
29/07/05
|
شيء من ملامح الغد
قد يكون من الضروري لإستمرار طقوس تبادل وجهات النظر .. وللإبقاء على شعرة معاوية كما يقال.. عدم إستبعاد فرضية أن بعض النقد الذى يسرح ويمرح بدون معايير .. ناتج عن سوء فهم ـ او سوء تخمين ـ من طرف المتلقي .. او عن سوء عرض ـ أو سوء تقدير ـ من طرف المُلقي .. ليس محبة فى النقد وأوجاعه إنما هي محاولة لأجل مد أنفاس الحياة السياسية التى نحب أن تشيع تقاليدها بيننا معشر الليبو ! .
عموما .. لعله من تكرار المكرر الحديث عن التغيرات التى شهدها ـ ويشهدها ـ العالم.. والتى أفرزت وفرة فى المعلومات .. تلقفتها التقنية الحديثة التى شهدت هي الأخرى طفرة غير مسبوقة فى وسائلها.. لتحولها الى بدايات وعي سياسي طالت بركاته بيوت الطين والشَعر على السواء .
وواكبت حركة التقلبات فى المناخ السياسي العالمي ـ المصحوبة ببوادر وعي مجتمعي لا بأس به ـ ظهور بعض المساحات ـ الجديدة نسبيا على الأقل علينا ـ والتى لم نعتاد التعاطي معها وفق شروط إنتاجها .. أو ربما تعاطى بعضنا معها بشروط قديمة بعض الشيء ومُرّحلة من زمن قد تحول عدة مرات .. ومن تلك المساحات : مساحة الإعلام الحر .. ومساحة المتفقات.
ومن العوامل المشتركة بين المساحتين أنهما تتطلبان مستويات مرتفعة من الوعي السياسي .. والقبول بأجندة الحد الأدنى .. وتطليق فكرة العمل الصفوي بالثلاثة .
فمساحة الإعلام الحر التى بدأت تزحف على قواعد الإعلام الموجه أو المؤدلج .. تتطلب الكثير من الإنصاف والموضوعية .. والحرص على كفالة حق الآخر فى التعبير عن وجهة نظره.. ورفض جعل الخصومة حاجز بينك وبين مصادر المعلومات .. والسعي من أجل تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص للجميع بمعزل عن أي تصنيف .. وهي كما ترى معايير تصطدم مباشرة بقواعد الإعلام الموجه ( الحزبي / الحكومي / الإيديولوجي ) .. وعدم تفهمها عادة ما يؤدي الى صدور أحكام وتقييمات غير دقيقة .. هذا فى حال إفتراض حسن النية .. أما فى حالة إفتراض سوءها فالنتيجة هي الإعتماد على هكذا فروق من أجل الإغتيال المعنوي للأخرين .. ومحاولة تسويق صور مشوهة عنهم تحت ذرائع عدة .. قد تسمع من بينها مصطلحات الضبابية .. او البحث عن دور .. والى ما هنالك ( على رأي فيصل القاسم ) .
وكذلك الأمر بالنسبة لمساحة المتفقات.. فهي تتطلب التواجد والحضور والتواصل مع دوائر قد لا تتفق بالضرورة مع أصحابها فى كل خياراتهم .. من أجل السماع والإسماع والبحث عما يمكن ان يكون ضوء فى نهاية النفق .. لأنه عند تدقيق النظر فى هكذا مساحة سيتبين أنها غير معنية بتوحيد الناس .. ولا هي معنية بتصويب ما نعتقد أنها اخطاء فى سيرتهم أو مسيرتهم ـ فلذلك مساحات أخرى ـ .. بقدر ما هي معنية بجزئية التواصل من أجل البحث فى إمكانية وجود أو خلق مساحة للمتفقات التى لا تحتاج الى شروط كثيرة .. والنظر فى كيفية تفعيلها.. وهي كما ترى مساحة جديدة على الفكر الصفوي .. أو الحزبي الضيق .. الذى لا يعرف الآخر إلا بواسطة التصانيف القديمة .. وللوهلة الأولى ـ فى حال عدم تفهم هكذا مساحة ـ قد يبدو الأمر وكأنه يحمل بوادر التنافض .. ولكنها يقينا مساحة جادة و منسجمة مع روح العصر ومعطيات الواقع وجديرة بالزيارة .. ولن تعدم نماذج بشرية أنتجت مثيلاتها لتقايس من خلالها حجم المنافع أو المصالح التى قطفتها وتمتعت بإيجابياتها .
فالتعرف على متطلبات تلك المساحات .. وعلى أليات عملها .. وعلى المطلوب منها أو ممن يقصدها .. قد يساعد على تفهم مواقف الأخرين ويخفف من حدة الإنتقادات التى تتجاوز فى بعض الأحيان حدود النقد .. الى الإتهام المُبطن تارة .. والسافر تارة أخرى .
فمقارنة شخص ينطلق من قناعات الإعلام الموجّه أو الحزبي الذى لا يرى فى الأخر أيا كان سوى خصم يجب شطبه أو التضييق عليه .. وعدم إعطاءه أي فرصة للظهور لإبراز وجهة نظره .. وبين شخص ينطلق من قناعات الإعلام الحر الذى لا يُعنى بتصنيف الناس .. ويعتبر نفسه وسيلة لنقل أو عرض المعلومة.. وينظر الى كل صاحب رأي على أنه صاحب حق فى إبراز وجهة نظره بالطريقة المقبولة .. أقول هكذا مقارنة أتصور أنها غير متكافئة .. وأي حكم سيصدر عنها لابد وأن يكون حكما قاصرا يحتاج الى إستئناف .
وأيضا فالمقارنة بين شخص يعيش ويعمل ضمن إطار جماعة أو مجموعة ذات منهج او برنامج واحد ولا ترى سبيلا للتعاون غير الإنتساب المباشر .. بين شخص أو مجموعة تنطلق من برنامج خاص للبحث فى إمكانية وجود مساحة مشتركة تجمع أكبر قدر من الناس .. لا يمكن أن تكون مقارنة منصفة إذا لم يتم تحديد الفوارق بينهما.. وهي فوارق حقيقية وجديرة بالتمعن .. ولعل أهمها ان البحث عن مساحة المتفقات يستلزم بالضرورة أن يلتقي الجميع أولا ضمن فضاء واحد .. ولكنه لا يرتب على ذلك الإلتقاء فرضية أن يتحول القادم اليه الى جزء أصيل من تركيبة أي من مكوناته .. ويفقد خصوصيته .
وقد يلحق بملامح مساحات المستقبل فلسفة الفصل بين الملفات .. ففي الماضي كانت العلاقات بين الدولة ومعارضيها ( أو حتى بين مكونات المعارضة نفسها ) قائمة على فكرة الكتلة الواحدة المصمتة .. فإما أن تأخذ وإما أن تترك .. وفى تقديري فقد بدأت فكرة الفصل بين الملفات تأخذ طريقها الى التنفيذ ـ ونأمل فى المزيد ـ .. فمن الممكن أن يفصل الملف السياسي للدولة مثلا عن الملف الثقافي أو الإجتماعي .. فيُرفض التعاطي مع الملف السياسي لعدم إكتمال نصابه .. فى مقابل دراسة فكرة إمكانية التعاطي مع الملفات الأخرى بالطبع فى حال إكتمال نصابها وضمن برامج شفافة وذات مصداقية.. وايضا داخل خندق المعارضة من الممكن البحث عن الملفات المتيسر الإتفاق حولها وتفعيلها .. وتعليق ما يحتاج الى أرضية مشتركة لحين توفر ظروف مناقشته بصورة عميقة وجادة.. وهي فكرة تمارس ببطء .
أقول ذلك من أجل الدفع بفلسفة " الإلتصاق بالوطن " التى تبحث فى أدوار كل المخلصين فيه من أجل إستثمارها للمصلحة العليا له.. وتحض على عدم التسليم فيه للنظام أي كان لونه .. وتعمل على الفصل بين مفهوم الدولة ومفهوم النظام .. فالدولة جزء أصيل من الوطن .. والنظام حالة طارئة ومتغيرة.. وتناضل من أجل حشد أكبر قدر ممكن من الأنصار فى الداخل والخارج لجعل شعار " الشراكة فى الوطن " حقيقة يستظل بها الجميع .
وهكذا مساحات أتصور أنها ستقابلنا كثيرا .. لكونها جزء من حركة المستقبل .. فتفهّم دورها.. وفهم طبيعتها.. ورسم صورة دقيقة عنها .. سيعفينا من معارك وهمية تعود على الجميع بالسلب.. فالمستقبل سيكون للحركة الأكثر تحررا .. وللأطر الأكثر إنفتاحا .. وللخطاب الأكثر عقلانية.. وللحِراك الأكثر جماعية.. ومن هنا فكل وعي بخصائص وأدوات العمل المستقبلي سيصب حتما لصالح تسريع وتيرة تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى التى باتت هي الأخرى تحتاج الى تفقد بين الحين والآخر حتى لا تتسلل إليها الأهداف الخاصة أو الشخصية فتزيد من أعباءها .
والسلام
عيسى عبدالقيوم
الدكتور الهادي شلوف : تعازينا الحارة فى وفاة والدكم .. ونسأل الله أن يتغمده برحمته .. وأن يرزقكم الصبر والسلوان على فراقه .
السيدة نداء عياد ( ريم ليبيا ) : تعازينا الحارة لك فى وفاة والدتك .. ونرجو من الله أن يتقبلها فى المغفور لهم .. وإنا لله وإنا اليه راجعون ..
الأصدقاء : سعد عامر / مفتاح عامر / نصر عامر / زهير الشويهدي : تعازينا لكم جميعا فى وفاة الدكتور عمران عامر .. نسأل الله أن يلهمكم الصبر والسلون .. وأن يتقبل الفقيد ويتغمده برحمته.
الدكتور عمران عامر شخصية وطنية كان لها حضورها الفاعل فى مدينة بنغازي .. خاصة فى مجالي الإذاعة والكشافة .. وقد جمعتني به قبل أيام من إجراءه للعملية التى توفى على إثرها دردشة فى بيت شقيقه سعد .. فكان رغم معاناة المرض يجسد الروح الوطنية فى أجمل صورها .. فتنقل بنا الحديث من زمن الى اخر .. ومن همّ الى اخر .. وشدني يومها بحديثه المدني عن مفهوم القبيلة .. وختم كلامه بحديث تأريخي عن الإذاعة .. وأخبرنا انه بصدد كتابة كتاب عن تاريخ الإذاعة تحت إسم " هنا إذاعة بنغازي ".. التى علمت أخيرا أنه بدأ نشاطه بها وهو فى سن السادسة عشر .. سعدنا جدا بلقاءه وإفترقنا على أن للحديث بقية .. ولكن قدر الله وما شاء فعل فلم يكن فى العمر بقية .. رحمه الله رحمة واسعه وألهم أهله وأصدقائه جميل الصبر والسلوان .
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()