الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتـّاب

 

 د/ جاب الله موسى حسن


20/07/05


 

 

حروب القذافي الوهمية !!

 

"مجرد سؤال: لماذا يصبر الشعب الليبي على جرائم القذافى وفضائحه كل هذه السنين ..

 وبعد أن يتم اعتقاله أو قتلة سوف نسمع ما لا يمكن أن نصدقه؟!!"

 

 الحرب قبل كل شيء هي مسألة التكاليف والمنافع. كانت الحرب ولا تزال إحدى أشكال العلاقات بين الدول، فكل دولة تسعى إلى أن تكون قوية وذات هيمنة لابد لها أن تمر بتجربة الحرب. فإذا خرجت منتصرة فأنها تفرض نفسها كقوة لا على الدولة المهزومة فحسب وانما أمام الدول الأخرى أيضا، خصوصا تلك التي تقع ضمن مدارها الجغرافي السياسي . وتبقى علاقة القوة حتى حرب أخرى، والمنتصر هو الذي يفرض شروط السلام وطبيعة العلاقات في فترة ما بعد الحرب، ولا يستطيع المهزوم في اكثر الأحوال إلا القبول بالشروط المفروضة عليه. ولو كان المهزوم هو المنتصر لما فعل غير ذلك. هذا المفهوم عن الحرب قديم لم يتغير في العصر الحديث. ما تغير هو طريقة الحرب ذاتها . فإذا كانت تتطلب في العصور الكلاسيكية تهيئة الرأي العام وتعبئة الجيش ثم دفعه إلى ساحة القتال، فإنها ،ومنذ الحرب العالمية الثانية، قد تصل إلى تعيين المنتصر والمهزوم من دون أن يدخل الجيش في مواجهة حاسمة مع العدو. والحرب الباردة كانت واحدة من الحروب المعاصرة، فالمعسكر الاشتراكي انهار من دون أن تدخل جيوشه في مواجهة عسكرية مع جيوش الغرب الديموقراطي الليبرالي أو العكس. ولا أحد ينكر بان المعسكر الاشتراكي كان هو الخاسر. وارتضى تلك النهاية من دون استعمال ما لديه من الأسلحة النووية لتدمير الجانب الآخر!!

 

القذافي خاض عدة حروب ومع أكثر من دولة والتي كان أخرها الحرب التشادية ولكن بذهنية وتكتيك كلاسيكيين  ولا نقل متخلف ، وأسلحة يشبهها المتخصصون بأسلحة الحرب العالمية الثانية وحتى الحرب العالمية الأولى.خصوصا إذا قورنت بتكتيك حرب العصابات التي استعملها الخصم . ويمكن إجراء المقارنة نفسها في ما يتعلق بالطريقة والذهنية التي أدار الأمريكيون غاراتهم الجوية في الرابع عشر من  إبريل عام 1986. وبشكل آخر،يمكن تشبيه حرب القذافي ضد الطائرات الأمريكية المغيرة بحرب عنترة بن شداد حاملا سيفه ،ليحارب الطائرات القادمة من بعيد والتي تصعب حتى مشاهدتها . أو حرب "الفرقلة" ، كما يقول الليبيون. مثل هذه الحرب واضحة من مفهوم التكاليف والمنافع. أنها حرب وهمية بالنسبة للضعيف، كانت ولا تزال. أي أن النتائج جلية قبل الدخول في المواجهة. ومن يؤمن بحروب القذافي كحروب حقيقية، تلك التي ينتظرها الحفاة والجوعى وعددهم كثير؟!من هو الذي يؤمن بأن القذافي حارب ولا يزال يحارب الأمريكيين؟!

 

فخسارته كانت حقيقية. أما حربه  ومقاومته فهما وهميتان، إلا على من يصعب عليه النظر إلى المسائل كما هي، ولا عيب في أن يحتاج الإنسان إلى الإيمان بالأوهام، مادام الأيمان لا يضر بأحد ويوفر الطمأنينة والراحة العقلية والنفسية. لكن النظام الليبي شن حروبا حقيقية منذ خمسة وثلاثون عاما. أولها و أعتاه هي التي يشنها على الليبيين أنفسهم وبكل اتجاهاتهم وانتماءاتهم. وكان ولا يزال نجاحه في هذا المجال غير قابل للشك. فالقذافي هو الذي دفع بجيش ليبيا وشعبها إلى ساحة حروبه الشخصية والتي لم يكن لليبيين فيها أية منافع .فقدت ليبيا مئات القتلى , ناهيك عن المئات  من المعوقين جسديا، أما المشوهون نفسيا فعددهم لا يمكن أن يقدر!!

 

 وحتى أولئك الذين عاشوا في كنف السلطة وذاقوا من طيباتها لم ينجوا من آلة الموت. لان ما حصلوا عليه لم يكن بلا مقابل . كان عليهم أن يقتلوا في أنفسهم الشيء الكثير من الإنسانية ويربوا فيها روح العدوانية والعنف، وكذلك روح الخضوع والخنوع المطلقين . فهم أيضا وبشكل من الأشكال ضحايا مع كونهم من حظيرة الجلادين. الشهادات التي أخذت تنتشر ما بين فترة وأخرى تدل على الحال البائسة لأولئك الذين ركبوا قطار النظام. ودفعت حروب القذافي عددا هائلا من الليبيين إلى الهروب من ليبيا والتسكع في دول أخرى طلبا للقمة العيش أو الاستمرار في الحياة بعيدا آلة اللجان الثورية القامعة ناهيك عما يقال حول النساء اللواتي لم يعد لديهن شيء لبيعه غير أنفسهن.!!

 

أما الحرب الأخرى التي قادها القذافي وانهزم فيها فكانت ضد الشعب التشادي ، فهناك أيضا ضحايا  وجرحى ومعوقين نتيجة الحرب التي دامت عدة سنوات . توهم القذافي  تحت سطوة جنون العظمة بأن السلطة المركزية في الدولة التشادية ضعيفة مما جعله يشن حرب خاطفة يخرج منها بعد أيام بمنافع مختلفة. فإذا به يهزم ويقتل الأبرياء ويشرد كثير من الناس ، وحربه الأخرى كانت على الشعب الليبي كما ذكرنا، وحربه التي انتصر فيها أيضا كانت ولا تزال على الشعب الليبي وعلى ثرواته وسمعته. فخلال حروب الداخل والخارج هدر الملايين من الدولارات وعرض ممتلكات لا يمكن تقديرها للدمار.. وجعل من المنطقة مختبرا لتجارب الأسلحة والإرهاب ، واضطرت الدول الغنية إلى صرف اعتماداتها ورأس مالها. فلم يستفد غير الغرب من تلك الأموال  الليبية. ولم تنتج من حروبه منافع!!

 

مع كل هذا هناك من يرى في حروبه الوهمية حروبا حقيقية فيقفون معها باسم العروبة أو باسم العداء لإسرائيل. ويشهرون سيوف الخطابة ناشرين التهديدات هنا، والنصائح والأحكام هناك، مدعين انتماءات لإخفاء ولاءات أخرى لكنهم لا يريدون إنهاء استبداد  نظام القذافي وحروبه الوهمية. ما يأسف له العديد من الليبيين هو أن العديد من العرب اختاروا أن يخوضوا حروبا وهمية ،ضد أمريكا وعبر نظام القذافي ،حتى آخر قدم حافية ليبية، تماما مثلما اختارت بريطانيا  خلال الحرب العالمية الثانية أن تحارب حتى آخر جندي هندي..!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع