

د/ جاب الله موسى حسن
31/07/05
|
قلب المعايير !!
"لم أسمع طوال حياتي عن ضحية تعرف موعد ذبحها وتواصل تقديم خنوعها و بلا مبالاة مثل الشعب الليبي... من أهان نفسة ليس على الدهر أن ينصفه!!”
"الصقر ولا بومة"... أو هكذا يقول المثل الشعبي...هناك أناس كبار جداً في المرتبة والدرجة.. وهم صغار جدا في المقدرة والحركة, ومع ذلك نراهم متربعين في أبهة السلطة يأمرون وينهون.. ولكنهم في النهاية طراطير كبيرة لا قيمة لأوامرهم و نواهيهم.. فكل موظفيهم و مرءوسيهم يتجاهلون تعليماتهم.. وينتهكون قراراتهم ولا يفعلون إلا ما تمليه عليهم مصالحهم وغرائزهم وأهواؤهم.!!
هذه نماذج من بعض كبار الأمناء في نظام الشر... وهم نمط غالب في هذا النظام لأنهم إفرازه الطبيعي ونتيجته الحتمية. وقد جاء انقلاب سبتمبر لمشئوم بهذا الطراز من الكائنات بعدما اصبح أهل الثقة وصلة القرابة محل أهل الكفاءة.. وأهل النفاق مكان أهل الوفاق... وبعدما أن عدمت وسائل الرقابة وسقطت موازين الثواب والعقاب... ظهر نوع من المسئولين لا يتحملون في الواقع أي مسئولية... ولا يحاسبهم إلا من اصطفاهم وولاهم مواقع السلطة ليرتعوا في نعيمها بلا مراجعة أو مساءلة.. ومادام هؤلاء المسئولون لا يعلمون متى يأتون إلى السلطة أو متى يذهبون عن السلطة المؤقتة غالباً ما يعمدون إلى السلب والنهب بشراهة عجيبة حتى يجمعوا اكبر قدر من الثروة قبل أن يزول عنهم السلطان بالطرد أو التصفية الجسدية مثل ما حصل مع إبراهيم بكار وإبراهيم البشاري أمناء لا يخشون صحوة ضمير... ولا أنين الشعب و أوجاعه فكل الأمانات معطلة عن العمل.. وان كانت موجودة من باب الديكور الذي يعتز به كثيرا القائد النصف أمي!!
وهذه سنة الله في خلقه... فالفساد ملازم للطبيعة البشرية... ولكن الذي يحاصره ويلغيه هو التربية الصحيحة... والقيم والمبادئ الصحيحة والرقابة والمتابعة الصحيحة... ثم الثواب والعقاب الذي لا تنهض موازينه إلا بالديمقراطية الحقيقية في مجتمع يلتزم بها ويطبقها في حياته السياسية, أما إذ انتفت الديمقراطية وانتكست مبادئها فلا بد أن يدخل الفساد إلى دواوين المسئولين ولا بد أن تخترق الرشوة مكاتبهم ولا بد أن تتورم جيوبهم من هول استغلال النفوذ.. والاتجار بالمال العام!!
وقد نقل انقلابي سبتمبر المشئوم هذا المرض الخطير إلى المجتمع عندما الغوا الأحزاب وصادروا الحريات وكمموا الصحافة .. وتسلطوا على الإنسان في عقله وفي ماله من خلال مركزية إدارية عنيفة ومتعفنة زرعت الفساد وضاعفته حتى اصبح دستورا لحكم القذافي.. ونبراسا يهتدي به أفراد شراذم اللجان الثورية في تعاملهم مع المواطنين!!
لقد زحفت آفة الفساد إلى نسيج المجتمع الليبي بعد أن ضرب لهم القائد النصف أمي أوضح مثال على الطغيان.. وقدم لهم القدوة الفاسدة ليسرقوا المال العام وينهبوا جيوب المواطنين غير متهيبين ولا خائفين من احتمالات المساءلة والعقاب...بل مطمئنين تماما إلى موافقة الطاغية وتجنيبهم محاولة أي إنزال عقاب بهم أو حتى مجرد مواجهتهم!!!
وفي هذا المناخ المفعم بالطغيان ولدت طبقة جديدة من الانتهازيين وأصبحوا يشكلون عصابة منظمة داخل الأجهزة الإدارية... وينتشرون في كل زاوية منها كالخفافيش.. وهؤلاء هم أصحاب السلطة الفعلية داخل دهاليز ما يسمى بالأمانات... ولا يمكن لأي صاحب مصلحة أن يفلت من شباكهم مهما بلغت قوته ومهما تعظم شأنه فالقوة والشأن عندهم للمال وحده.. فمن يدفع يجد الطريق أمامه ممهدا لكل ما يري وما يشتهي ..ومن لا يدفع لا يجد أمامه إلا السدود القانونية والشرعية الثورية ترهبه وتبعده !! ولا دهشة ولا عجب فهم خبراء عظام في فن الرفض والتعطيل .. وقد سلحهم نظام طاغي بقوانين ملتوية تقبل التفسير والتأويل تبعا للمزاج والغرض.. وشملهم بروتين غني بالإجراءات الثورية التي يطول شرحها ومن هنا كان تمكنهم وكانت سيطرتهم على الإدارة حتى استحقوا عن جدارة لقب فاسدين ومفسدين !!
ويدق الأمر ويتعاظم الخطر عندما يكون هذا الفاسد المفسد في موقع حساس يمس أمن المواطن أو حياته.. ففساد المسئول.. وفساد الأجهزة الإدارية ينقلب وبالاً على المجتمع ..لان هذه المواقع الحساسة مفترض أن تكون لها قدسيتها ولها مكانتها إلا في جماهيرية الذل والهوان!؟
أن هذه الظاهرة الإدارية التي يتسيد فيها هؤلاء المفسدين هي في يقيننا اخطر الظواهر المرضية في مجتمعنا.. بل هي ظاهرة لا حل لها إلا بالتغيير والإصلاح... لان تسيد الفساد راجع في الغالب إلى تفسخ وانحلال النظام .. ولا حل ولا علاج لهذه الآفة إلا بإعادة الوطن لأصحابه أي بإعادتة وتحريره. بغير ذلك لن يتوقف الانحراف...ولن يختفي الفساد إلا وكما ذكرنا بتغيير النظام القائم وإقامة نظام سياسي ديمقراطي تعددي..ومجالس نيابية حقيقة ومؤسسات إعلامية حرة ..وليس هذا بعزيز على ليبيا أن صدقت العزائم وحسنت النوايا و أدرك المواطن الليبي ضرورة الإصلاح السياسي وحيويته لمواجهة الأزمات و إطلاق الطاقات، وحسبنا ما يعانيه شعبنا من ذل ومهانة وتشرد وهوان... وما يكابده المواطنون من جراء إدارة أكلها الفساد على أيدي المفسدين والطغاة!!
د/ جاب الله موسى حسن أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()