|
الى بنغازي
مرورا بزوارة وهراوة
اذا كان السفر
عبر نقاط في هذه الدنيا، هو حساب علمي للتنقل بين النقاط الافتراضية وهو ذلك
الحساب الذي كان نتاج كل الحضارة البشرية، فلا بد هنا من الحساب لخط افقي ارضي او
علوي نحو السماء او الفضاء حيث لا فقدان لحس الزمن أو التاريخ، فلن تستطيع أن
تعبر دون تمر بتلك النقاط او الشروط او الحساب، ولو كان سفرك هذا عبر متر واحد من
مساحة المكان، فلا تنتقل إلا بجواز شروط المرور تلك...
ولا تستطيع الا من خلال ذلك التعداد الهائل لشروط الحركة ونقاطها، وكأنك تحلل
الذرة والجزئ من المادة... وهذا قانون طبيعي للحركة والانتقال وهذا التصوير
الإلهي لشروط الحياة في هذا الكوكب وكل الدنيا.
ولكني وددت ان اسلك الممرات دون تلك الشروط الطبيعية، فلم أجد وسيلة لتحقيق غايتي
إلا في الحلم، وهل صديقي كان مسيطر علية حلم ما دون الرجوع لنقاط الانتقال تلك؟
ربما كذلك، وربما تلك السيطرة الجامحة لملكاته التائهة لعبور العالم دون قوانين
العبور تلك.
كانت لهفتي لرؤياه شديدة ذلك الصديق الصدوق، الطيب الأصل والمعشر، كريم الطباع،
وكانت سيارتي تَحتكمُ لشروط العبور عبر المسافات الطبيعية والغير طبيعية، وذلك
للوصول الى النقطة الغاية او الهدف وذلك لزيارة هذا الصديق الغالي... إذا إلى
بنغازي تلك المدينة الغالية على قلبي ووجداني، تلك المدينة والتي تقول عنها
الحكاية انه كان بها نهر يسمى (نهر النسيان) ذلك النهر والذي تقول عنه الأسطورة
ان ارواح الموتى تشرب من مياهه ثم لا تلبث ان تنسى ما رأت وما فعلت وما سمعت ابان
فترة الحياة، وهذه الأسطورة هي هكذا ولكن النهر حقيقة ثابتة.. كما صديقي القاطن
بتلك المدينة التاريخ.
فما اجمل ذلك النسيج الاجتماعي بهذه المدينة، فسكانها يمثلون كل نقاط ليبيا
تقريبا، وهي تجمع سكاني رائع التكوين وكأنه عالم مصغر يمثل كل أطياف ليبيا
وقبائلها، فتجد المصراتي، وتجد التاورغي، وتجد التاجوري، والدرناوي، والبرغثي
والعبيدي والبرعصي والزواري والمغربي، والعقوري والمسلاتي والفزاني والورفلي
والقذافي.. وكل الاطياف، حيث تجد كل هولاء جيران بكتلة واحدة بالشارع الواحد وهذه
حقيقة وشهادة لبنغازي.
فهي ممتدة على البحر الأبيض وكأنها تعانق الشمس كل يوم، وتحاكي نسائمه كل لحظة،
فأنا احب ان اذكرك لتزور بنغازي بشهر رمضان وقبيل المغرب لتدخل أحد أحيائها بسيدي
حسين آو البركة آو الصابري لتظهر عليك روائح الطعام العبقة وكأنها تدعوك دائما
لمراسم الكرم والطيبة وتعرفك معنى الأصالة والتاريخ العطر.. فأنا ايها السادة
استخدم قصداً التعبيرات البنغازية احتراماً لهذه الفسيفساء النفيسة، فهل بنغازي
هي الوسط بليبيا ام ماذا؟ نعم هي الوسط الحقيقي وليس الوسط الجغرافي، فجغرافيا
المكان لا تمثل الالتقاء الحقيقي لمكوناته او انتمائه؟ وهل مقاطعة كيوبك بكندا
كذلك؟ وهذا ليست انتقاصا من العروس الاخرى سرت ولاكن المنطق والواقع يقول ذلك.
ولكن صديقي له اعتراض منطقي لأجل مدينته بنغازي، اذ يقول.. نحن نعترف كسكان لهذه
المدينة أننا نمثل كل الأطياف والتاريخ، ونحن نعرف كليبيين ان ليبيا كاكل تعاني
من حاكم فاقد لمؤهلات الحاكم والحكم، وانه غير مؤهل ان يكون حتى غفير بمدرسة
ابتدائية، وهذا واقع لا يختلف عليه اثنان من وطنا الغالي، ولكن يا صاحبي اذا كنا
نحن نمارس لعبة الواقع فأنك تشاهد دون زيف، إن السيد الحاكم يشتغل لحس خبيث دنيئ
حقير لتأصيل الفتنة والعنصرية بين سكان البلد الواحد، فيعاقب دون استحياء مدن
بكاملها، وهو قال ذلك صراحتا :( ستعاقب كل مدينة يخرج منها رجعيون خونة)، فعند
وصولك الى قرية هراوة مروراً بسرت، هل سرت مثلا كا اجدابيا، حيث تشاهد مظاهر
المدينة والشعور بأن هناك صرف مادي ومالي كبير على تلك المدينة دون مدينة أخرى
تقع بشرق ليبيا؟ وهذا آيها السادة ليس انتقاصا من سرت، وانا هنا لا اريد ان انخرط
او انساب عفويا بلعبة الحاكم الجبانة تلك، ولكننا يجب أن نظهر الأمور على طبيعتها
لكي نعالج المرض ومكوناته، ولكي لا ننزلف مسقبلا بليبيا الجديدة بمثل هذه
الأمراض، فلن أرضى ان يصرف على بنغازي كما لايصرف ونتعامل مع حركة البناء في
الخمس، او يفرن او وادي الشاطئ او جالواو بطبرق النسيان، .... لان كل بلاد ليبيا
بلادي، ولان من يفكر هكذا تفكير هو لا ينتمي إلى هذا العصر، ودون المساس بمشاعر
الوطن الليبي الحبيب ككل، فهل بنغازي هي المدينة الثانية؟ لكي تجد رموز من الفقر
في العديد من الاتجاهات والزوايا، وتجد ابناءها يتململون بضجر لأجل لقمة العيش
والمسقبل المبهم المعالم، فتجدهم لتعرفهم بتلك الملابس البالية الرخيسة، والعيون
الجاحَضة العبوسة، وتجدهم هناك عبر الضياع نحو المخدرات، وتجدهم عند رموز الضياع
والتخلف بعدما سيق اليهم كل لون من انواع الحفد والكراهية، وتعاتب عليهم الزمن
ونعتوا بالزنادقة ودكت عظامهم بالسجون، وحوربوا بأرزاقهم، ولقبوا بالخونة
والرجعيين، ودهموا بعقر بيوتهم تلك بأنواع شتى من قوى الامن، وشاهدوا الكثير
والكثير من الحرمان، ويضحك صديقي قليلا ويقول: ياراجل حتى الطرق الصحيحة بالمدينة
خربوها، او اكثروا بها المطبات، ربما امنيا، واذ يقول صديقي هل بنغازي لازال يمر
بها نهر النسيان ذاك ام ماذا؟ وهل تقع درنة مثلا في موريتانيا وكأنها نسيا منسيا،
او تقع المرج بجزر الرجاء الصالح وتقع البيضاء بقناة بنما؟؟ واذ يصيح السيد
المفكر بمرات عديدة: ليبيا بها اكبر شبكة طرق بالعالم!! نعم ايها القائد
والفيلسوف العجب، لأنها من كبرايات الدول مساحة ومن أكبرها ثروة! فماذا فعل سوق
الظلام ايها الحاقد المهووس لكي تحطم اركانه والتاريخ ياأعقل حيونات الغاب، وماذا
فعل الضريح الشهيد عمر المختار والنادي الاهلي والديوان، والشجرة بميدان الشجرة،
الم يكن ذلك لعب افروخ وليس تفكير عاقل يحكم بلاد، واصلا ماذا فعل سكان بنغازي
ليكافئوا بكرمك الزائد هذا يا معتوه التاريخ ويا دودة الارض الساكنة بكل حقارة
بليبيا وجسدها الندئ، ولكني املك جوباً أيها الإمبراطور، لان بنغازي وأبنائها
ذكرتك دائما بأنك لست إلا قزم قفز عبر عيوب التاريخ لكي يحكم ليبيانا، وكانوا
ابناء بنغازي دائما تلك الشعلة المضاءة لحرق وجهك النكد، ولتضيئ كل ليبيا كل
ليبيا، ولتبقى ليبيا بدونك رمزا للفخار والعزة بين كل الأوطان، ولكن بنغازي باقية
عبر الزمن وأنت راحل، ام لك رأي آخر.
وإذ تلاحظ ان هناك افراد من قبيلة السي البي هذا يأتون الى بني غازي وهم محملين
بأنواع عديدة من الأسلحة وأنواع عديدة من السلطة والتسلط، وكأنهم كما يقول المثل
الليبي المحدث (جمل وطاح في باستي)، حيث تخصص لهم أراضى العباد وتفتح لهم الفنادق
والمصارف، ويركبون اعالي السيارات كما فتحت لهم اعالي البحار، وخزائن عمك
الامبراطور، واذ تململ صديقي بحرقة وقال: دعني اقول لك ذلك بكل صراحة ودون تزييف
للكذب من القول، وانا اعرف ان هناك من لديهم حساسية مفرطة لهذا الخطاب، لأنهم لم
يعتادوا الحق من القول، فهولاء من قبيلة الكايد ايها السيد يفعلون الاعاجيب
بالعباد، وكأن بنغازي فرغت من الرجال او هجروها الى البعيد، ولكنها ليست كذلك،
ويتراسل صديقي في حديثة ذلك... القرن الحادي والعشرون وتجد انواع من البشر كما
هم، وضحك صديقي مقهقها انه العجب في زمن المدنية والتمدن والكومبيوتر والإنترنت،
وكأننا نعيش في زمن قبيل نهر النسيان ذاك، او نعيش بزمن الطاغية فرعون واقطاعة،
او بعصر نبلاء فرنسا.
وهذا مثل مصغر لبنغازي ولكني اقول لك انك ستجده بطرابلس الخير والرجال وكذلك
بدرنة الاحرار وسبها عروس الجنوب ومصراتة الحضارة والنماء، وزوارة الكرم، وهل
تأثر الحسن الامين او السيد المناضل عاشور الشامس، فأن تأثروا سأشتكي لشعبان
امعيو او السيد صهد، اوربما للشلوي لا لن يتأتر اويتكدر منمن له عقل، لان من يملك
الحكمة كما هم بالعقل يحلل بعقل ورزانة وميزان الامور يحتاج الى تفكير يصنعة
الرجال فقط.
ولنا لقاء اخر بأذن الله لزيارة اخرى لعزيز عندي بسرت الغالية، اذا انا كنت من
الذين يفرقون بين عمود كهرباء وعود كبريت. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد الجراح /
ليبيا
freebird_freeland@yahoo.com
|