26/07/2005
 

 
جردة لقمة الإتحاد "العظيم" في سرت!  (1 من 2)*
 
بقلم: مخضرم
أرشيف الكاتب

 
ما أن انفرط عقد الدورة الخامسة العاديّة لمؤتمر قمّة الإتحاد الأفريقي يوم 5 يوليو 2005 ،بمدينة سرت مسقط رأس حاكم قذّافيستان، حتى انهالت برقيّات التهنئة والشكر والعرفان - حسب فضائيّة القذّافي –للنجاحات التي تحقّقت فيه بفضل قيادته الحكيمة ، وهي من بعض رؤساء الدول القزميّة في القارّة الذين يتطلّعون الى إكراميّات (القائد) .وسنحاول إماطة اللثام عمّا تخفّى وراء كواليس هذه المهزلة الأفريقية،والفضائح التي طمست فيها بألوان التزييف و(البروباجاندا) السمجة، وذلك بعمليّة جرد سريعة تكشف هذه "النجاحات"، بعد مرور ستّة أعوام على إنشاء (الإتحاد العظيم)، أومنذ 9/9/99 اللحن الذي يحلو له ترديده مع إعلامه السخيف . فرغم الجهود الكثيفة التي بذلها لمدّة عام كامل خصّيصا لهذه الدورة، والتي سخّر لها أموال جماهيريّته وأجهزتها حتى يقنع رؤساء أفريقيا لكي يجتمعوا في مسقط رأسه، ويوافقوا على مشاريعه البهلوانيّة ،فقد انعقدت في موعدها ولكن ليس تحت رئاسته،بل تحت رئاسة أوباسانجو رئيس نيجيريا ورئيس الدورة الماضية. ويُعدّ هذا مخالفة للتقليد الذي اتّفق عليه منذ عام 1963 في منظمة الوحدة الأفريقيّة السابقة: (أن يترأس القمّة رئيس الدولة المضيفة إذا انعقدت خارج دولة المقرّ أديس أبابا). وليست هذه هي المرّة الأولى التي يحرم فيها من تسنّم القمّة،فقد دأب الأفارقة على بذل المستحيل حتى لا يترأّس جلساتهم لتفادي تصرّفاته الشاذّة ،إضافة الى أنه يجهل إدارة المداولات باحترام القواعد الإجرائيّة المتعارف عليها في مثل هذه المحافل Rules of order، وهكذا يحصل المشاركون على عدّة مغانم حين يستجيبون لإلحاحه بانعقاد قمّته في جماهيريّته أبرزها،أنّه هو الوحيد الذي يدفع كافّة النفقات لحضور الوفود، بل ويهدي الطائرات الخاصة لبعض الرؤساء.. وكم من مرّة أقام المآدب الفخمة لآلاف المؤتمرين على حساب خزانة أبومنيار، حتى وهو ضيف مشارك في بلد آخر!. وقبل موعد اإنعقاد الدورة اجتمع بوزراء الداخليّة الأفارقة الذين تجمّعوا في لجنة تحضيريّة للقمّة،وسلخهم بعصماء من أفكاره الممجوجة حول ضرورة إلغاء الحدود والجمارك،والتنقّل داخل القارّة - بشرا وحيوانات - بجواز سفر موّحّد لجميع السبعمائة مليون أفريقي،ولكنّه امتنع عن الحديث عن هذه (الفانتزيا) في خطابه الإفتتاحي بالقمّة،لأن وزراء الداخليّة أسقطوا مقترحاته العبثيّة (وقيل إنهم لإرضائه وافقوا على بحث فكرة توحيد الجواز الدبلوماسي للتنقّل فيما بين بلدانهم فقط !). وهذه عمليّة جرد في نقاط اعتمادا على مصادر إعلاميّة متخصّصة في الشئون الأفريقية، وأخرى حضرت (العرس) وشاهدت ماجرى فيه من الداخل:
 
أولا: المشاركة والتنظيم
 
حضر الدورة أكثر من أربعين رئيس دولة ،بما فيهم الرئيس المصري مبارك، الذي تعوّد على الغياب عنها، منذ محاولة اغتياله في مؤتمر أديس أبابا في يونيو 1995. وجاء هذه المرّة الى بلاد أخيه القائد محاطا بحرس مدجّج بالسلاح،(ومن شابه أخاه ما ظلم).. وواضح أن السبب لم يكن تدعيما لمشاريع (القائد) الوحدويّة الفضائيّة، بقدر ماهي انتهاز هذا التجمّع (للكولسة) من أجل أن تحصل مصر على أحد المقعدين المخصّصين لأفريقيا في مجلس الأمن. كما حضر الرئيس التونسي بن علي - الذي نادرا ما يحضر، لاسيّما بعد التغيير الهيكلي الشكلي للمنظّمة الذي موّله أخيه القائد. وهو جاء للترويج بالدرجة الأولى للمشاركة في المؤتمر الدولي للمعلوماتيّة الذي يعدّ لانعقاده في عاصمته قبل نهاية العام. كما حضر كلّ من الرئيس التوجولي (فور جناسينجبي) ورئيس أفريقيا الوسطى فرانسوا بوزيزي. لأوّل مرّة لأنهما مُنعا في الدورة السابقة من المشاركة لاستيلائهما على السلطة بقوّة السلاح. والآن وقد انتخبا ديمقراطيّا - والأوّل بفضل البترودولار القذّافي والثاني بعد انتصاره على جيش القذّافي في بانجي - فقد دخلا قاعة المؤتمر وسط تصفيق الحاضرين. ومن خارج القارّة دّعي أبو مازن لأوّل مرّة - ربّما ترضية له بعد الإهانة التي وجّها له ولشعبه البطل المستبسل،مهندس مشروع إسراطين في القمّة العربيّة بالجزائر- وكذا ألمانيا واليابان والهند والبرازيل - فربّما يتاح لهم التنسيق مع أفريقيا لأن دولهم مرشّحة لعضويّة مجلس الأمن بعد توسيعه -. وكان حضور (جوزي مانويل باروزو) رئيس المفوضيّة الأوربيّة وكوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة تمشيّا مع القاعدة في المشاركة في مثل هذه القمم - لقد شاركا في حفل الإفتتاح ورجعا الى قواعدهما سالمين قبل أن يهجم الظلام - كما حضر أمين عام الجامعة العربيّة عمرو موسى - لعلّ القائد يحنّ عليه بدفع ديونه المتراكمة في جامعته المنهارة - وحضرت أيضا (وانقاري مآتي) الشخصيّة الكينيّة - أول سيّدة أفريقيّة تنال جائزة نوبل للسلام لكفاحها من أجل مساعدة المرأة الفقيرة في بلادها. ولم نسمع عن أي احتفاء بها أو تبجيل لها من نسوة الجماهيريّة البديعة المتفرّغات لتقديس قائدهن! أمّا مفوّض الإتحاد الأوربّي للتنمية والمساعدة الإنسانية لويس ميشيل (وكان وزيرا لخارجيّة بلجيكا متعاطفا مع القضايا العربيّة، وزار خيمة حاكم قذّافيستان ،ورتّب زيارته لبروكسيل والمفوضيّة فيها)، فقد نال جزاء سنمّار هذه المرّة. إذ حدّثتنا (إليس كوليت) المراسلة الفرنسيّة للأسبوعيّة المعروفة (جون افريك - انتيلليجانت)، أن ميشيل عندما توجّه لمقابلة الرئيس السوداني البشير في فيلّته من أجل إيجاد حلّ لأزمة المجاعة والبؤس في دارفور، أوقفه الحرس القذّافي بغلظة. ولمّا أراهم بطاقته وأكّد موعده للقاء الرسمي، نهروه وجذبوه من ذراعيه بقسوة، ولو لم يتدخّل أحد مساعدي الرئيس السوداني مسرعا حتى سُمح له بالمرور،لوجد نفسه إما في المستشفى أو السجن!
 
أمّا الغائبون غن القمّة فكانوا: أولئك الذين اعتادوا عدم حضورها منذ أن (هندس القائد فضاءه الجديد) وأخذ يصول ويجول عابثا بكل القواعد (مثل الإصرار على تعديل القانون التأسيسي لتكوين جيش واحد قبل أن يجفّ حبر التوقيع عليه ،وحتى بدون مصادقة برلمانات الدول التي حرم شعبه الليبي من واحد مثلها) ونعني بالغائبين: محمّد السادس ملك المغرب التي خرجت من المنظّمة السابقة لاعترافها بالجمهوريّة الصحراويّة - رئيس موريتانيا معاوية ولد الطائع، والقذّافي يكرهه ويتآمر عليه لأنه سبقه في الإعتراف بإسرائيل ،فسرق منه ورقة أراد ها للإبتزاز ومايزال - لانسانا كونتي رئيس غينيا الذي قاطع القذّافي تماما، بل وفضحه على الملأ عندما أوفد اليه وزيره التريكي يحمل نصف مليون دولار كرشوة،فرفضها مظهرا احترامه لكرامته - وبول بيا رئيس الكاميرون الذي لا يكنّ أي احترام لمهرّج سرت. أمّا كابيلا رئيس الكونغو كينشاسا ونداييزي رئيس بوروندي وأسّوماني أزالي رئيس جزر القمور فاعتذروا لأنهم منهمكون في انتخابات ديمقراطيّة في بلدانهم،يمقتها القذّافي ولا يملّ من التنديد بها. بقي إدريس ديبي رئيس تشاد المجاورة الذي آثر أن يجري الفحوص الطبيّة في باريس،رغم ما أغدقه عليه جاره الأهوج، لاسيّما وأن ديبي قاطع مؤتمر أبوجا –قبل ذلك- والمخصّص لأزمة دارفور، لأن القذّافي يعبث بها كسبا لأمجاد شخصيّة زائفة. وقد حدث توتّر في قمّة سرت بين رئيسها أوباسنجو الذي أكّد استثناء تشاد من الوساطة في الأزمة، وبين وزير خارجيّة تشاد ،خرج الوزير على أثرها من الجلسة.
 
ووصفت المراسلة الفرنسيّة "التنظيم على الطريقة الليبيّة" بأنه كان سلسلة من العذاب والمغامرات غير مأمونة العواقب للوفود. على الرغم من أن القذّافي قد شيّد في العامين الماضيين أكثر من ألف (قيلا) في مدينته الصحراويّة "مصفّفة ومرقّمة بطريقة تخالف أي منطق". وفي المركّب 700 المخصّص لسكرتاريّة الإتحاد والوفود الوزاريّة ،فإن العديد من نحو 5000 من المؤتمرين لم يجد مأوى للمبيت وبعضهم نام في السيّارات بسبب الفوضى التي ضربت أطنابها، و"وحشية" معاملة رجال الأمن ،الذين كانوا يسدّون مفارق الطرق،ويجهلون مواقع المدينة ولا يتكلّمون إلاّ العربيّة. وزاد الأمر سوءا عدم وجود مكتب للإستقبال والتنسيق، ولذلك تعذّر على الوفود والصحفييين يوم االإفتتاح الوصول الى قاعة المؤتمر الضخمة ، لأن 1500 سيّارة - معظمها جديدة لم تُزل أغلفتها - كانت تسدّ الممرّ الموصّل اليه.. وروت الصحفيّة الشراسة والغلظة التي تعرّض لها الصحفيّون من قبل رجال الأمن أثناء عمليّات التفتيش: التدقيق المتناهي في الأمتعة والكاميرات وما في زواياها ،الكتب قلّبوا صفحاتها،أنابيب معجون الأسنان أفرغوها من محتوياتها،بل إن أحدهم أخذ يقلّب في ضمادة قطن صحيّة لأحدى الصحفيّات ! أحد الصحفيين الكينيين أُرجع الى طرابلس (تبعد 450 كم) للتحقّق من أوراقه،وعاد متأخّرا 24 ساعة. كما تمّ حجز جميع جوازات سفر الصحفيين يوم وصولهم الى المطار. ولقد تعرّض عبد العزيز برّوحي المحرّر المعروف بالأسبوعيّة الفرنسيّة المذكورة لمعاملة ظالمة منافية لأبسط قواعد السلوك إزاء الصحافة وحريّاتها، وهو مدعو من مفوضيّة الإتحاد ولديه جواز وأوراق ثبوتيّة، ولكن رجال الشرطة في مطار طرابلس صادروا جوازه التونسي وأعلموه بأنه غير مرغوب في حضوره، دون إبداء أي سبب،بل إن قائد الشرطة قال له: يمكنك الدخول كسائح من تونس،شريطة أن تبتعد عن نشاط المؤتمر كتابيّا.. وحين أبلغه بأن مهمّته هي تغطية المؤتمر بالإتفاق مع رئيس المفوّضيّة، أرجعه الى الطائرة التي وصل بها قائلا له: إننا نحن الذين نقرّر هنا. ولم يُرجع اليه جوازه إلاّ داخل الطائرة بعد أن شطب على تأشيرة الدخول ! هذا علما بأن نظام سرت لم يجد إلاّ تونس تمدّ له يد العون،حيث استأجر من سلسلة فنادق (أبو نوّاس) 250 من خدم وطبّاخين تونسيين من الذين يتقنون الإنجليزيّة والفرنسيّة، قاموا بخدمات الضيافة اللازمة، ولولاهم "لتحقّق الهلاك" حسب تصريح أحد أعضاء مفوضيّة الإتحاد ! فليس لدى جهاز قذّافيستان، رغم مليارداته وبعد 36 عاما من النظام البديع ،أية يد عاملة وطنيّة مدرّبة تنظّم وتدير مؤتمرا على هذا المستوى.
 
وما أن وصل القذّافي الى قاعة المؤتمر حتى ساد الهرج والمرج واشتدّ التضييق على الجميع ،فأبطلت الهواتف المحمولة عن الإتصال حتى عبر (الستلايت)، وبثّت موجات من التشويش المزعج للوفود، ولم يُسمح للمصوّرين بالدخول إلاّ لحظات الإفتتاح، ومُنعت الحركة والكلام، حتى تبادل التحيّات بل والمناجاة مع النفس كما قالت الصحفيّة الفرنسيّة في تقريرها. فالقائد استعدّ لإلقاء خطابه التاريخي ،فماذا قال ؟
 

مخضرم

 

 * ألحّ علينا بعض الأصدقاء بضرورة الكتابة عن هذا الإتحاد واجتماعاته لأنه سبق لنا تغطيته في السابق في المواقع الوطنيّة (ينظر مثلا مقالنا"كيف سيخرج القذّافي من الإتحاد الأفريقي صبّاغ دحي!"بتاريخ 9 يونيه2002)، وبذلك تنكشف الحقائق للشعب المحروم، الذي لا يسمع ولا يشاهد إلاّ ترهات وأمجاد (القائد) الزائفة.