
28/07/05
|
جردة لقمة الإتحاد "العظيم" في سرت! (2 وأخيرة)
ثانيا : أكاذيب تكشفها حقائق!
وكبرهان على هذه "النجاحات"،فلنتابع ما اعترف به بلسانه حين استهلّ خطابه (بنقد ذاتي) باسم الجميع،متحسّرا على الخيبات الماضية في مسيرة الوحدة الأفريقيّة " إذ مرّت 15 سنة على معاهدة أبوجا بتكوين المجموعة الإقتصاديّة الأفريقيّة ،ولم نخطو ولا خطوة على درب تطبيقها."، ثمّ تحوّل ليعدّد مظاهر الفشل في البنود التالية التي نذكرها كما أعلنها هو،مع تحسينات ضروريّة وتعليق قصير منّا على هذيانه المنفلت نثبته بين مزدوجين ( ... ) هكذا :
"بخلاف نظرائه من الرؤساء ،فالقائد الليبي ليست لديه عادة أن يكتب خطبه،ويقرأ من نصّ مكتوب لأداء مهمّة مضنية أثناء مؤتمر للقمّة كهذا. فهو لا يعتبر نفسه رئيس دولة "وضيعا" Vulgaire بل هو يعتقد في نفسه أنه "قائد"،حكيم ، فيلسوف، إن لم يكن وسيطا يوحى إليه من السماوات العليا . لهذا فهو يفضّل أن يلقي خطبه طليقة مرتجلة كما يمليها تفكيره، مهما كانت ملتوية ومكرّرة . وأساتذته في هذا المقام هم السفسطائيّون اليونانيّون –الذين ربّما لم يقرأ لهم مطلقا- ولكنّه قادر على الدفاع عن الأفكار الأكثر سُخفا، وفي نفس الوقت على نقيضها،دون أن يطرف له رمش عين،وبرباطة جأش من يعرف أكثر من جميع الآخرين!. إن "مواطن سرت" هذا –وهو لقب خصّ به نفسه ويُطلق في الإفتتاحيّات المهيبة– هو بطريقته رسول من الصحراء وصوفي مدفوع بالوحي ، بكلّ ما في الكلمة من معنى . وخطابه الذي تلفّظ به في افتتاح قمّة الإتحاد الأفريقي بسرت ، كان بمثابة مختارات من مقطوعاته الأثريّة . لقد جاء في ثوب من المنطق الخدّاع،واللامعقوليّة المجنّحة،وتحصيل الحاصل والبيانات المغلوطة. وإليكم الإفك والبهتان متجليّين في هذه الدرر النفيسة " ! .(1)
يحدث هذا كلّه وميزانيّة الإتحاد (العظيم) كانت موضوع مناقشة ساخنة من قبل (المجلس التنفيذي) يوم أوّل يوليو،شجب أثناءها ألفا عمر كوني عدم سداد 80 مليون دولار كديون متراكمة على الأعضاء، مشيرا الى أن 12 دولة فقط تسدّد مساهماتها بانتظام . وكانت نتيجة المداولات أن قبلت الدول الخمس الأغنى في القارّة وهي : ليبيا وجنوب أفريقيا والجزائر ومصر ونيجيريا، بأن تتكفّل بدفع 60 مليون دولار أي 75% من إجمالي الدين بمعدّل 15% لكلّ منها . ولمعالجة مشكلة الدول الممتنعة عن السداد ،تقرّر إعادة فرض العقوبات على سبع دول هي:(أفريقيا الوسطى والكونغو كينشاسا وغينيا بيساو وليبيريا وساوتومي وبرنسيب وسيشيل والصومال. بينما دخلت القائمة دولتان أخريان هما : أريتريا والنيجير) . ولذلك كثرت زيارات رؤسائها لخيمة (القائد). ولن تخذلهم (خزنة أبو منيار) ،حتى يعاضدوه لكي يحقق مشروعه في إخراج (الولايات المتحدة الأفريقيّة) U S A! الذي لزم الصمت حيالها هذه المرّة .. ولكن من يضمن أن الأمر لن يؤول الى ما آل اليه في العلاقة مع الجامعة العربيّة : الإمتناع عن دفع المتأخّرات والتهديد بالخروج من العضويّة أو تجميدها ، أو بين بين ؟.ولكن ليس هذا هو بيت القصيد، فالدول (الغنيّة) الأربع الأخرى - وجميعها لا ترتاح لعلاقاتها مع حاكم قذّافيستان المتقلّب،والذي ذاقت من تصرّفاته الأمرّين- ربّما باستثناء جنوب أفريقيا حتى الآن – تستطيع أن تعزله وتبطل ألاعيبه وتدخّلاته وبالتالي تسيطر هي على الإتحاد بحكم تمويلها للجزء الأكبر من ميزانيّته . وكما قالت وكالة الأنباء الفرنسيّة : فأمام الدول الثمان والأربعين أعضاء الإتحاد الفقراء نموذج الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان الذي هدّد عام 1980 بتجميد مساهمة بلاده في ميزانيّة (اليونيسكو) والأمم المتحدة – بعد ذلك – وهو ما كلّف القارّة فقدان منصبي الأمين العام : مختار امبو السنغالي لليونيسكو ، والتجديد لبطرس غالي المصري في أمانة الأمم المتحدة .. ناهيك عن أن الميزانيّة المقدّرة لتمويل خلق مؤسّسات الإتحاد وتسييرها بلغت 350 مليون دولار،توفّر منها حتى يوليو الجاري أقلّ من 25 مليون دولار !
وماعدا ذلك كانت قرارات القمّة أقلّ من عادية ،إذ لم يتّفق إلاّ على التمسّك بمقعدين لأفريقيا في مجلس الأمن ،ولكن ازدادت الدول المتصارعة عليهما ،فبالإضافة الى نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر،دخل الحلبة العمالقة أنجولا وجامبيا والسنغال والجماهيريّة طبعا! وسيتأجّل الإشتباك الى أن تتقرّر الموافقة أولا. وهذا ما تعترض عليه أمريكا ،كما أن الإجتماعات مع الدول غير الأفريقيّة المرشّحة لم تؤت أية نتيجة،وخطفت نيجيريا الموضوع من القمّة وأخذت تساوم به في المحافل الدوليّة ..أما النزاعات والحروب والمجاعة والقحط والأمراض وكلّها تطحن القارّة بلا هوادة،فقد صدرت بشأنها التوصيات التقليديّة . وسارع الرؤساء الأفارقة الذين دعتهم مجموعة الثمانية،الى الإنطلاق بطائراتهم الخاصة الى اسكوتلاندا ليمدّوا الأيادي صدقة لله يا محسنين! ولذلك لم يتسنّى الوقت لرئيس نيجيريا ورئيس القمّة لعقد مؤتمر صحفي ختامي كما هي العادة . و(القائد الأممي) ليس في جعبته ما يقول ،فهو لا محلّ له من الإعراب إلاّ الدفع .. والوحيد الذي عقد مؤتمرا صحفيّا ،كان بوزيزي رئيس أفريقيا الوسطى، الذي اقتصر على القول للصحفيين:"سارعوا الى مساعدتي ! لقد احتفلت القمّة بحضورنا ،ولكن كان الأجدر بالرؤساء أن يعلموا أن العودة الى المجتمع الدولي جيّدة ومرغوبة ،غير أن بلادي في طريقها الى الإفلاس ."! ولذلك شاهدناه يوم 26 يوليو الجاري يعود الى خيمة القائد – وهو الذي قاتل بشراسة جنود القذّافي حتى حشرهم في قصر الرئيس السابق المخلوغ باتسي- مرفوقا بوفد كبير وشوهدت الحرم المصون تسجد أمام قدمي القائد مذكّرة إيّاه بسوق النخاسة الذي طالما ثرثر عنها في خطبه !
وعند الساعة 5 و 55 من يوم 5 يوليو سنة 2005 ( أي خمسة خمسة وخمسين، خمسة ،ألفين وخمسة . على وزن تسعة تسعة تسعة وتسعين ، ولكن أطول منها !) انتهت القمّة كما لاحظت الصحفيّة (إليز كوليت) "بأدنى درجة من التوافق لم تشهدها منذ بدايتها . ووسط الهرج والمرج تُرك رؤساء الدول وأعضاء وفودهم يتسكّعون خارج البنايات فائقة الحداثة ،أو يذرعون الممرّات مكيّفة التهوية،لمدّة يومين . ثمّ تفرّق شمل عظماء أفريقيا بسرعة . ونظرا لسوء التنظيم ، لم تؤخذ الصورة التقليديّة للعائلة الأفريقيّة التي كانت دائما رمزا لوحدتها، ولن تُثبت في (ألبوم) هذا المؤتمر الذي سينعقد كل ستة أشهر ." ولكن فات الصحفيّة أن تذكر لماذا غاب هذه المرّة لاعب قديم، ولسنيين طويلة في هذه الغابة الأفريقيّة ،وإسمه علي عبد السلام التريكي، الذي يتقلّد الآن بامتياز وظيفة وكيل مساعد للشئون الأفريقيّة ؟ ولكن هذا موضوع آخر.
مخضرم
(1) ألا يخجل من هذا الكلام رهط "الكتّاب والأدباء والفنّانين والمطربين والرسّامين و الناشرين ..والبوّابين الليبيين" الذين شاهدناهم يشطحون ويرقصون لقائدهم ،وهو منتصب على كرسيّه فوق رؤوسهم كالعريس ،وهم جلوس يمردون على البلاط ،تمرقهم نظرات العسكر الشزراء.. يقدّسونه ويخلعون عليه ألقاب "فيلسوفنا وملهمنا في الفكر والإبداع ومعلّم البشريّة وصانع الإتحاد الأفريقي العظيم ؟" ثمّ ويتبارزون في توجيه الشتائم والسباب البذيء - وهم أحقّ به- لأبناء الوطن الشرفاء ،الذين وقفوا وقفة البطولة والإباء متحدّين الصنم الخاوي في مؤتمرهم التاريخي العظيم حقّا بلندن ؟ وهل رأيتم كيف اصطفى على مصطفى المصراتي الى جانبه دون أن ينبس معه بكلمة واحدة رغم تملّقه اليه ،ثم سماحه للشاعر المتهدّم على صدقي عبد القادر بأن يرافقه خمسة أمتار عقب نثره لكلمات الورد والقمر والربيع على الطاغية الفظّ . لماذا لم يحجم هؤلاء القوم عن المشاركة في هذه المهازل وهم في أرذل العمر،مثلما فعل فرسان الكلمة الآخرين النبلاء ؟ وبماذا سيذكرهم شعبهم قريبا؟
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()