|
من الخطاب الأيديولوجي إلى الخطاب السياسي
بقلم :عمر ألكدي
في عقدي الستينات والسبعينات كانت الأنظمة العربية تصنف كأنظمة تقدمية,وأنظمة رجعية,وثورية وغير ثورية,وكان هذا التصنيف مخادعا لأنه اختفى خلف شعارات أيديولوجية,وهتافات طنانة,ومع انهيار أكبر إمبراطورية أيديولوجية في التاريخ تهاوى الحاجز المخادع ,فانكشفت الأنظمة التقدمية,والثورية ,وأتضح أن جميع هذه الأنظمة تتشابه بشكل عجيب ,فلا فرق بين الملكيات الوراثية,والجمهوريات الوراثية,سوى أن الملكيات الوراثية التي كانت أكثر تقشفا في إنتاج الشعارات كانت أكثر اتفاقا مع دساتيرها ,بينما اضطر مجلس الشعب في سوريا للاجتماع لمدة خمس دقائق لتعديل عمر رئيس الجمهورية ليتوافق مع عمر ابن الرئيس الراحل ,والرئيس اللاحق .
طوال هذه العقود كانت الحركات السياسية من المحيط إلى الخليج تعيش حالة أيديولوجية مغلقة ,تخضع فيه لسلطة النص,بل وتمارس عبادة هذا النص ,مثل وثنيين يسجدون إلى أوثان صنعوها بأيديهم ,ولم يكن هناك مجال في أن تتحاور هذه الفرق فيما بينها ,وكل منها يصر أنها فقط الفرقة الناجية ,والتي تصل منهم إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري-طبعا- تسجن وتقتل وتقصي كل الحركات الأخرى.هذا ما فعله الشيوعيون بالبعثيين في العراق,وهذا ما فعله البعثيون بالشيوعيين في العراق أيضا,وهذا ما فعله الإسلاميون في السودان.
خلال هذه العقود جربنا كل الأيديولوجيات التي أنتجها العقل البشري,والأيديولوجيات التي نزلت من السماء ليحتكر تفسيرها فقهاء يجيدون لغة السماء ,وفشلت كل هذه الأيديولوجيات الحاكمة في كل شئ
>.ازداد الناس فقرا,وفشلت كل مشاريع التنمية ,وتراجع التعليم والصحة,وفقدت العملات الوطنية قيمتها بالمقارنة مع قيمتها في زمن الاستعمار,وتفجرت الحروب الأهلية,وفتحت السجون لكل من قال لا,وفرت العقول وأصحاب الرأي إلى جميع أصقاع الأرض ,وأصبح الاستبداد والطغيان هو السمة المشتركة بين كل هذه الأنظمة بأيديولوجياتها المختلفة.
ترى لماذا حدث ذلك؟ هل السبب هو أن جميع هذه الحركات كانت نتاجا للمجتمع الأهلي الذي عشنا في ظله خلال الدولة العثمانية الإنكشارية السلطانية,وهذا المجتمع في مجمله مجتمع قبلي عشائري وطائفي,فتسربت الجينات الوراثية لهذا المجتمع إلى كل الحركات الأيديولوجية بما فيها الحديثة"العلمية",ولهذا انقسم الرفاق في جنوب اليمن وفقا للتحالفات القبلية,وليس وفقا للتصنيفات والمرجعيات الماركسية –لينيني ستا ليني ترو تسكي وماوي-ولهذا أيضا نجح حزب البعث في سوريا والعراق فقط في إقفال الحدود بين البلدين لمدة 18 عاما,بالرغم من أن شعاره العفلقي في البلدين يبدأ بالوحدة,ولهذا أيضا تربع الحبيب أبو رقيبة –الحاكم المدني الوحيد- على تونس كرئيس مدى الحياة ,ولم ينس باعتباره محاميا أن يدون ذلك في الدستور,وانتهى به الأمر إلى إقصاء كل رفاقه في النضال ليصبح وحده المجاهد الأكبر,ونسى كل التقاليد الليبرالية التي تربى عليها .
من الصعب الركون إلى سبب واحد لتحليل هذه الظاهرة,فالأسباب مزيج من هذا
>وذاك ,فلا ننسى بنية الخطاب الأيديولوجي التي تعتمد بالكامل على الصوابية المطلقة ,وهي بنية تميز كل الأيديولوجيات بسبب تعاليها عن الواقع المعاش ,هكذا وصف القذافي مقولاته بأنها الحل الوحيد والنهائي لكافة مشاكل البشرية ,وعندها لا معنى للاجتهاد فما خطه "القادة الملهمون" لا يقبل الجدل.
بعد هذه المسيرة الطويلة التي جربنا فيها كل شئ ,من تعنت الشيخ شخبوط ,ورفضه إيداع الأموال في مصرف,لأنه لا يطمئن على أمواله بعيدا عنه ,فكانت أغلبها من نصيب الفئران,إلى آخر طاغية يناور من أجل تأمين الخلافة لابنه,مرورا بالقائد الضرورة الذي خرج من حفرة الثعالب رافعا يديه.بعد هذه المسيرة الشاقة والمؤلمة يلوح نور في نهاية النفق,أرجو أن لا يكون ضوء قطار قادم .
ثمة حالة جديدة تتشكل في الشارع خالية من الخطاب الأيديولوجي ,إنها تركز على مطالب سياسية محددة ,وأحيانا على مطلب واحد.هذا ما تقوم به حركة كفاية في مصر"لا للتوريث",وهذا ما قامت به المعارضة في لبنان "لا للوجود السوري" ,وخلال وقبل هذا الحراك اتفقت حركات سياسية كثيرة كانت بالأمس تتصارع بالحديد والنار,وجلست أخيرا لتتحاور من خلال البرنامج السياسي ,وليس البرنامج الأيديولوجي.بعض هذه الحركات استغلت حالة التعددية الحزبية في كثير من البلاد العربية,وتحت قبة البرلمان اكتشفوا جميعا أنهم يجلسون في صفوف المعارضة في مواجهة الحزب الحاكم,الذي يمثل العسكري الذي يحكم البلد والمستفيدين من وجوده في سدة الحكم باعتبارهم لصوص البلد.
اليوم يجلس الشيوعي والقومي والناصري والإسلامي والليبرالي وأحزاب الأقليات,ليتدبروا كيف يتخلصون من هذا العسكري الذي نزع منذ عقود بدلته العسكرية بنياشينها الزائفة,ليصبح السيد الرئيس مدى الحياة.
ولعل نجاح المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية يعتبر مثالا جيدا لهذا الحراك فلأول مرة يجلس ممثلو أغلب الطيف السياسي الليبي معا ,وقد قللوا الفوارق الأيديولوجية فيما بينهم والتي كان دونها خرط القتاد,ليتفقوا على برنامج سياسي محدد, وهكذا انتقلوا من الحالة الأيديولوجية المصمتة,إلى حالة سياسية تتميز بالانفتاح على الاجتهاد ,ذلك أن السياسة هي فن تحقيق الممكن,وتتميز بالتكتيك والمناورة والكر والفر, والتراجع عن الخطأ في الوقت المناسب,بينما تتميز الأيديولوجية بكونها فن تحقيق المستحيل ,والثبات حتى الموت ,ولهذا تنكسر مثلما تنكسر الأشجار الصلبة أثناء العاصفة,وهذا ما حدث وما سيحدث لكل هذه الأنظمة التي استندت على الخطاب الأيديولوجي.
|