
31/07/05
|
المؤتمر:(1) مؤشرات النجاح
لقد إنقضى شهر الآن على عقد مؤتمر المعارضة الوطنية الليبية فى لندن، ولم يعد هناك من مبرر للكتابة حول نجاح أو فشل ذلك المؤتمر، أو ما صاحبه أو حدث خلاله من أخطاء لا تخلو منها أى تجربة ديموقراطية ناشئة وجادة، هذا إذا إتفقنا على أن الكمال لله وحده وليس لتجربة المؤتمر أو ما سبقها أو ما سيليها، فكل المسائل نسبيّة، بما فى ذلك نجاح مؤتمر لندن.
غير أن ما قيل، وما نشر، مؤخرا حول المؤتمر يؤكد كله على أنه من الواضح جدًا أن مجرد إنعقاد المؤتمر، وما خلص إليه من قرارات وتوصيات، هو على الأقل أقرب إلى الأمثل من مجرد الإكتفاء بالتغنى بإصلاح لم، ولن يأتى، أو الإستمرار فى ترديد (أكذوبة) نجاح الديموقراطية المباشرة فى ليبيا والمتمثلة فى ممارسات السلطة الحالية وفشلها حتى فى الحفاظ على أرواح مواطنيها على الأقل.
وحتى لا أكرر ما يكتبه غيرى، ممن أتفق معهم أو أخالفهم فى وجهات النظر، حول إنتهاكات حقوق الإنسان والفساد وإهدار المال العام وتضييق سبل العيش أمام أبناء وبنات ليبيا، فإننى أتخذ من آخر الأمثلة عنصرا رئيسيا للحديث، أى كما يقول المصريون (نجيب مالآخر)، وآخر ذلك (الآخر) هو تلك الجريمة النكراء المتمثلة فى إغتيال شيخ كريم، إسمه محمد عمر شلوف، تجاوز عمره الثمانون عاما، وليس له أى عداوات، بما فى ذلك السياسية منها، والتى يجب حتى وإن وجدت، ألا تكون بأى حال من الأحوال مبررا للقتل، ويأتى ذلك مباشرة بعد إغتيال الصحفى ضيف الغزال، والتمثيل بجثته، بالرغم من أنه كان أحد الثوريين، لكنه فاق إلى رشده وإنحاز إلى الشعب الليبى فى آخر أيام حياته، غير أن ذلك أمر غير مسموح به فى جماهيرية العقيد الذى ما فتئ يوجه لمعارضيه فى الخارج الدعوة تلو الأخرى، للعودة إلى أرض الوطن وممارسة المعارضة، والتصدى للفساد من الداخل، وذلك بالرغم من أن المرحوم الغزال قد أقر فى كتاباته الأخيرة، وبوضوح لا لبس فيه، أنه لن يخرج من ليبيا، ولن يطلب اللجوء أو يعمل من خارجها، وذلك إتقاءًا للشبهات التى تحاول اللجان الثورية تعميمها على كل المعارضين الليبيين فى الخارج.
فكيف تتوقع يا سيادة العقيد أن يتجاوب معارضوك معك فى العودة إلى ليبيا (وممارسة المعارضة من منازلكم) طالما أنت لست قادرا، ولا اللجنة الشعبية العامة، على حماية أرواح أناس مثل الشيخ محمد عمر شلوف أو الكاتب ضيف الغزال، والذى كان أحد حوارييك، أو المقدم موسى أحمد، والذى كان أحد شركائك، ثم أحد سجنائك، وأخيرا أحد (طلقائك)، والذين قتلوا جميعا فى ظروف غامضة؟ ناهيك عن إعتقال كل من فتحى الجمى وعبد الرازق المنصورى، وهذا فقط لكى (نجيب مالآخر) كما أسلفت، فالقائمة طويلة جدا، فإذا كنت لا تعلم فتلك مصيبة، أما إذا كنت تعلم فالمصيبة أعظم، وكلا المصيبتان تتطلبان فعلا المناداة بضرورة أن تتنحى عن كل صلاحياتك وأن تفسح المجال للعودة بالبلاد إلى كنف الديموقراطية الشرعية، والتى لا زال من يعرفها من أبناء وبنات ليبيا يقدرون إيجابياتها، ويعرفون سلبياتها أيضا، وفى كل الأحوال، ليس هناك أى مجال للمقارنة بين العهد الدستورى، ولا أقول العهد الملكى، وعهد (سلطة الشعب) الحالية، ولتعلم، فإن إصرارك على المكابرة، سيؤدى إلى وقوع البلد فى أحد مستنقعين، أحدهما أسوأ من الآخر، وهما: إما حكم يفرضه الغرب، ونتائجه معروفة سلفًا، أو حكم يفرضه الإسلاميون، والذى قد يؤدى بليبيا لأن تكون الجمهورية الطالبانية الثانية فى التاريخ، وبالتالى قيام الغرب بإحتلالها وضمها لممتلكاته التى بدأت تتزايد فى المنطقة بسبب مكابرة وأخطاء القوميين والإسلاميين على السواء!
ولكى أكون منصفا فى حق الجميع، فقد أجهدت نفسى كثيرا فى محاولة إيجاد العذر لكل متكبر، وفى مقدمتهم العقيد القذافى، والذى لم أجد له عذرا فى إستمراره فى طغيانه ومكابرته سوى أنه قد صدّق الجوقات المحيطة به، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، جوقة محمد قدرى الخوجة وشركاه من أمثال دال شاكير ودال دبوس، فأين عقلك يا قائد؟ وأين فهمك يا مفكّر؟ وكيف تسمح لأحد بأن يسميك زعيما وأنت لا زلت تستعين فى الترويج لنظريتك بإثنين من الذين لا أمان لهما، وثالث نطلق عليه فى ليبيا (وبجدارة) إسم فيلسوف (الدحى) أى البيض باللغة العربية الفصحى، وأنت تعلم أكثر من أى مواطن ليبى لماذا أطلقنا عليه هذا الإسم بعد جلوسه إلى جانبك فى إحدى المحاضرات (المتلفزة) فى بداية الثمانينات، من القرن الماضى، وأخذ (يفلسف) النظرية التى إستخدمتها اللجنة الشعبية العامة لتبرير رفع سعر البيض فى ذلك الوقت الذى بدأت ليبيا تشهد فيه أزمات التموين بعد إلغاء نشاطات القطاع الخاص بما فى ذلك إنتاج البيض، على أساس أن زيادة السعر ستمكّن (المجتمع!) من إستخدام العائد من هذه الزيادة فى إنتاج المزيد من (الدحى) عفوا، البيض!
تبًًا للجميع، وفى مقدمتكم دال دبوس، ألا تعرفون أن عملية إنتاج البيض هى نشاط قطاع خاص بالدرجة الأولى، ولا علاقة لها بنظرية الحكم؟ ألا تعلمون أنه فى منتصف الخمسينات من القرن الماضى، أى قبل إكتشاف النفط فى ليبيا، كانت هناك (تخمة) فى إنتاج البيض الطازج (قطاع خاص) فى ليبيا، فقد كان يباع وبأرخص الأثمان، أمام دور السينما (عفوا، الخيالة)، وكان الباعة يبتكرون الحيل لتسويقه، مثل تلوينه بألوان زاهية والترويج لألعاب مثل (من يكسر بيضة الآخر)! وتقديمه مطبوخا ومقليا فى ساندويتشات التن، وبالرغم من صعوبة تسويق البيض فى ذلك الوقت، فإننى أعتقد أنه كان من حسن حظ الشعب الليبى عدم وجود أى دال دبوس، أو قائد ثورة، بينهم أو فوقهم، لكى يعلمهم كيف يتعاملوا (شعبيا) مع الدحى، ولن أقول البيض هذه المرة!
إما إذا كنت مبهورا، يا سيادة العقيد، بالنجاح النسبى الذى حققه دال دبوس فى مناظرته (المرئية) الأخيرة مع محمد بويصير، فأقول لك أن الأمر هنا لا يختلف كثيرا عن قصة (واحد يغنى والآخر يرد عليه)، فأخيرا إتفق الإثنان على اللقاء فى بنغازى على طاسة شاهى (خضراء)، ولا زال أغلب المشاهدين لا يعرفون لماذا لم يكن الإتفاق على طاسة شاهى (حمراء)، وهذه ليس لها أى علاقة بالشيوعية والعياذ بالله، ولكنك، وفى كل الأحوال، أنت الأقدر على تفسير سر إختيار لون الشاهى الذى إتفقا عليه، وكذلك إختيار قطبى هذه المناظرة أساسًا، فأنت تعرف (الأخ) محمد بويصير أكثر منا جميعا، وتعرف حتما تطورات مشاريعه (الوطنية) مثل العمل على ترجمة الكتاب الأخضر إلى اللغة العبرية (أى نعم العبرية، لغة شارون، ولا يوجد هنا أى خطأ مطبعى)، وكذلك جهوده، المدفوعة الثمن، فى إعانة (الجماهيرية) على مواجهة الحصار الذى مورس عليها بسبب قضية (لوكربى)، وكيف لا، فالأخ بويصير (واصل) جماهيريا، وذلك نسبة إلى الحزب الجمهورى الأمريكى، وليس نسبة لجماهير ليبيا!
وبصدد بويصير، فإننى أطالب المعارضة الوطنية الليبية هنا بتطبيق مبدأ (التمثيل تدجيل)، فلا بويصير يمثل المعارضة، ولا دال دبوس يمثل الشعب الليبى! أم أننى أخطأت فى ترديد مقولتك هذه ياسيادة العقيد، والتى تتطلب عمليا وجود الشعب الليبى كله فى مبنى تلك (الفضائية) ليناظر (معارضيه)، بدل الإدعاء الأجوف بأن دال دبوس (يمثل) الشعب الليبى فى تلك المناظرة والمهزلة؟
أما عن غبطة القيادة بترهات دال شاكير وقاف الخوجة، فهى تماما كمن يبصق نحو السماء فيرجع البصاق على وجهه، ولست هنا لأدافع عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، والتى كانت محور ترهات المذكورين، فالجبهة أقدر منى على الدفاع عن نفسها، وأنا لا أمثلها، غير أن الأمر يتعلق بكل الإتهامات التى وجهها الإثنان إلى الجبهة، فقد تكون صحيحة، ولكن كلاهما كان، أثناء عضويته فى تلك الجبهة، شريكا كاملا ومنغمسا فى كل ما إتهما الجبهة به من قبض الأموال من الخارج أو التعامل مع الحكومات والإستخبارات الأجنبية والعربية أو إقصاء وتخوين المناضلين الوطنيين، ومن العار على أية قيادة فى العالم، بما فى ذلك قيادة الجماهيرية العظمى، التعامل مع من تآمر مرتان، فمرة تآمرا على النظام، وشاركا مع الغير فى ذلك، وبعد إنقطاع الدعم الخارجى تآمرا على شركائهم السابقين! وللتوضيح، فهذا كله يجوز وصفه بقصة (الفخّار الذى يكسِّر فى بعضه) بعيدا عن أى مصلحة حقيقية للشعب الليبى والذى أرجو من أبنائه وبناته العمل على الإلمام بصحيح الأمور وعدم السماح لأحد بإلهائهم عن المعركة الحقيقية، وهى معركة الحرية وعودة الكرامة وسيادة القانون الذى سيقوم الشعب الليبى بموجبه بمحاكمة كل من أخطأوا فى حقه من حكّام أو معارضين، محاكمة عادلة ونزيهة، وهذا هو ما يجب أن نفهمه جميعا من خلال القراءة المتأنية والواعية لفحوى إعلان التوافق الوطنى الذى صدر عن مؤتمر لندن، والذى يبدو واضحا أنه قد جعل أعداء الشعب الليبى يفقدون صوابهم ويدخلون فى مرحلة من الهذيان، قد لا يفيقوا منها إلا بعد أن يأخذهم الطوفان، وعندها سيكون قد فات الأوان ... فهل سيفيق بعضهم الآن؟
وللحديث بقية، الجزء الثانى: حقائق ...
حسين الفيتورى
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()