

د/ جاب الله موسى حسن
27/07/05
|
المعارض الجيد هو المتدلي من حبل المشنقة... أو هكذا تقول غرف البالتوك!!
"نحن كليبيين إذا نظرنا للتاريخ تحسرنا... وإذا نظرنا للحاضر حزنا... وإذا نظرنا للمستقبل بكينا!!"
رغم شغفنا بالشقاق في غرف البالتوك هناك اتفاق بيننا ،نحن الليبيين الموجدين في الشتات، بوجوب إزالة نظام القذافي،المندمج بنظام القبيلة الواحدة،واستبداله بنظام برلماني ،تعددي ،تداولي ديمقراطي،ولعلنا نختلف في كل ماعدا ذلك.!!
ولو سألت أي فصيل من فصائل المعارضة عن محنة الوطن وبلواه لقال لك غياب الديمقراطية،يأتيك هذا الجواب من المعارضة،حتى ومن بعض رجال النظام على حد سواء،بل حتى من أنصاره من أمثال قيرة قيرة ووليد 007والمدعو بلاستد وضرغام وفرنهايت وغيرهم من طحالب البالتوك الليلية. ولو استفسرت عن علة غياب الديمقراطية لرجعت العلة للثنائية آلاتية: فالقومي العربي سيقول أن الديكتاتورية ترجع إلى قلة العروبة، والوطني سيشكو من كثرة العروبة،الإسلامي سيشير إلى قلة الإيمان،والليبرالي سيرفع إصبع الاتهام بوجه الشموليين ،والمدني بوجه العسكر، والملكي بوجه الجمهوري ،والوطني القح بوجه لأعداء البرانيين والنظام بوجه المعارضة.!!
لو جمعنا حصيلة الاتهامات فأننا جميعا كل الليبيين فصائل وجماعات ،تاريخا ومجتمعا حماة الديمقراطية وجلادوها. وكما ترون فان خلافاتنا ليست قليلة ،ولعل خير ما صنفنا به هو أحد المعارضين الموجدين بالقاهرة حيث قال :ليبيان؟ يعني ثلاث فصائل! أما كيف ينشق ليبيان إلى ثلاث فصائل فلعلها معجزة لن يستوعبها أحد سوانا .فنحن شعب شغوف بالشقاق. بل أن شعارنا الديكارتي هو : أنا أخالف أذن أنا موجود؟ واعتقد أن معظم المعارضات العربية مشابه لنا ولا أدري لماذا؟لعلنا مجانين. فان الجنون يغدو الحالة السوية،والعقل شذوذا. لعلنا نشبه وصف ديستويفسكي للروس الذي يعيش أية فكرة يتلقاها حتى الثمالة. أحد أعضاء هيأة التدريس المصريين الذي كان يعمل محاضراً في كلية العلوم جامعة بنغازي قال لي ذات مرة، انه لا يعرف الليبي من لهجته ـ فهو يجهل اللهجة الليبيةـ بل من موقفه فكلما قلت له أمر ،أجاب:بالعكس!! لعل هذا الوصف يصدق علينا .وأجد في ذلك منبع ثراء فنحن مجتمع قليل الخبرة في التعايش مع ثقافة الغير!!
يعيب علينا العرب هذا التعدد في الفصائل . ولم أجد مقالا عن الشأن الليبي في الصحف المصرية لا تكرر حزمة من الطعون فينا.وهي طعون ظريفة قدر ما هي بلهاء والتي كان أخرها بعنوان "ليبيا بين أزمة لوكيربي ولعبة جربه" للكاتب عارف الدسوقي عندما قال : المعروف على الشعب الليبي وعلاقاته وتراكيبه و تشابكاته التي تحقق استمرار المسيرة التي يقودها العقيد القذافي… (الوفد. الأحد 27 -12 - 1998. ص9) هناك قدر من الاهتمام بالشان الليبي في الصحف المصرية، ثم بالتبعية بالمعارضة. وهذا أمر مفهوم بسبب الطابع المأزوم للوضع الليبي الراهن ،أول ما يعاب علينا أن المعارضة الليبية في الخارج أنها ليست في وطنها. يقول هذا الكلام حتى الليبيين المقيمين بالسجن الكبير المسمى "الجماهيرية العظمى"! حيث يقولون نحن مقيمين بالخارج لأن فرص العمل غير متاحة. ونحن موجودون في الخارج لان فرص البقاء على قيد الحياة مغيبة أو غير متوفرة في جماهيرية القذافي!. ما لضير؟ ارجع إلى بلدك ،و انشنق،حتى تكون معارضا وطنيا عن حق. فالمعارض الجيد في نظر رواد غرف البالتوك هو المعارض المتدلي من حبل المشنقة!!
وثاني ما يعاب علينا أننا مشتتون،متشرذمون،منقسمون. إلا يفترض منطق الحرية أن لكل فصيل الحق في التعبير عن النفس والاختلاف. هل نشق البنادق في صدور بعضنا كي نتوحد بـ دم وحديد ونار تحت خيمة رسالة واحدة معمدة بالدم. بدل أن يُعاب على الليبيين الخروج من بلادهم حيث عقوبة الانتماء لغير النظام هي الإعدام،يفترض بالليبيين وغير الليبيين أن يعيبوا على النظام التي اضطر آلاف من الليبيين إلى الهجرة والتهجير، وجلهم من الفئات المتعلمة أو أصحاب الخبرة، وحملة الشهادات العليا، وبينهم حشد من التكنوقراط ورجال الأعمال ومثقفي الوطن!!
ولكن ما يهم هو الدولة. ذلك لان المثقف الوسطي،وممتهن الصحافة الزاعقة في العالم العربي ،يعبد الدولة. بل في الحقيقة يخشاها.فهو أما ملحق بها في بلده أو منتفع منها خارجه. لذا تراه يستمرئ ويستسهل الشطب على آلاف الليبيين في الشتات ونحو خمسة ملايين ليبي في الوطن،لصالح نظام عشائري داعر. يعاب أيضا على المعارضة أنها تتعامل مع الأجنبي، وبالذات الولايات المتحدة وبريطانيا. قد أفاجئهم بالقول أن في هذا الاعتراض الكثير من الصواب. المشكلة أنه لا يوجد تعاون مع هاتين الدولتين، في المعنى الدقيق لكلمة التعاون. وان حشدا هائلا من الفصائل الليبية يعارض حتى اللقاء التباحثي الذي يندرج في باب التحرك السياسي العام. وهذه أحد مثالب المعارضة التي تحدث عنها الدكتور وخبير القانون الدولي عبد الهادي شلوف في لقاءاته مع القنوات الفضائية العربية عندما قال من حق المعارضة أن تحصل على كل أنواع الدعم من أي دولة سواء كان ماديا أو معنويا !!
والمشكلة في اعتقادنا مزدوجة .فبينما تركض أمريكا وراء المعارضة ،يركض النظام وراء أمريكا. بتعبير آخر أن نظام القذافي اشد تحرقا من المعارضة للتعاون مع الولايات المتحدة، ونيل الصفح منها، وفتح الأبواب لشركاتها النفطية وهذا ما صرح به القذافي في أكثر من مناسبة!!بل والامتثال لما تريده في الشرق الأوسط بما في ذلك الاعتراف بإسرائيل. لجأت المعارضة إلى المنفى لتعذر البقاء في الوطن. وما من ملاذ تلجأ إليه إلا ويتحول في إعلام القذافي الموجه إلى خيانة عظمى. فالقاطن في الدول العربية عميل ، والقاطن في الولايات المتحدة عميل للإمبريالية الأمريكية ، والهارب إلى ملاجئ أوربا يعيش على موائد الأجنبي!! عجبي!!
أي قدر من الابتذال يحتاج المرء لترديد مثل هذه البلاهات. لقد هجر آلاف الليبيين قسرا إلى خارج الوطن ، ثم أطبقت الآلة الدعائية عليهم لـ تثبت بعد اجتيازهم الحدود دفعا بمختلف وسائل القمع المادي والمعنوي انهم خونة وكلاب ضآلة!!. لو طبقنا هذا المعيار على القذافي نفسه لتوجب إعدامه مرتين،مرة لهزيمته في حرب أتشاد وتسليمه شريط أوزو.ومرة لاقترافه لأبشع جريمة عرفتها البشرية في القرن العشرين والمتمثلة في تفجير طائرة البانام الأمريكية فوق لوكيربي!!
أما التعامل مع الدول الغربية،فهو ولنتفق على هذا ،يدخل في باب التحريم، إذا كان يقوم على تلقي المال ،وعلى التنسيق ،وما شاكل. واعتقد أن أول من أرسى تقاليد هذا التعامل المخابراتي هو نظام القذافي عندما تعاون وبوعي كامل،مع ممثلي المخابرات البريطانية لإزاحة الملك إدريس السنوسي بانقلاب سبتمبر 1969.ويفترض بالمعارضة الليبية أن تتصل وتتحاور مع كل دول العالم فمستقبل ليبيا، يتحدد بفعل عوامل عديدة ،بينها شروط وجود ليبيا ضمن الأسرة الدولية.ويفترض بالمعارضة الليبية أيضا أن تتصل وتتحاور مع كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن،فهي صاحبة قضية،شأنها شأن منظمة التحرير والسيد عباس أبو مازن فهو صاحب قضية!!
والعجيب أن وابل النقد يأتي من أناس لا يجرؤن على نقد شرطي جمارك في بلادهم ،بل لربما كانت حماستهم المفرطة في الشأن الليبي،تدخلا وتحركا ونصحا،هي الوجه الثاني لعجزهم داخل أوطانهم!. ولا يذكر أن الليبيين قالوا مرة لعربي أو أعجمي أن يحب زعيم بلاده أو أن يعارض،أو لا يعارض. فلكل بلد أحواله. و أهل مكة كما يقال ،أدرى بدروبها. وإذا كان لنا أن نستمد النصح من أحد، فإنما نستمده من أحد رواد الفلسفة المعاصرة من أمثال إدوارد سعيد وهو يحتفظ بالمسافة النقدية بينه وبين السلطة الفلسطينية،مدركا أن صراعها مع عدو خارجي لا يضفي عليها القداسة ،ولا ينجيها من المحاسبة والزجر ، بل حتى الرفض والتغيير. هل نخوض في تحليل أسباب حب بعض الكتبة للمفكر النصف أمي؟! هل هي الحاجة إلى المادة "الفلوس" ؟! هاهو الكاتب المرموق محمد العزبي يجسد هذه الظاهرة المهينة عندما قال: لقد جرى في مؤتمر للمنتفعين يحمل اسم القدس عقد في ليبيا حيث تحول الحاضرون إلى أسرى للضيافة وأبواق للدعاية والهتاف بحياة القائد المفكر!.. قبل أن ندين النظام الليبي يجب أن نلوم بعض مثقفي مصر فالكل يعلم أن أي مهرجان يقام في بلدان تلك الأنظمة على شاكلة النظام الليبي يعتمد أساسا على كُتاب مصر وشعراء مصر والفنانين المصريين وهذه المهرجانات إذا كانت فنية أو شعرية أو بمناسبة الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي والدخول تحت الاحتلال المحلي أو كانت مهرجاناً للسياحة أو لسباق الحمير كل هذه المهرجانات لتلميع الزعيم وتمجيد قائد الأمة العربية والإسلامية والعالمية رئيس هذه الدولة أو تلك مقابل تذاكر السفر وفي أفخم الفنادق وما لذ وطاب من مأكولات وهدايا مع الدولار بحجة الفوز بجائزة احسن شاعر أو احسن كاتب أو احسن راقصة أو احسن حمار استحق أن يفوز في سباق "النفاق" للشعر النفاقي ويعود فريق المنافقين محملين بالهدايا وكؤوس الفوز.أنها ظاهرة ولكنها مُهينة فما الذي يجعلني أهرول إلى مؤتمر لا اعرف عنه شيئا في مكان اعرف أن هواءه ملوث وتحت رعاية زعيم "سيئ السمعة" وما الذي يجعلني اقبل ضيافة مشبوهة و أتناول طعاما مسموما واغفل عما يحدث حولي وما الذي يدفعني لقبول مال أنا أول من يعرف انه ليس لي فيه حق") محمد العزبي . الجمهورية السبت . 16 - 8 - 1997م - ص2 (.
هل نخوض في تحليل أسباب حب بعض الكتبة للزعيم الليبي؟ هل هي الاعتقاد بوجوب أن يقاتلوا الأعداء حتى آخر قدم حافية ليبية، نيابة عن ساسة مصابين بالعنة السياسية؟ ربما. في سبيل جماهيرية عظمى يسمونها دولة ؟ جائز. علاقات تصاهر مع الحاكمين في ليبيا؟ ممكن. إبداء الكرة لحاكم بلاده بإظهار الحب لحاكم آخر. وارد!!
في كل هذه التأويلات يغيب سؤال أساس،حقنا في التغيير والإصلاح وحقنا في فك الحصار عن حرية الرأي والقول والعمل، وحقنا في ضمان حق الحياة وحقنا في الخروج من عالم اللجان الثورية والفاعليات الشعبية ،وحقنا في نزع الشرعية عن نظام فاشل مدمر. انه سؤال الحرية لوطن اغتصبت حريته وهدرت كرامته. وكل تحليل سياسي تغيب عن أنظاره هذه الأسس ينزلق إلى وهده التهويش واللاعقلانية؟!!
د/ جاب الله موسى حسن أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()