
20/07/05
الكتابة حول التاريخ والتراثبقلم: إبراهيم عبد العزيز صـهّـد
من الأمور المفرحة ما نراه من كتابات تستدعي ذكريات كفاح الليبيين من أجل الاستقلال. فتعدد الكتابات وتنوع مصادرها دلالة على حنين طبيعي للماضي، خاصة وأن هذا الماضي هو أفضل من الحاضر، كما أن هذه الكتابات دلالة على الاهتمام بالتاريخ الليبي الذي غيب طويلا، وتعرض لشتى أنواع الإهمال والتجاهل والتزوير والتحريف والتجني.
وسواء كانت الكتابة من أجل التأريخ والتوثيق، أو كانت حنينا للماضي واستدعاء للذكرى، أو كانت ممارسة لهواية الكتابة، فإنها يجب أن تراعي الموضوعية وتتوخى الدقة في سرد أحداث التاريخ، وفي تناول شخصياته. ثم يكون للكاتب بعدئذ أن يستخلص اجتهاداته وتقييماته الخاصة التي يجب أن يراعي فيها خصوصيات الزمان والمكان لتلك الأحداث.
أحداث الأمس لا ينبغي أن تخضع لمعايير اليوم، وتغييب الحقائق أو تطويعها لا يفيد في شيء إلا في اهتزاز النص نفسه وفقدانه لمصداقية هي المفتاح للعيون والقلوب والآذان والأفئدة. والتقييم ينبغي ألا يطوع الحدث كي يتناسق مع حكم مسبق للكاتب أن قرره، ولا أن يرتكز على جزئية تغيب معها كليات الموضوع، ولا أن يكون للعاطفة دور فيه.
إن الأمم تقتات من تاريخها عبرا ودروسا، وتصوغ منها نهجا تعتمده، فتستفيد من تجربة مضت تُكرر نجاحاتها وتتفادى إخفاقاتها، وتحتفظ لرموز التاريخ بمكانتهم العالية فتعطي لكل ذي حق حقه، تبحث عن نجاحاتهم فتكبرها وتبرزها وتبوءها مكانة القدوة والمثل، وتبحث عن إخفاقاتهم فتتلمس لها الأسباب، وقد تجد لها المعاذير، وتضعها في مواضعها الصحيحة حتى يتم تفاديها.
وفي تاريخ ليبيا جواهر مكنونة من المواقف والأحداث، ومن الشخصيات التي اجتهدت فأصابت وأخطأت، ومن الرجال والنساء الذين كانت لهم مواقف كان حريا أن تخلدهم، ومن العطاءات التي تنكب الرجال –وحتى النساء- من أجلها الصعاب وجادوا بما لم تجد به الأوائل.
وفي تاريخ ليبيا تحديات واجهها الليبيون بالتحدي رغم قلة النصير، وضيق ذات اليد، وشراسة العدو، وتكالب الأطماع، وعدم ملاءمة الظروف. تحديات مثلت أنفاقا مظلمة لا نهاية لها ولا ضوء فيها، لكن ليبيون أصروا على أن يروا الضوء في نهاية النفق، وعقدوا العزم على اقتحامه فكانت نهاية النفق وكان الضوء في نهايته.
في ليبيا، تقف الحركة السنوسية شامخة بفكرها النير، وبشيوخها وعلمائها الأجلاء، وبجهاد وعطاءات رجالها، وبما تركته من تراث خالد.
وفي ليبيا، ملحمة جهادية عز نظيرها، تدافع فيها أبناء ليبيا وبناتها، فبذلوا المهج والدماء والأرواح، ذادوا عن عرينهم، وذاقوا كل مر، ووقفوا وحدهم تجاه إحدى أعتى القوى الكبرى آنذاك، وسطروا صفحات خالدة من البطولات والتضحيات.
وفي ليبيا، ملحمة جهادية أخرى لا تقل روعة. إنها ملحمة "الجيش السنوسي" ملحمة الرؤية الثاقبة حين كان النفق مظلما لا نهاية له، وملحمة الرجال الذين تدافعوا وسطروا أروع البطولات، فاستحقوا شهادة الحليف والصديق والعدو، شهادة ترددت في جنبات مجلس العموم البريطاني، وفي غيره من المحافل الدولية.
وفي ليبيا، معركة الاستقلال السياسية، أقدم على خوضها أبناء ليبيا رغم تربص أطراف الحرب العالمية الثانية، المنتصرة منها والمهزومة، ورغم خذلان الأشقاء الذي وصل إلى درجة الأطماع، ورغم قلة ما لدى الليبيين من خبرة سياسية وإمكانات مادية. لكنهم مع هذا لم يتوانوا عن المغالبة حتى كانت الغلبة من نصيبهم يوم انتزعوا استقلالهم من بين الأنياب والبراثن.
وفي ليبيا ثورة تعليمية هائلة بدأت مع إرهاصات الاستقلال، وازدادت توهجا مع كل يوم جديد في عمر الدولة الفتية. ثورة بدأت عندما كانت بلادنا تعد من أفقر البلاد، وبلغت أوجها مع تدفق أولى قطرات النفط عبر الأنابيب. ثورة حقيقية زادها عطاء غير محدود، وجندها اختاروا أن يكونوا جنودا مجهولين. أسماء كبيرة كبر العطاء نفسه، وشموع توهجت لتضيء للأجيال طريق العلم والمعرفة.
في ليبيا كل ذلك وأكثر، عطاءات كانت في كل الميادين، يحدوها أمل، ويجددها حلم، وترسيها السواعد والعقول بعيدا عن الصخب الإعلامي، وبعيدا عن الشعارات الرنانة. لكن الزمن كان قد تغير، فكانت الغلبة للشعارات الجوفاء، وكان الطغيان للإعلام الرخيص الكاذب، فكانت المؤامرة حيكت خيوطها في غفلة وتفريط من الأبناء، وبخيانة ومشاركة من بعض "الأبناء"، وبمباركة ودعم من بعض الجيران، وبتخطيط وتدبير تم في دهاليز الأطماع الدولية.
وفي ليبيا، مسيرة خراب بدأت منذ انقلاب سبتمبر، لم يعرف الليبيون منها إلا القتل والدماء، والعذابات والدموع، والسجن والإذلال، والقهر والحرمان. مسيرة خراب عم دمارها كل شيء: الإنسان والأرض والإمكانات، والتاريخ والحاضر والمستقبل. وما زالت مسيرة الخراب مستمرة في تقطيع أوصال الوطن، وإهدار إمكاناته الهائلة الغالية قربانا رخيصا على مذابح الأهواء والطمع. وفيما تحول المواطنون إلى غرباء فوق وطنهم الذي افتداه آباؤهم وأجدادهم بالدماء والأرواح، أصبح الصبية إقطاعيين يتحكمون في كل مفاصل الوطن، يمكنون من شاءوا ويمنعون من شاءوا، حتى أصبحت الأمم تتكالب على ليبيا كما تداعى الأكلة على قصعتها، وأصبح حال المواطنين كحال الأيتام على مائدة اللئام. لكن المائدة هي من خير أرض ليبيا المعطاءة، يتضور حولها الأبناء جوعا، ويطعمها كل أفاق دجال، في أكبر عملية نصب عرفها التاريخ المعاصر.
وفي ليبيا، مسيرة نضالية تمتد على امتداد مسيرة الخراب، قدم فيها ليبيون الغالي والنفيس في مضمار فداء الوطن وإنقاذه، وتوالت التضحيات ـ وما زالت ـ على مدى ثلث قرن من الزمان، في مواجهة يقف الليبيون فيها وحدهم في مواجهة ليست فقط مع قادة مسيرة الخراب وإنما أيضا مع من يقف معهم وخلفهم.
هذا كله في ليبيا ... وهو يستحق أن نوليه اهتمامنا بالكتابات الموضوعية الهادفة. نستدعي الأحداث والرموز، ونستخلص العبر والدروس، ونمهد لتواصل الأجيال ... وننصِف حتى ننصَف.
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()