الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتـّاب

 

 د/ جاب الله موسى حسن


28/07/05


 

 

شبابنا يبحث عن هوية..!!

 

"عندما يموت الرجل يترك اسما...

عندما يموت القذافى يترك عارا!!"

 

الشباب الليبي يعيش حالة إحباط لم يسبق لها مثيل... هكذا يقول لسان حال الداخل...تتراكم فوق رأسه الأزمات الاقتصادية وتطحنه البطالة ويمزقه الخوف من المستقبل...وإرهاب اللجان الثورية,    ناهيك عن جهله السياسي وعزوفة عن الثقافة العامة.معظم الشباب يشعر بالإهمال وتهميش دوره وعدم اهتمام الأمانات... عفواً الخيانات الشعبية بفتح فرص العمل أمامه مما أدى بفقدان ثقته بالمجتمع حينما يرى أن المحسوبية والواسطة والانتماء للجان الثورية هما لطريق الوحيد للالتحاق بالوظيفة!!

 

 شباب فقد هويته وانتمائه عندما وجد أن النفاق والكذب وكسب الرزق بطرق غير مشروعة هي مفاتيح التكيف مع ذلك المجتمع. بعض الشباب لا يستطيع الصمود أمام الضغوط النفسية والعصبية فينحرف...وقد يكون الانحراف بشعاً حينما يرتكب الشاب جرائم غير أخلاقية ويلجأ لتعاطي المخدرات والسرقة أحيانا لا ليرضي طموحاته وإنما لينتقم من مجتمعه ومن نفسه!!

 

قصص مأساوية قصص تقشعر منها الأبدان يرويها أهلنا من الداخل ومن بين هذه  القصص قصة مأساوية لشاب يبلغ من العمر 24 سنة تخرج من كلية الآداب "قسم تاريخ" جامعة بنغازي منذ سنتين ـ عاطل ـ ظل يبحث عن عمل طوال عامين إلا أنه لم يجده فأصبح يائسا ومكتئباً ناقما على كل الأوضاع من حوله. يقول هذا المتحدث على لسان هذا الخريج:كان أملي أن أتخرج  من كليتي واعمل في مجال تخصصي لكي أحقق نجاحات إلا إنني لن أستطيع تحقيق ذلك الحلم فدائما الحلم اجمل من الواقع أما عن وقت فراغي فأقضيه في مقهى كلية الحقوق القريب من قسم التاريخ بين الأصدقاء نخوض في "سيرة الناس" في الجامعة والتي أدمنتها. كما نتحدث في الكرة ونستمع إلى الأغاني الأجنبية التي تدخلنا عالم الخيال والوهم هروبا من الواقع الأليم!!

 

ويستمر هذا المتحدث في سرده للقصص المأساوية عن شباب آخرين كان من بينهم شاب عمره حوالي  27 عاما تخرج من كلية الاقتصاد عام 96 يقول المتحدث على لسان هذا الشاب أبحث عن عمل منذ تخرجي ولم أجده طبعاً قضيت سنتين في ما يسمى بالخدمة الإنتاجية وأخيراً وجدت عمل مناسب ماديا ولكنه غير مناسب اجتماعيا إلا إنني قلت كما يقولون "الشغل مش عيب" وبالفعل قمت بالعمل على سيارة أجرة "تاكسي" يمتلكه أحد المعارف..أعمل يوميا من الساعة 8 صباحاً وحتى الساعة التاسعة مساء نظير 30 دينار يومياً إلى أن قابلت فتاة و أحببتها وصارحتها برغبتي في الزواج منها إلا أنها رفضت معللة رفضها بأنني سائق تاكسي بينما هي تتمنى عريس ابن أمين أو ضابط في  الدعم المركزي أو أحد أفراد التصفية الجسدية..يمتلك شقة وسيارة طبعاً . أحببت فتاة ولن أستطيع أتزوجها فمن أين؟ إنني لا أستطيع الإنفاق على نفسي فكيف انفق على أسرة بأكملها؟ شعوري بالكبت والضيق والإحباط  واليأس يزداد يوما بعد يوم وفعلا حاولت الهروب سواء بالأقراص المنومة أو المخدرة وكذلك الجلوس على النواصي وفي الأزقة. أنني اشعر الآن بأنني لا افعل شيئاً ولا أمل عندي في الغد ولا املك ما يجعلني رب أسرة في يوم من الأيام.

!!

ويستطرد هذا المتحدث قائلاً عن الإحباطات التي تواجه الفتيات فحدث ولا حرج حيث شاءت الصدفة وقابلت بنت أحد الأقرباء وعمرها 26 عاما حاصلة على دبلوم  تمريض منذ ست سنوات فقالت لي باللهجة العامية "زمان شين" زمان جعلني لا أجد وظيفة تؤويني ..لقد عملت في عيادة خاصة قرب سيدي حسين ولكنهم استغنوا عني بعد شهرين, أم المستشفيات العامة فهي ممتلئة وليست في حاجة إلى ممرضات جدد. فعملت في مدرسة وكان عملا شاقا من الساعة السابعة صباحا حتى الثانية. وكنت أتقاضى شهريا 150 دينارا يضيع أكثر من نصفها في الجمعيات و سداد الديون المتراكمة على أسرتي، يئست من هذا العمل وتركته باحثه عن غيره وبالفعل عملت في عيادة طبيب خاص جديدة ولكنني قابلت صعوبات ومسئوليات أكبر مني فتركته خوفا من المسئولية. وفي الوقت الحالي لا أعمل و أواجه البطالة بشجاعة و إيمان إلا أن الأمر الذي يؤرقني كفتاة هو عدم ارتباطي بزوج أو خطيب حتى الآن..فمن العريس الذي يتقدم لفتاة في مثل ظروفي؟ أنني لا املك ما أساهم به في مصاريف الزواج ونحن في مجتمع أصبحت تغلب عليه النظرة المادية لا النظرة الأخلاقية والدينية..فالعريس هو أيضا يختار فتاة من عائلة ميسورة الحال حتى تستطيع أن تساعده ماديا وتتكفل على الأقل بمصاريفها بعد الزواج ولا تحمله الكثير فمن أكون أنا ونحن "فقراء" لا نملك إلا الستر والإيمان بالله؟!

 

كل هؤلاء الشباب ينظرون للحياة والمجتمع نظرة يأس ويصابون بالإحباط وتتحول مشاعرهم إلى حقد وكره للمجتمع ومن حولهم.. أن آفة شبابنا هو كونه واقع تحت كم هائل من التناقضات التي جعلته في حالة من التمزق وعدم الإحساس بالاستقرار وعدم الإشباع أو الأمان. أن الشباب يعيش في مناخ أطباق لبث المباشر "ستالايت" يعيش على أوهام التقدم من خلال وسائل الإعلام الوارد ويتمنى أن ينتمي لتلك المجتمعات وان يعيش حياة سعيدة تتناسب مع ما يملك من ثروة نفطية هائلة ولكن بالطبع ما يراه عبر الأطباق قد أصبح الفردوس المفقود فهي بعيدة عنه يراها ولا يستطيع الوصول إليها وأصبحت هذه الحياة بالنسبة للشباب أملا وتطلعا فهي آمالهم المستقبلية والأمر المؤسف أن الشباب يرى مميزات هذه المجتمعات الخارجية فقط لأنه لا يعيشها في الحقيقة. هذه الجزئية تنمي لدى الشباب التطلعات التي تفوق إمكانياته وإمكانيات الواقع الأليم الذي يحياه في جماهيرية الشر.!!

 

 أما الجزئية الأخر فهي أن الشباب في جماهيرية فرحات السعيدة بكل ما فيها من إحباطات من عدم قدرتهم  على الزواج أو إمكانية التعليم  أو الحياة المريحة أو الاستقرار المادي أو العمل في المجال الذي يفضلونه وبالتالي أصبح الشاب لا يستطيع أن يتزوج في الوقت المناسب كذلك لا يعمل في المجال الذي يفضله. أي أن الشباب يفعل ما لا يريده, بل وكل شيء مفروض عليه وهنا مكمن الخطورة لأن المرحلة الشبابية لو لم يشعر الشبان بتلبية جزء من احتياجاتهم فإن الشعور بالإحباط يتغلب عليهم فيرفضون مجتمعهم وكل ما يحيط به ،بل قد يصل رفض بعضهم إلى حد ممارسة الجريمة وعندما ينفجر الشاب يحطم كل ما حوله ومنها نفسه أيضا. يضاف إلى ذلك كله ما يعتري الشباب من فراغ ذهني وفكري. كما لا توجد قضية عامة تجذب اهتمامه وانتباهه فبالتالي يشعر بالضياع. كما أن الفروق الطبقية الفظيعة التي ظهرت في المجتمع الليبي مؤخراً جعلت هؤلاء الشباب في حالة صراع فمنهم من يرون أبناء شراذم الدعم المركزي الإرهابية وأبناء لجان التصفية الجسدية ينفقون ببذخ بينما هم محدود الدخل فالتفاوت الطبقي فظيع وعندما يقارن الشاب نفسه بأبناء اللجان الثورية وأبناء شراذم الدعم المركزي يشعر بالحرمان فإنه يحاول تعويض هذا الحرمان ولو حتى بالطرق غير المشروعة والأمر السيئ إننا أصبحنا نعيش ثقافة التباهي، ثقافة أبناء شراذم الدعم المركزي الإرهابية ثقافة المال والسلطة ،ثقافة رسخت في أذهان الشباب أن الأموال تأتى دائما عن طريق النصب والاحتيال وليست بالشرف والأمانة بالتالي أصبحت القيم لمترسبة عند الشباب تدفعه إلى سلوكيات غير أخلاقية فالشباب يسمع كلمة الألف من أبناء شراذم  الدعم  المركزي الإرهابية ولا يستطيع تحقيق أي مبلغ ولو تافه الأمر الذي يجعله دائما في صراع!!

 

وعن الآثار النفسية التي أصابت الشباب نتيجة لشعورهم بالإحباط جاءت نتيجة الظروف الحياتية حيث أن معدل البطالة مرتفع وكذلك عدم وجود فرص لحياة كريمة ولكسب لقمة العيش بما يتناسب مع احتياجات الشباب حديثي التخرج إضافة إلى ضيق الموارد والأزمات المتتالية سواء كانت أزمات إسكان أو عدم القدرة على الزواج أو الأزمات الاقتصادية وعدم القدرة على الاستقلالية وبالتالي يشعر الشاب بأنه عاله على غيره أي معتمد على الغير. وهذا الشعور أدي إلى الإحساس بالطبقية طبقة من يملك وطبقة من لا يملك ومن ثم بروز الحقد الطبقي نتيجة الفجوة الهائلة بين الفئة الغنية من أبناء لجان التصفية الجسدية وأبناء شراذم الدعم  المركزي الإرهابية من جهة والفئة الفقيرة من جهة أخرى فبالتالي يولد لديهم الشعور بالظلم الذي يؤدي إلى الاكتئاب و أحيانا يؤدي إلى روح العداء والانتقام والعنف بل ويؤدي إلى الهروب من الواقع بالإدمان والخروج عن التقاليد والعادات والشيء الأهم من ذلك هو أن الشباب فقد إحساسه بالانتماء والأهلية والوطن والمجتمع من حوله!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع