
24/07/05
|
القرود تحكــــــــــــــــــــــــــم الغابة
السلام عليكم
البعض من الحكايات تشدك لتسمعها بكل احترام وشغف , وتستلهم منها تلك العبر أو ألموا عض وكأنها رُسِمت تفاصيلها لنستقي منها الأحكام والنواهي وحتى الثوابت , وتفاصيل عراك الحياة , لتبقى الحياة المزيج الرائع من قوانين السماء وتشريعاتها , والنظم الإنسانية وأعرافُها , وهي تلك الينابيع الشتى التي تسقي الفطرة , من لحظة الولادة حتى الممات , لتبقى تلك الحياة للإنسان نظام رائع , يختل اذا اختلت تلك الينابيع في ماءها والذي يكون لمرات عديدة كدراً , او غير نقي , او غير صافي , او ربما تكون تلك الينابيع جافة الماء , لنرى إنسان الغاب الذي لا تحكمه تلك القوانين وتشريعاتها ليسمى أحيانا أو عطفاً إنسان جاهل بدائـــي .
فقد جلس ذلك الشيخ والذي حينما ترى وجهه تتعرف جيدا لعراك الحياة , وتلك الخطوط الغائرة في ذاك المسطح الناعم والخشن , وكأن ذاك الوجه يعطيك صفحة حقيقية منظورة من تاريخ مضى , او زمن فات , ولكنك ستكتشف وأنت تمعن النظر وتطيل بوجه ذلك الشيخ تلك اللمحة من الإصرار على أنواع شتى من الطيبة والعفوية الجميلة , وكما نسميها نحن وجه النور , واذ يقولون لنا ان من يصلي صلاة الصبح تجد على وجهه النور , وإذ تكتشف أنت ذلك دون أن يقولون لك , وكم من الوجوه التى تصلى أو تدعي الصلاة ولا ترى عليها مثل ذلك النور ولكنك ترى على البعض النقيض من النور, بل تشاهد مسحة غائرة من الشر وألوان عديدة من الحقد والمكر وحتى الإجرام , انف متعالي عيون شاحبة متلصصة , وجه مزيف بمكياج , لا نعرف الا النساء تحتكم أليه وليس الرجال , او هذا هو ما تحدث إلينا به ذلك النبع الأصيل من تراثنـــــــا .
والسيد الشيخ هذا لا يعرف الكثير مما نحن نعرف احيانا , بل ربما توقف عقلة عن الإدراك لمجريات الأمور حولنا , ولكنه يعرف شيئ وحيد تماما اعرفه أنا وأنت , فحياة شيخنا ذات وجه بسيط غير معقد او غائر بالحزن كما نحن , فلا يتخطى بخطواته تلك بيته الى المسجد والعودة , واذا ركن ببيته ليلا فإن خرخشة الراديو العتيق لديه تسمعة مرتفعا , وذلك للضعف البادئ على سمعه واذنيه , فتسمع محطة لندن , ولكي يعرف ما يدور بالعالم , او ربما يبحث عن خبر ما فلا يجده الا بمحطة صوت الاذاعة البريطانية تلك , وفي احدى المرات وعن احداث الاعصار تسونامي , سمع كلمة تسونامي , فردد ( عيت مامي) معتقدا ان جيرانه لهم خبر ما بتلك المحطة , وكم من مرة كان يخطئ المحطة ليضع على محطة اخرى ليكتشف انها المحطة التي يكره ! ويسب ويلعن جد الذي صنع الجهاز وحتى دولة الذي صنع ذلك الراديو اللعـــــين , فلا يعرف شيخنا لا قناة الجزيرة او الفوكس او السي ان ان او اذاعة تلفيزيونية أخرى قد تشنج جسده وعقلة ويصاب بالوداع الاخــــير .
وتراسلت لأحكي له , ان القرود في تلك الغابة أصبحت في غاية الفوضى وعدم الانضباط , حيث كان نهارها ليس بنهار وليلها ليس بليل , وكانت حياتها تلك عبارة عن حياة غابية بالمعنى المعروف , ولكن السؤال لمتـى تبقـــى تلك القرود هكذا ؟
نعم حياتها الفوضى وقلة الحياة , والنكد والحزن و المرعى وقلة الصنعة , وبرغم تلك الغابة الكثيفة والفسيحة , ولكن حياة تلك القرود بتلك الغابة أصبحت بفعل الفوضى وغياب الحكمة فقيرة مهترئة , مفلسة لمقومات الحياة الطبيعية للقرود , او حتى لمثيلها من حياة قرود أخرى في غابات مجاورة لغابة القرود تلك .
ولكن ظهور ذلك القرد كان بمثابة مفاجئة لتلك الغابة , فقد فكر اخينا ذلك القرد بعقل وروية , او ليجد حياة افضل بين ذلك المجتمع من القرود , فجمع شباب القرود ومن هم على شاكلته من الفطنة ليحاورهم عن مصيبة غابتهم , وماذا يجب ان يفعلوا لتغيير نمط الحياة بالغابــــــــة , ولزال ذلك الشيخ يستمع آلي بشغف متناهي , وقرروا شباب القرود ان يكون لهم رئيس يدير لهم الحياة وشئونها , وهذا قرارهم لن يتراجعوا عنه مهما حدث , ولأن رؤوسهم تلك تمتلك تلك الفطنة , فبدؤوا خطتهم فوراً ,و يجب ان يبارك قرارهم هذا عدد من كبار السن للقرود , فجمعوا ذلك المجلس من كبار السن وحكوا لهم قرارهم بلزوم وجود رئيس لهم يحتكمون إليه واذ يكون له الأمر والنهي , فباراك أيضا ذلك المجلس من كبار السن لقرارهم هذا , ولكن بشروط ذلك القرد الطاعن بالسن او الأخطر بين جمع القرود المسنيين , وهذه الشروط تنص على انه من أراد أن يكون رئيس يجب أن يكون مقدام لا يخاف شجاع , فطن لأمور القرود , قرداًً حقيقيا ينتمي شكلاً وموضوعاً للقرود وغابة القرود , لا ان يكون متسلط جشع,و يحكم من خلال مجتمع كل القرود , ولا يحكم بالغرائز الحيوانية مصائر الغابة , ولا يتفلسف عليهم , او يهينهم او يشردهم , او يجعل من نفسه غوريلا, او حتى يجعل أبناءه القرود ( رياس) , ويتفلسفون كما هو على باقي القرود , لكي لا تكون حياة القرود فلسفة في فلسفة ويضيع النظام والأمن ,و الأمان, وحقوق القرود , ومستقبلهم, وتبقى حياتهم اكثر قرادية او نكادية , كما يجب ان لا يكون لدى الحاكم أحد من أبناءه يلعب في الكرة , لكي لاتضيع حياة مجتمع القرود ذاك بلعب الكرة والتفرج عليها محرم , أو يهين اللاعبين الأخرين وكأنه احسن قــــــرد يلعب في الكورة بالغابة القرادية .
ولكن لدى ذاك القرد الطاعن بالسن , المشيب الرأس شرط اخر يتحقق من خلاله شخصية ذلك القرد الرئيس , وهذا الشرط الأخطر, هو يجب من أراد أن يكون رئيـــــس للقرود, أن يأتي بأسد مربوط بأحد اشجار الغابة , وان يتنطط على ذاك الاسد , بل ويضربه كفين على وجهه ..... وتململ الجمع الشباب القــــرود من هذا الشرط الأخير , بل وغضب البعض منه.
وتمر الأيام والجميع يحلم بحكم مجتمع القرود ذاك , ولكن ولد الكلب الشايب ذاك كان شرطه الأخيــــر هذا مستحيل , ولو قال ذلك الشايب القرد ( قط )او حتى ( اكليب صغير) لكان اه يمكن ان تملك الدولة وأركانها , ولكن أن يقول أسد , فهذا مستحيل!! وهذا مايدور في دماغ احد شباب القرود الأ قوياء وليس ألأذكيـــاء .
ولكن أحدهم كان يدير مؤامرة خطيرة بذكاء , لأجل الإستيثار بالحكم وحده دون غيره من باقي القرود , فقد رحل بعيدا عند اطراف الغابة باحثا عن الأســــد , والمهــم له مخلوق يسمى أســـد ,ولو اخترع عقلة ان يحاكي كلب ويلبسه لباس أسد ولكن السيد القرد الأخير هذا كان ذي فطنة وذكاء خارق للعادة وحتى المــألوف , فقد عزم الأمر على ان يكون أسده هذا طاعن في السن قد يغلبه حتى ( عقاب ذيب ), ووجد ضالته تلك بأسد متهالك لا يقوى على افتراس حتى فــــــــأر صغير , وعقد الصفقة بالفعل مع ذاك الأســـد , على ان تتم بنود تلك الصفقة بأن توفر للأسد فريسة مهيبة من القرود فور استلام القـــرد ذاك الحكــــــــــم مباشرة , ولازال السيد الشيخ بالاستماع إلي بشغف وانتباه , وتكون تلك الفريسة المهيبة يومياً .
وفي اليوم التالي ظهر ذلك القرد البطل على مجتمع القرود ذاك , وكان قد أوثق ذلك الأسد بأحد الأشجار عند اطراف الغابـــــة ,ملك الغابة يوثقه قــــــرد , يا عليك مهزلة , وصاح امام جمع القرود انا الرئيس , انا الزعيم , انا الحاكم , وتعجب الجمع من شباب القرود لما يشاع ويحدث , وظهر ذلك الجمع من كبار السن من القرود وعلى رأسهم ذلك القرد الكبير الخطير او الاخطر , وقال : أين الأســـــــــــــــد ؟ تعالوا معي , وجرى كل شعب القرود خلف ذاك الحاكم المفترض , وكانت الصيحات تعلوا وكذلك الغبار , الى ان وصلوا الى مكان الحدث الجلل , وعم الصمت أرجاء المكان , الا من دقات القلوب وفحيح الأنفاس , وظهر القرد الأكبر والأخطر وقال : حقـــق الباقي من الشروط أيها القرد الفتي , فتنطط على ظهر ذاك الأسد المسكين , بل واخذ القرد يضربه حتى شعر الأسد بالألـــــم , وتعالت الصيحات والهتافات , ورفع شعب القرود زعيمهم الشجاع ورحلوا لوسط غابتهم ليعلنوا مراسم التتويج والاحتفالات , ولزال ذاك الشيخ الطيب يهز رأسه عجبا , كما لزال ملك الغابة محنطاً في مكانه ذاك , وعلى وجهه ارتسمت كل انواع الحزن واليأس والخنوع .
ولكن قدر ذلك الأســــد وان صحت التسمية بعد ماحدث له , كان حسن الحظ بعد ظهور كلب بالجوار , واقترب ذلك الكلب من الأسد متعجباً بخطى حذرة , ليسأل الكلب : من فعل بك ذلك يا ملك الغابـــــــــة ؟ , فلم يرد الأسد على السؤال , ولكنه قال للكلب اقضم ذاك الحبل وفك وثاقــي ايها الكلب الطيب , ولكن الكلب رد : ومن يضمن لي حياتي يا ملك الغابة بعد ان افك قيدك المهين هذا , ولكن الأسد رد مسرعاً : انه الوعد والميثاق الملكي يا كلب , ففك الكلب الأسد , وترجل الأسد جاريا خارج تلك الغابة , فلحقة كلبنا هذا متسائلا ماذا تفعل أيها الأسد؟ ؟ انك تخرج خارج الغابة , فرد الأســـد متلعثماً حزيناً لما فعلت أقداره ولقمة العيش او البقـــــــــاء , وقال : ان الغابة والتي بها القرد يوثقني ويربطني والكلب بها يفك رباطي ووثاقي ... اقسم انني لن احيا او اعيـــــــش بها , وتفاجئ شيخنا وردد ( الله الله الله ) .
ومع مــرور الزمن اصبح ذاك القرد اكبر سفاح لشعب القرود , وفرشك على سدة الحكم لمئة سنة او يزيد وربما اكثر ليعاني شعب القرود ذاك من الجور ,والطغيان , والقهر , ولم يصبحوا قرود بل اصبحوا خيال للقرود . ورحم الله الكاتب الصادق النيهوم .
ولنا لقاء اخر بأذن الله مع حكاية شعب آخر ربما القطاطيس او شعب الفويرات , إن أنا كنت ممن يكتب أمامه رقم واحد ويراه اثنان .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
محمد الجـــــراح / ليبــــــيا
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()