واحد، الأول يتبدى في صورة ثوري، حين يؤدي دور القائد بشكل ميميكي مزعج!!إشاراته أوامره، إيماءاته التي تثير الفزع وتنشر الخوف ،أما كلماته فهي أفخم المباني تحتضن أروع المعاني ،كل من حوله يسير في ركابه، ويضبط في اتجاهه بوصلة الجسد والروح، العقل والشعور، الأعصاب والضمير، أما الثاني فهو حين يتحول هذا الإنسان نفسه إلى مقود، ساعتها يخلع عنه جلد الثوري ذو الدم الأخضر، ويتزين بريش النعامة ، وتتغير على الفور ملامح وجهه ، وتصبح قامته اقل طولا واكثر انحناء ، أما يداه اللتان كانتا معقودتين خلف ظهره ،فتتدليان أمامه تتناوب إحداهما فرك الأخرى في حذر وريبة، وتلمع العيون التي كانت جامدة بالإشفاق والود وتتمنى القرب ، ويصبح صاحبنا عف اللسان ودودا ، مطيعا وخدوما، ناعما وخجولا!!يا سبحان الله!هذا هو رجب أبو دبوس!!
مما يؤسف له أن بنية الإنسان الليبي في الوقت الحالي تنهض على هذه الثنائية ، ثنائية الثوري ـ النعامة ،فالمرء أما ثوري و إما نعامة ، وقد يحمل بين جنبيه الجنينين،: جين الثوري و جين النعامة،وذلك حين يظل محتفظا في حقيبته "بالكاب الأخضر" العباءة الخضراء ونسخة من الكتاب الأخضر وبريش النعامة يرتدي أيهما شاء حسب طبيعة المقام والموقف، فلكل مقام عباءة. لكن السؤال.. ما هي الأسباب التي أفضت بالإنسان الليبي أن يصبح بهذا الحال ؟. وللإجابة نقول:هذا أمر شرحه يطول .فقط نكتفي بقول الشاعر القديم وهو يصور موقفه مع الوالي العربي الحجاج بن يوسف الثقفي ، وذلك حين تجاوز الأخير الحد معه فقال: أسد علي وفي الحروب نعامة!!
د/ جاب الله موسى حسن أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()