
20/07/05
|
البعد الثقافي لأمازيغ ليبيا
موحمد ؤمادي
"اللغة هي روح الجماعة الناطقة بها . وعندما تموت هذه الروح، تتحول تلك الجماعة إلى قطيع بشري لا هوية له لا يلبث أن يتواري عن الأنظار ذائبا في ثقافة الآخرين". سعيد السيفاو المحروق [1]
بصورة كلاسيكية وفي الغالب ككاتب ينتظر مني أن أضع مقدمات ثم استنتاجات وتحليلات ومن ثم يجب علي أن أستخلص النتائج، دعني أقول لك بأن هذا المقال ليس بمقال ولا بموضوع مطروح بصورة كلاسيكية، وإنما هو وضع تصورات لما هوا معاش في واقعنا نحن أمازيغ ليبيا - موضوع هذه المداخلة، وبما أني عايشت الحركة الثقافية الأمازيغية الليبية ليس بشخصي فعمري لا يتجاوز بضع سنوات من عمر الحركة الثقافية الأمازيغية، ولكن بكوني متتبع عن كَتبْ لما تصدره هذه الحركة من أدبيات، سواء في ليبيا أو المغرب أو الجزائر.
إن ما أطرح عليك هنا هو التصور الذي تعبر به غالبية النخبة المثقفة الأمازيغية، ولا يعبر بالضرورة عن رأي كل أطياف الحركة الثقافية الأمازيغية، ولكن، دعني أكد لك أنه يعبر في غالبيته عن أراء أكثر الأمازيغ اعتدالا خصوصا داخل أقطاب النخبة المثقفة منهم. ولعله من المستحسن أن أضع بين يديك التقاسيم الثلاثة التي أثرت أن أقسّم بها مداخلتي فهي كالتالي: خصائص ثقافية أم انسجام حضاري، مستقبل اعتراف الليبي بذاته، مآل ونهاية الإقصائية، هذه المواضيع الثلاث لا صلة بينها سوى كونها تعبر عن البعد الثقافي في ليبيا.
خصائص ثقافية أم انسجام حضاري (لغتين لثقافة واحدة)الثقافة بمعناها الانتربيولوجي: "كل ما ينتجه المجتمع من منتجات مادية ومعنوية ورمزية، أي كل منتجات الإنسان في حياته وتطوره وتاريخه[2] ". والثقافة أيضاً "كلمة تعني كل ما لا تقوم حياة اجتماعية دونه من أوان، ومواد الاستهلاك وعقود اجتماعية، وأفكار، وفنون، ومعتقدات، وأعراف"[3].
من التعريفين السابقين يمكن أن نستشف أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها مجموع السِمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الإنسانية ونظم القيم والتقاليد والعادات والمعتقدات.
وإن كان التعريف السابق يشمل كل القيم الإنسانية من عادات وتقاليد ومعتقدات إلا أن الحركة الثقافية الأمازيغية في شمال إفريقيا عموما - وليبيا ليست استثناء من ذلكم - تعتبر اللغة المكون الأساسي للهوية الأمازيغية. بالطبع يتم ذكر مرجعيات أخرى كالتاريخ والثقافة والنظام الاجتماعي، إلا أن اللغة تبرز دائما بكونها المميز الأساسي. خصوصا عند التطرق للمقارنة والتمييز الثقافي بين الأمازيغ ومتحدثي العربية في إفريقيا الشمالية تحديدا. فعلى صعيد المعطيات السوسيو-ثقافية التي تشكل القاعدة في المغرب الكبير يتأكد بقوة أن اللغة جد مهمة للتمييز بين متحدثي العربية والأمازيغ. ليس لأن العوامل الأخرى لا تستطيع أن تلعب دورا ولكن وحدة الدين والتاريخ تقلل كثير من أهمية عناصر التمييز بين المجموعتين [4].
العناصر البشرية في المجتمع الليبي بمعنى أخر متجانسة إلى حد ما فيما بينها من الناجية السوسيو-ثقافية، وذلك راجعاً لموضوع مهم هو الآخر، وهو كون معظم هذه الساكنة هي من أصول أمازيغية تعربت لسبب أو لآخر، فعلقت بهم هذه العوائد والطقوس والتقاليد القديمة، بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، إلى كون أن بعض الساكنة الليبية من غير متحدثي الأمازيغية وذات الأصول الأمازيغية حافظت بعادات وتقاليد وطقوس لم يعد متحدثي الأمازيغية يحافظون عليها. على هذا الأساس لا نجد اهتماما كبيرا لدى الحركة الثقافية الأمازيغية بإبراز هذه المميزات على أساس أنها مميزات ثقافية بين متحدثي العربية والأمازيغ في إفريقيا الشمالية نفسها، ولكن بالطبع عند مقارنة الثقافة الأمازيغية مع الثقافات الأخرى المجاورة يتم الاستدلال بكل الوسائل الممكنة من تاريخية، سوسيولوجية، وحضارية ثقافية، فمثلا عند المقارنة بين الثقافة الأمازيغية والثقافة العربية في جزيرة العرب فالبون هنا يبدوا شاسعا وواضحا.
ترى الحركة الثقافية الأمازيغية عموما أنه من الناحية الثقافية فإن شعب شمال إفريقيا ذو ثقافة تجمعها وحدة واحدة، ويقسمون الساكنة إلى مجموعتين، مجموعة حافظت على لغة أجدادها، ومجموعة أخرى ولأسباب ما استبدلت لسانها بلسان آخر وافد.
بناء على ما سبق الإشارة إليه، لا يمكننا أن نتحدث عن ثقافة أمازيغية مميزة في ليبيا، فالأمازيغ الليبيون يعتبرون العادات والتقاليد والطقوس في المجتمع الليبي عموما تستمد جذورها من أصول أمازيغية، وإن شابها أو حصل عليها أي إثراء أو اغناء لها من ثقافات أخرى وافدة فهذا يضيف إليها غنى ولا يبدلها ويحل محلها، فهم يرون تميزهم عن باقي إخوانهم الليبيين الغير ناطقين بالأمازيغية يكمن في البعد اللغوي بدرجة أولى.
مستقبل اعتراف الليبي بذاته (لا للطرح العرقي في المسألة الأمازيغية)المسألة أو الإشكالية الثقافية والهوياتية في ليبيا ومواضيعها متشابكة تتداخل مجالاتها المعرفية بالسياسية، ولا يمكن الفصل في الوضع الراهن بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، فإقحام العربية والعروبة بصورة متشنجة جاءت نتيجة قرار سياسي، وإقصاء الأمازيغية ومحاربتها جاءت أيضا بقرار سياسي - استعلائي في غالبه.
وكذا المد العروبي المتطرف جاء بدعم سياسي، ومن ثم وكنتيجة حتمية ظهور بعض الشخصيات الأمازيغية المتطرفة في طرحها جاءت كردة فعل على هذا الطرح الأيديولوجي السياسي المتشنج، باختصار السياسة، السياسة، السياسة هي الداء ولا أظن أنها هي وحدها الدواء.
لن نحتاج إلى أن نذهب بعيدا لكي نجد شواهد تدل على تدخل السياسة لحجب وتزوير الحقائق التاريخية أو الحقائق المعاشة اليوم على أرض الواقع، إليكم في حال ليبيا بعض المقتطفات من أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية في الدولة الليبية منذ عام 1969.
يقول العقيد معمر القذافي[5]:. في خطابه سنة 1983 : "بالله كلام الجدات وخرافات العجائز، لابد أن ينتهي بربر ما بربر، لغة قديمة ما لغة قديمة". وعاد مكررا سياسته، ليقول في 1985 "فإذا كنت تسير في هذا المخطط، إذا تسير في مخطط الأعداء ولابد من محاربتك... حتى هذه اللغة دعها تنتهي... لغة لم تعد تنفعنا في شيء ولا نريدها... فإن كانت أمك تدربك عليها فهي رجعية ترضعك حليب الاستعمار وتسقيك السم ". وقال في أغسطس 1997 "هذه مؤامرة استعمارية الدفاع عن الأمازيغية مؤامرة استعمارية". وفي أكتوبر من نفس السنة قال في رد على مذكرة للمطالب الأمازيغية، على ما يبدو: "ما هي الأمازيغية هم أصل العرب نحن ليس لدينا أقلية حتى نتكلم عنها ونقول يأخذون حقوقهم الثقافية أو لغتهم، هؤلاء عرب... إنها ردة للعصور القديمة... لان الأمازيغية ليست لها أي قيمة... الأمازيغيون الذين يطالبون بهذا عملاء الاستعمار... هؤلاء يتقاضون رواتب من المخابرات الأجنبية". ولكن على ما يبدوا أن الخطاب الرسمي غير من حدته على الأمازيغية فعاد القذافي في أحد خطاباته بقوله في مارس 2002: "نحن نريد أن نتعلم العربية، والأمازيغية ...، حتى لا يجد الاستعمار، أعداء أفريقية، أي شيء يتاجرون به.. تعال الذي يتاجر بالأمازيغية يأتي ونعطيه أموالا زيادة، ويعلمنا الأمازيغية. كلنا نريد أن نتعلم العربية والأمازيغية. لان الأمازيغية لهجة عربية قديمة وغير متحسسين منها أبدا".
لم تكن أمازيغية إفريقيا الشمالية مسألة تحتاج إلى نقاش، لا من قبل المؤرخين، ولا من قبل اللغويين، ولم يطرح غير هذا الحقيقة ولم يتبناها أحد طيلة تاريخ أفريقيا الشمالية، ولم تكن حقيقة وجود شعب أمازيغي بلغة خاصة به مسألة مطروحة للنقاش في أي فترة من فترات تاريخ هذه الأمة. فالإشكالية لم تكن مطروحة حتى في عهد مقاومة الاستعمار الإيطالي – فكل أدبيات هذا الاستعمار تعتبر الشعب الليبي شعب هجين بين أمازيغ ومتحدثي العربية وعرب – فالطرح ألإقصائي الموجود الآن في ليبيا القائل بعدم وجود عنصر آخر غير العنصر العربي في ليبيا لم يتم طرحه أبدا من قبل أشد الغزاة عتاوة على هذه الديار.
فهذا لا شك راجع إلى قوة الطرح العروبي المتشنج والمتمثل في السلطة القائمة على مقاليد الحكم المطلق في ليبيا وأزلامها من مثقفي السلطة المسخرين لأدلجة أفكارها، فأصبحت الحقائق التاريخية مجرد نظريات، قابلة للأخذ والرد، وأصبحت اللغة المتميزة للشعب الليبي مجرد لهجة عربية قديمة، بل وصل بهم التطرف أن اقترحوا تغيير اسم ليبيا إلى عريبيا.
إن هذا النوع من الاستلاب الشرقي هو المسئول عن حالة التدهور الثقافي في ليبيا نتيجة تبنيه ثقافة البعد الواحد أي البعد المشرقي، بل إن المشرق نفسه يتبرأ من هؤلاء المتطرفين وفي أحسن الأحوال يستفيدون منهم ويرمونهم كما هو الحال الآن مع النظام الليبي الكافر بكل ما هو عربي، والمتوجه للأفرقة، باختصار شديد كل شيء إلا ليبيا.
إن الطرح الأمازيغي يدعوا منذ أيامه الأولى ومنذ أول مؤسسة ليبية أمازيغية إلى اللّيْـبـَبَـةُ (أي العودة إلى الجذور الليبية) بدرجة أولى، فلقد أنشأة الحركة الثقافية الأمازيغية رابطة شمال إفريقيا أوائل الثمانينات، الداعية إلى النظر في الموروث الليبي بعمق والنظر في الذات الليبية وعدم الذوبان في أي ثقافات وافدة كانت أيما كانت، بل نجد أصداء هذه الدعوة بارزة في مقالات رئيس وزراء ليبيا في العهد الملكي عبد الحمدي البكوش والصحفي الليبي المرموق الأستاذ فاضل المسعودي، ولكن وعلى ما يبدو فإن النظام قد نجح إلى حد كبير في التأثير على أكثر الأقطاب الليبية المعارضة لحكمه في تشريق ليبيا وتبني النظرة العروبية الإقصائية.
للأسف الشديد فالكثير من غير متحدثي الأمازيغية يحملون على الحركة الثقافية الأمازيغية باعتبارها تدعوا إلى النقاء والصفاء العرقي لمتحدثي الأمازيغية، وهذا محض افتراء فكل أدبيات الحركة الثقافية تدعو إلى خلاف ذلكم، فهي ترى أننا شعب واحد ذو ثقافة واحدة ولغتين مختلفتين، وترى أن الدعوة إلى الشرقانية هي الداء الذي أحاق ببلدنا ليبيا والتطرف الذي تقوده رموز السلطة هي المسئول الأول على بعد الليبيين عن دواتهم وتاريخهم الحقيقي، فأنت الآن ترى شبابا ليبيا يعرف عن حرب الداحس والغبراء أكثر مما يعرف عن المناضلين الليبيين من أمثال كاباون أو تكفاريناس، ويعرف الموسيقى الشرق أوسطية أكثر مما يعرفه عن موروث الموسيقى الليبية، أو يعرف أكثر عن مآكل وملابس وطقوس الشرق أكثر مما يعرفه عن وطنه الأقرب إليه، إن الحركة الثقافية الأمازيغية تدعو إلى العودة إلى الذات الليبية بدرجة أولى، وتدعو إلى التعددية الثقافية التي لن تزيد ثقافتنا الليبية إلا تنوعا وغنا.
تعتقد الحركة الثقافية الأمازيغية أن اعتراف الحكومة الليبية باللغة الأمازيغية لغة رسمية سوف يكون خطوة في الاتجاه الصحيح للعودة للذات الليبية المقصاة والمهمشة منذ خمسة وثلاثين عاما.
مآل ونهاية الإقصائية (التعددية اللغوية هي الحل)يبدو أن السلطات الليبية في السنوات الأخيرة بدأت تخفف من وطأتها على الحركة الثقافية الأمازيغية، ليس لكونها ترى ذلك كحق مشروع لمكون أساسي من مكونات الشعب الليبي، ولكن، لرضوخها المستمر للمستجدات في الساحة الدولية، من احترام حقوق الإنسان والتعددية والتسامح... الخ، ولكنها، لم تبد أي حسن نية تجاه مطالب الحركة - إلى حد كتابة هذه السطور - بأن تلغي على سبيل المثال القانون 24 القاضي بمنع الأسماء الغير العربية من التداول (أي القاضي ضمنيا بمنع الأسماء الأمازيغية)، أو تناقش أمكانية تعليم اللغة الأمازيغية، أو تسمح بتأسيس جمعيات أهلية أمازيغية أو تسمح بنشر وتداول الكتب المتعلقة بالموروث الأمازيغي الليبي، أو السماح بالتغني والاحتفال بالأغنية الأمازيغية، ففي سنة ألفين سجنت فرقة تتكون من شباب لا تتجاوز أعمارهم بين 18 و25 تغنى باللغة الأمازيغية، ولم تتسامح الحكومة الليبية مع ذاته بالمعنى الصحيح للكلمة، بل كل ما قدمته هو حلول مخدرة والتي لم ترضى بأي منها الحركة الثقافية الأمازيغية ، كفلكرة الموروث الأمازيغي، وتقديمه لزوارها من الخواجة بصورة سمجة تدعوا إلى الاشمئزاز.
على صعيد أخر أفلحت الحركة الثقافية الأمازيغية في إيصال صوتها للمعارضة الليبية وبكل قوة حتى أنك تجد الآن من ضمن الليبيين غير متحدثي الأمازيغية ممن يدافع وبكل وضوح ويدعو إلى مشروعية المطالب الأمازيغية، بل يوجد من ضمن هؤلاء أفراد ممن تبنى أصوله الأمازيغية ويدعو إلى العودة إلى الذات، وبدأ في تعلم اللغة الأمازيغية. كل هذا يدعوني إلى التفاؤل في حصول تطور في المطالب المشروعة والفطرية للحركة الثقافية الأمازيغية، خصوصا وأن أمازيغ الجزائر والمغرب بالذات قد حصلوا على كم لا بأس به من حقوقهم، فالأمازيغية تدرس في المغرب والعمل بذلك جار به في الجزائر منذ سنوات... ولا زالوا يناضلون، فلابد وأن يأتي اليوم الذي يعود فيه الليبي لذاته الليبية ويعترف فيه باللغة الأمازيغية ويرد فيه الاعتبار لموروث الأجداد الذي نرى فيه مصدر فخر لنا كليبيين جميعا.
موحمد ؤمادي
عن مؤسسة تاوالت الثقافية الليبية
ملحوظة: نشر هذا المقال في
موقع إذاعة الجزيرة وهناك ملف كامل في موقع الجزيرة نت عن أمازيغ ليبيا ----------------------------------------------------------------------- [1]كاتب وشاعر ومناضل أمازيغي ليبي [2] تاويزا ، حاجة الامازيغية لأمن ثقافي ـ محمد كينو [3] نظرية علمية على الثقافة ـ بونيلا وماليونفسكي ص 5 [4]سالم شاكر، أهمية اللغة في تحديد الهوية الأمازيغية، جريدة تاسافوت اكتوبر نوفمبر 1993 [5] نقلا عن الأمازيغية: بحث في المعادلة الليبية ومستقبلها – الأستاذ إبراهيم قراده.
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()