الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتـّاب

 

 د/ جاب الله موسى حسن


26/07/05


 

 

لماذا التعليم والصحة والقوات المسلحة...  تتعرض لعبث اللجان الثورية؟!!

 

"عندما تحب الحرية تحب الآخرين...

وعندما تسعى إلى العظمة تحبها  لنفسك فقط!!"

 

ليس غريبا أن يظهر في بلد عربي حاكم طاغية مثل القذافي يكتم الأنفاس ويكمم الأفواه ويحرق الأرض ويذل البشر ويدخل في مغامرات عسكرية جنونية،يدفع ثمنها الشعب، مثل حربه ضد أتشاد وأوغندا، وجرائم تتبع الليبيين في الخارج وتصفيتهم جسدياً ،وما سقط من ضحايا في هذه المغامرات بلغ أرقاما مهولة، وما تكبده الشعب الليبي من خسائر وصلت إلى مئات الملايين،وهي أرقام تنطق برعب وبشاعة ما حدث، وتختفي وراءها ويلات وفواجع لا تنتهي بانتهاء نظام القذافي، ولكنها تبقى لازمنه طويلة في شكل دمار وخراب وفقر وأرامل وأيتام وثكالى ومعاقين، ولا داعي لان نغمض أعيننا ونفكر في عمليات البناء والنماء والعمران التي كان يمكن أن تشهدها ليبيا لو أن هذه المبالغ سخرت للخير والسلام بدل الإرهاب والدمار، فهذا اكبر من أن تصل إليه أحلام أي مواطن ليبي يطلب الستر، ويكدح من اجل تأمين لقمة العيش لأطفاله،بعد أن ترك "الثروة والسلطة والسلاح"!! والبذخ والترفيه للقذافي ولجانه الثورية!!

 

 ولكن هذه الأحلام البسيطة ،حرم منها المواطن الليبي الذي ابتلاه الله بحاكم قذف به في أتون الجحيم و أشعل فوق أرضه الحرائق وجعله وقودا لأبشع المغامرات، وهي مغامرات لا معنى لها ولا أهداف وطنية  تسعى لتحقيقها ولا قضية كبرى تبرر قيامها،فهي مغامرات غبية ،عبثية،لا دوافع لها إلا الجنون والإجرام وأوهام العظمة، ولا رابح من ورائها إلا تجار السوق السوداء في الغرب والشرق. أقول انه ليس غريبا أن يصل مثل هذا الطاغية إلى الحكم، فقد وصل قبله طغاة لحكم بلدان وشعوب اكثر وعياً وتعليماً في مضمار العلوم والمعارف والصناعات، مثل هتلر في ألمانيا،وموسيليني في إيطاليا، وعدد لا يحصى من الطغاة الصغار الذين وصلوا لحكم أقطار أوربية مثل أسبانيا واليونان وسجلوا جميعهم صفحات مخزية سوداء في تاريخ البشرية لا تقل شرا ودموية عن سجلات القذافي!!

 

ولكن الغريب حقا، والذي يدعو للدهشة والعجب،ويجلب الإحباط والكآبة والقنوط، هو أن نجد بين الصحفيين العرب ممن يعيشون بعيدا عن سطوته وإرهابه،ولا خوف عليهم من أجهزته الأمنية ولجانه الثورية،من يشايعه ويؤيد تصرفاته ،ويؤمن به قائدا ومفكراً وأميناً على القومية العربية قائد خُلق لمقارعة الإمبريالية والاستعمار وتحقيق النصر!! لعلهم يكتشفون بأن كل ما حدث من دمار لليبيا أن هو إلا صورة من صور هذا التحدي،كما تقول أبواق الدعاية الرسمية في ليبيا!!

 

واعرف شخصيا من هؤلاء الناس من بلغ به حد الإعجاب بالقذافي أن أسمى به أحد أطفاله، وليت الأمر اقتصر على بعض المواطنين البسطاء ،ممن يسهل التغرير بهم، وتصوير الصراع بين القذافي والغرب وكأنه صراع حقيقي، وليس تمثلية يلعب فيها القذافي دورا محددا،مرسوما له، منذ أول يوم أوصلوه فيه إلى سدة الحكم. هل من المعقول أن تخرج القواعد الأمريكية والبريطانية من ليبيا بعد انقلاب سبتمبر بهذه السهولة؟!! وليس هذا فحسب،بل حافظ القذافي على عدم المساس بالشركات النفطية وبقائها خارج دائرة سياسة التخريب المنظم التي تعرضت وتتعرض له كافة المؤسسات الأخرى، ابتداء بزرع المثابات الثورية داخل مؤسسات التعليم مروراً بغوغائية اللجان الثورية داخل القطاعات الصحية والتعليمية بما فيها القوات المسلحة وانتهاء بسيطرة اللجان الثورية على هذه المؤسسات وتدميرها!!

 

أن بقاء الشركات النفطية خارج طائلة التدمير دائما مثار تساءل من قبل كل الليبيين؟! لماذا التعليم والصحة والقوات المسلحة؟! تتعرض لعبث اللجان الثورية ومثاباتها؟! لماذا الشركات النفطية مصانة من هذا التدمير السياسي والاقتصادي والأخلاقي؟! وهذا ما عبر عنه الكاتب الاقتصادي سمير صبح في مقاله "البطالة والرشوة والعمولات تهدد استقرار الاقتصاد الليبي". عندما قال.. أن منع العقيد معمر القذافي أياً كان على مستوى السلطة، بما في ذلك اللجان الثورية من التدخل في شؤون المؤسسات النفطية، أو حتى مجرد الاقتراب منها.(الحياة ـ الأحد ـ 17-1-1999 ـ ص11) أن ما حدث ويحدث في مؤسساتنا التعليمية والصحية إنما يعبر عن مؤامرة كبيرة!!.

 

أن الشعب الليبي ليس بغافل عن مؤامرات القذافة وعلاقاته المشبوه. ولكننا للأسف الشديد،نرى بعض الصحف كصحيفة الأسبوع المصرية مثلاً يحررها صحفيون ينتسبون إلى الطلائع المستنيرة في المجتمع المصري ،تمنح القذافي،ألقاب القائد المفكر، وأمين القومية العربية إلى ذلك من الترهات والألقاب الرخيصة، وهي تعرف قبل غيرها ،حجم الكوارث التي أصابت الشعب الليبي على يديه، وإذا عزونا ،بعض هذا الكلام، إلى ثروة الوطن التي ظلت رغم الجوع والقهر والموت والدمار والعار وكل ما يتعرض له الشعب الليبي من أنواع الكرب والبلاء، تتدفق من خزائن القذافي على قبيلته ومشايعيه داخل ليبيا وخارجها. فماذا نقول عن مفكرين سياسيين صنعوا لأنفسهم  مجدا وتاريخا بسبب عمق معالجتهم واطروحاتهم ،ارتكبوا هم أيضا خطيئة الوقوف مع الطغيان، وكتبوا المقالات ونشروا الكتب التي تدافع عن القذافي وتبجله،وقد حضرت شخصيا ندوة فكرية عُقدت بمناسبة معرض الكتاب بالقاهرة شارك فيها بعض مفكرون ،وكنت في صف الأقلية التي أدانت تصرفات القذافي ومغامراته الإرهابية.

 

لم تكن الصدمة فقط فيما فعله القذافي ولكن الصدمة الأكبر في ما تكتبه بعض الأقلام الصحفية التي  تعجز عن إدراك حجم الجريمة ولا تستطيع أن ترى الكارثة القادمة التي سوف يبتلي بها الشعب الليبي!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع