الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

28/07/05


 

 

 جردة لقمة الإتحاد "العظيم" في سرت!  (2 وأخيرة)

 

ثانيا : أكاذيب تكشفها حقائق!

 

وكبرهان على هذه "النجاحات"،فلنتابع ما اعترف به بلسانه حين استهلّ خطابه (بنقد ذاتي) باسم الجميع،متحسّرا على الخيبات الماضية في مسيرة الوحدة الأفريقيّة " إذ مرّت 15 سنة على معاهدة أبوجا بتكوين المجموعة الإقتصاديّة الأفريقيّة ،ولم نخطو ولا خطوة على درب تطبيقها."، ثمّ تحوّل ليعدّد مظاهر الفشل في البنود التالية التي نذكرها كما أعلنها هو،مع تحسينات ضروريّة وتعليق قصير منّا على هذيانه المنفلت نثبته بين مزدوجين ( ... ) هكذا :

 

  • عدم تعيين وزير "للدفاع عن سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها واستقلالها ..ويرأس مجلس وقوّات حفظ السلام والأمن ويوزّعها" (وهو لم يعين وزيرا للدفاع في بلاده منذ 35 سنة لأنه يحكمها حكما شموليّا مطلقا،ولعلّه حلم أن يتولّى هو هذه المهمة في كامل القارّة،إن لم يحصل على رئاستها !). – "تعيين وزير تجارة خارجيّة يفاوض الكتل الكبيرة في العالم باسم السوق الأفريقي الواحد " (أي قبل أن يتكوّن هذا السوق!) – تقرير الصلاحيّات وتحديد المسئوليّات ومن يتولاّها : هل هو الرئيس كوناري، وأمام من يكون مسئولا، أمام البرلمان، أمام المفوّضيّة، أمام المجلس الإتحادي أمام المجلس التنفيذي؟ فلايجب أن يكون رئيس الإتحاد كمنصب شرفي ليست لديه صلاحيّات قانونيّة، لا يستطيع إصدار قرار يسري في كلّ دول الإتحاد الأفريقي. يعني من المسؤول عن المؤسّسات الآتية: محكمة العدل المصرف المركزي صندوق النقد الأفريقي المصرف الأفريقي للإستثمار، المجلس الإقتصادي والإجتماعي والثقافي. رئيس المفوضيّة ليس لديه صلاحيّات، بخلاف المفوّضين الخمسة،ولكن مفوض الدفاع والأمن، هل سمعنا به هل نعرف إسمه هل نعرف صورته هل قام بأي دور لتحريك قوّات التدخّل، هل درّب قوّات أفريقيّة على عمليّات حفظ السلام،هل تواجد في دارفور،على حدود أريتريا وإثيوبيا،في ساحل العاج ،في سيراليون،في ليبيريا، في البحيرات العظمى،هل له أي قرار أو فعاليّة ؟ -- من المسئول عن القمر الصناعي وعن الخطوط الجويّة والطيران المدني وسكك الحديد والطرق التي تربط بين الدول الأفريقيّة؟ لا بدّ من وزير مواصلات واتصالات. "(يقول هذا بعنجهيّة،وكأن تعيين الوزراء قبل تشكيل هذه الهياكل سيحقّق الوحدة المنشودة، أو أنه يحترم صلاحيّات أي وزير. والعالم يعلم أن رئيس حكومة جماهيريّته وأعضائها ما هم إلاّ أدوات تنفيذيّة لما يمليه عليهم هو وأعوانه المقرّبين من أوامر مزاجيّة عشوائيّة وبالهاتف، ولا شكّ أنه يرنو الى تطبيق نظام حكمه البديع هذا على كامل القارّة!) – انتقد التعلّل باحترام الأفارقة للإجراءات الدستوريّة التي حالت حتى الآن دون التصديق على القانون التأسيسي من البرلمانات،رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام، وطالب البرلمانات الأفريقيّة أن تجتمع بصفة إستثنائيّة لهذا الغرض.ثم يستطرد " ليبيا هذه القوانين فيها مصدرها نابليون والقوانين الرومانيّة،الدساتيرالأفريقيّة كلّها نسخة من دساتير الأمم الأخرى وواقع آخر غير واقعنا ." (وهو هنا يستجدي هذه البرلمانات التي يعتبرها من التمثيل التدجيل لكي تصادق على تأسيس إتحاده ،وعلى دولها أن تغيّر أنظمتها وتتبنّى الوثيقة الخضراء الكبرى! ومازال يجهل الفرق بين الدستور والقوانين التي تنبثق عادة عنه) – هاجم المساعي لدي مجوعة الدول الثمانية لإلغاء ديون القارّة معتبرا ذلك من قبيل التسوّل :"التسوّل لا يمكن أن يصنع مستقبل أفريقيا .. نحن نسيءلأفريقيا عندما نذهب على باب الكبار ونمدّ أيدينا ونقول لله يا محسنين ." ثم التفت الى أقرانه الأفارقة متسائلا : أين ذهبت أموال الديون،فمن أخذها كان عليه أن يستخدمها في مشاريع ذات جدوى،ثم يردّ أقساط الدين ،فهي ليست رواتب للموظّفين أو الجيش أو الشرطة . (لقد تناسى أنه نفسه قال في إحدى اجتماعاته بأعوانه في طرابلس: إن ما منحه للأفارقة ذهب في هذه الأغراض، وما يزال يطبّق نفس السياسة،علما بأنه لم يذكر وباء الفساد الذي ينخر في عظام القارّة كلّها، لأنه القاطرة التي ما فتيء يستعملها لتحقيق نفوذه !). وبعد أن شكربلير على مقترحاته بالإعفاء من الديون، قال: "لا نريد هذه الصدقة .. تدخّل في كلّ شيء أنتم لديكم – هوم سكشوالتي (يقصد الشذوذ الجنسي هومو سيكشواليتي)، أنتم لديكم سركيمسيشن (لابدّ أنه لُقّن كلمة سيجريجيشن وتعني الميز العنصري ،فظنها كلمة عيب)، أنتم لديكم فوربيدن تو كميت أدلتري – (والجملة في صيغة أمر ترجمتها : ممنوع ارتكاب الزنا ،معتقدا أنها عبارة بذيئة!) إذ واصل كلامه بالقول"أشياء لا أستطيع أن أقولها بالعربي لأنها مخجلة" فليتصوّر القاريء شخصا يجهل اللغة الإنحليزيّة جهلا مطبقا،ولكنّه ينطق بكلمات خاطئة منها، وأمام جمع من الرؤساء معظمهم تخرّج من جامعات إنجليزيّة أو فرنسيّة أو يتقنهما إتقانا تامّا! ثم ربط ذلك باتباع الحكم الرشيد الذي يعني في رأيه :"هناك واحد راشد وواحد صبي ..نحن نريد أن نعمل نظاما قبليا،ولا نريد أن نعمل نظاما حزبيّا أحرار هكذا واقعنا هكذا سكّان الغابة وسكّان الصحراء لا يعرفون الأحزاب ولا يعرفون الطبقات ولا يعرفون الإنتخابات" (وكأنّه يمطر بهذه الهدايا أولئك الذين ما زالوا يتوسّمون فيه تبنّي الإصلاحات الديمقراطيّة، ولذا قاطعوا مؤتمر المعارضة الوطني التاريخي الأخير بلندن!)، ثم أكثر من الهذيان المليء بالإهانات والتحقير للأفارقة ، ليطرق نظريّته المعروفة عن الأيدز :"الذي لم يكتشف عندنا في الثمانينات،بل هو موجود منذ مئات السنين ونحن نعيش معه.. وأن الشركات الرأسماليّة تتاجر في المرضى الأفارقة وتهوّل هذا المرض". وربط بأعجوبة بين تنامي السكّان في القارّة وما يحصده الأيدز من أرواح، فاستنتج أن سكّان أفريقيا ازداد الى 700 مليون وسيكون مليار نسمة. "أتركوا الأيدز لسنا مهتمّين به " (وهذا دليل آخر على مدى الإستهانة أو الروح التآمريّة التي عالج بها مأساة أطفال بنغازي المعروفة وحكم الإعدام بحقّ الممرّضات والطبيب) – مارس إبتزازا رخيصا ضد الجالسين أمامه من الرؤساء حين هدّدهم بأن "الشعب الليبي"-أي هو بطوبته- لن يرضى ببيع نفطه للأفارقة بسعر 55 دولارا بينما سعره العالمي 60 دولارا بدون مقابل منهم وهو الماء. (وجاء هو يوم 24 يوليو الجاري وليس "الشعب الليبي" أو وزير نفطه ،ليصرّح لوكالة أنبائه قائلا: "إن إرتفاع سعر النفط يشكّل كارثة للبلدان الأفريقيّة الفقيرة"، ولذلك دعا كلاّ من نيجيريا والجزائر وأنجولا الدول المنتجة للتعاون مع جماهيريّته وحلّ الأزمة، فأي الموقفين يؤخذ جديّا ؟ ولكن هل هذا جديد ؟) — أراد أن يبرهن للرؤساء على عبقريّته الإقتصاديّة فطالب بتكوين سوق أفريقي للأسهم والأوراق حتى يقضي على حلقة الوسطاء الذين يعرقلون ويرفعون أسعار الأسواق الأفريقيّة العادية الوطنيّة ،وربط ذلك بهروب الأموال من أفريقيا بنسبة 205% من المتداول أي الكتلة النقديّة ،ويدخل 3% للكتلة النقديّة " (وبهذا اعتقد أنه حين ينطق هذه المصطلحات النقديّة ولو بجهل مضحك لمدلولها، يظنّ السامعون أنه خبير مالي متمكّن، بينما المثير للسخريّة أنها لا تتفّق إطلاقا مع بعضها البعض، فسوق الأوراق الماليّة هو البورصة التي لا تقوم إلاّ على المضاربة، وهي محظورة في بلاده بأوامرمنه ووفقا لكتابه الأخضر. وحين يرفع الوسطاء أسعارها يدلّ ذلك على انتعاش إقتصادي وليس عرقلة .. وهروب الأموال الى الخارج من أي بلد لا علاقة له بالكتلة النقديّة، أي عرض النقود محليّا الذي يتحكّم فيه البنك المركزي، ولكن محفّزات الإستثمار والطاقة الإنتاجيّة والإستيعابيّة وأوعية الإدّخار) ولكن لن نجد أبلغ من هذا التعليق من أسبوعيّة (جون أفريك) التي قدّمت به لما ترجمته من مقاطع في خطاب "القائد المعلم" فقالت : -

 

"بخلاف نظرائه من الرؤساء ،فالقائد الليبي ليست لديه عادة أن يكتب خطبه،ويقرأ من نصّ مكتوب لأداء مهمّة مضنية أثناء مؤتمر للقمّة كهذا. فهو لا يعتبر نفسه رئيس دولة "وضيعا" Vulgaire بل هو يعتقد في نفسه أنه "قائد"،حكيم ، فيلسوف، إن لم يكن وسيطا يوحى إليه من السماوات العليا . لهذا فهو يفضّل أن يلقي خطبه طليقة مرتجلة كما يمليها تفكيره، مهما كانت ملتوية ومكرّرة . وأساتذته في هذا المقام هم السفسطائيّون اليونانيّون –الذين ربّما لم يقرأ لهم مطلقا- ولكنّه قادر على الدفاع عن الأفكار الأكثر سُخفا، وفي نفس الوقت على نقيضها،دون أن يطرف له رمش عين،وبرباطة جأش من يعرف أكثر من جميع الآخرين!. إن "مواطن سرت" هذا –وهو لقب خصّ به نفسه ويُطلق في الإفتتاحيّات المهيبة– هو بطريقته رسول من الصحراء وصوفي مدفوع بالوحي ، بكلّ ما في الكلمة من معنى . وخطابه الذي تلفّظ به في افتتاح قمّة الإتحاد الأفريقي بسرت ، كان بمثابة مختارات من مقطوعاته الأثريّة . لقد جاء في ثوب من المنطق الخدّاع،واللامعقوليّة المجنّحة،وتحصيل الحاصل والبيانات المغلوطة. وإليكم الإفك والبهتان متجليّين في هذه الدرر النفيسة " ! .(1)

 

  • وكلّ من شاهد خطابه ،لاحظ كيف كانت الوفود تتهامس فيما بينهاوتضحك سخريّة واستهزاء،فأحد المراقبين الفرنسيين علّق بالقول: "ما أن بدأ في النطق حتى انسحب بعض الرؤساء. وعندما خاطب الحاضرين منهم عن إنشاء خزانة واحدة وعملة واحدة وجد البريق يلمع في مآقيهم ،فما كان منه إلاّ تغيير الموضوع صباح يوم 5 يوليو" !. أظهر كل من رئيس السنغال عبد الله واد ورئيس يوغندا موسيفيني ورئيس بوركينا فاسّو كامباوري استحسانا  لدعوة القذّافي الى تكوين الوزارات الإتحاديّة التي عدّدها في خطابه – وذلك من باب المزايدة والتملّق، ولعلمهم يقينا بصدور الرفض الجماعي لها-  وكان أول المتصدّين لهذا المشروع الخيالي رئيس جمهورية جنوب أفريقيا تابو امبيكي الذي انتقده "لأنه يقوم على فراغ،متسائلا عن الصلاحيّات القانونيّة التي يمكن أن تتمتّع بها هذه الوزارات الجوهريّة" وأضاف : "إن بلدانا عديدة ما تزال تعتمد على العون الخارجي،فكيف تستطيع في هذه الحالة أن ترسم سياسة خارجيّة مستقلّة لوحدة أو إتحاد ؟". وهنا ردّ عليه رئيس السنغال (واد) : "السيد الرئيس لو أنكم – الذين تتوفّرون على الموارد- وقفتم الى جانبي لامتنعت عن الذهاب الى فرنسا طلبا للعون ." وضحك الجميع لعلمهم بعدم جديّة هذا القول! وخارج الجلسة سُمع رئيس الكونغو برازافيل ينادي سعيد جنّيت (جزائري) المفوّض لشئون السلم والأمن في الإتحاد قائلا له باستهزاء بعد خطاب القذّافي : "إذن يا جنيت،هل أصبحت وزير دفاعنا ؟ " . أمّا أمّاره إيسّي (ساحل العاج) الذي تولّى مفوضيّة الإتحاد بعيد تشكيله،وقبل انتخاب رئيس المفوضيّة الحالي ألفا عمر كوناري (مالي)، فقد قال منتقدا اقتراحات القذّافي :"عندما ينظّم لسباق خيول قفز الحواجز ، ينبغي ترتيب الفرسان المتنافسين بحيث ينطلقون الواحد تلو الآخر .". وفي الجلسة الختامية عبّر رئيس نيجيريا ورئيس القمّة بكلمات مختصرة عن مجاملة دبلوماسيّة لتلطيف الرفض قائلا "بعض النقاط استرعت انتباهنا،ربّما بعضها أفضل من غيرها" . وبما أن القذّافي بعثر الأموال والهدايا على طائفة كبيرة من الرؤساء ، فقد واصل مع أعوانه حثّهم بالإغراءات والوعود، مصمّما على ضرورة تأييد مشروعه واتخاذ قرار من قبل القمّة بأيّ شكل من الأشكال . وحفظا لماء الوجه ، واستنادا على كلمات الرئيس (أوباسنجو) فقد قرّر المؤتمر حلّ اللجنة السباعيّة التي ترأسّها موسيفيني وأنيط بها دراسة مقترحات القذّافي منذ الدورات السابقة، وشكّلوا لجنة أخرى للقيام بنفس المهمّة،على أن يرأسها (أوباسنجو) بنفسه وعضويّة كلّ من: الجزائر وكينيا والسنغال والجابون وليسوتو ويوغندا. وأن تعرض تقريرها على القمّة الإستثنائيّة التي ستنعقد في مقرّ الإتحاد بأديس أبابا في يناير القادم ، وليس بالخرطوم كما تقرّر في اجتماع القمّة السابق . أي دفن المشروع بتحويله من لجنة الى لجنة، ومن قمّة الى قمّة، مثلما عامل الرؤساء العرب في قمم الجامعة العربيّة نفس المشاريع الخرافيّة الهوجاء لحاكم قذّافيستان ،وبذلك يستمرّ الرؤساء الأفارقة في استحلاب أمواله،دون أن يكلّفوا أنفسهم إلاّ إصدار الوعود وتشكيل اللجان ومزيدا من الدراسات،إلى أن يحنق ويغتاظ،ثم ينفجر في اجتماعاتهم ومؤتمراته الصحفيّة. وفي النهاية لا يملك هو سوى تدخين السجائر ونفخها في وجوههم !

 

يحدث هذا كلّه وميزانيّة الإتحاد (العظيم) كانت موضوع مناقشة ساخنة من قبل (المجلس التنفيذي) يوم أوّل يوليو،شجب أثناءها ألفا عمر كوني عدم سداد 80 مليون دولار كديون متراكمة على الأعضاء، مشيرا الى أن 12 دولة فقط تسدّد مساهماتها بانتظام . وكانت نتيجة المداولات أن قبلت الدول الخمس الأغنى في القارّة وهي : ليبيا وجنوب أفريقيا والجزائر ومصر ونيجيريا، بأن تتكفّل بدفع 60 مليون دولار أي 75% من إجمالي الدين بمعدّل 15% لكلّ منها . ولمعالجة مشكلة الدول الممتنعة عن السداد ،تقرّر إعادة فرض العقوبات على سبع دول هي:(أفريقيا الوسطى والكونغو كينشاسا وغينيا بيساو وليبيريا وساوتومي وبرنسيب وسيشيل والصومال. بينما دخلت القائمة دولتان أخريان هما : أريتريا والنيجير) . ولذلك كثرت زيارات رؤسائها لخيمة (القائد). ولن تخذلهم (خزنة أبو منيار) ،حتى يعاضدوه لكي يحقق مشروعه في إخراج (الولايات المتحدة الأفريقيّة) U S A! الذي لزم الصمت حيالها هذه المرّة .. ولكن من يضمن أن الأمر لن يؤول الى ما آل اليه في العلاقة مع الجامعة العربيّة : الإمتناع عن دفع المتأخّرات والتهديد بالخروج من العضويّة أو تجميدها ، أو بين بين ؟.ولكن ليس هذا هو بيت القصيد، فالدول (الغنيّة) الأربع الأخرى - وجميعها لا ترتاح لعلاقاتها مع حاكم قذّافيستان المتقلّب،والذي ذاقت من تصرّفاته الأمرّين- ربّما باستثناء جنوب أفريقيا حتى الآن – تستطيع أن تعزله وتبطل ألاعيبه وتدخّلاته وبالتالي تسيطر هي على الإتحاد بحكم تمويلها للجزء الأكبر من ميزانيّته . وكما قالت وكالة الأنباء الفرنسيّة : فأمام الدول الثمان والأربعين أعضاء الإتحاد الفقراء نموذج الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان الذي هدّد عام 1980 بتجميد مساهمة بلاده في ميزانيّة (اليونيسكو) والأمم المتحدة – بعد ذلك – وهو ما كلّف القارّة فقدان منصبي الأمين العام : مختار امبو السنغالي لليونيسكو ، والتجديد لبطرس غالي المصري في أمانة الأمم المتحدة .. ناهيك عن أن الميزانيّة المقدّرة لتمويل خلق مؤسّسات الإتحاد  وتسييرها بلغت 350 مليون دولار،توفّر منها حتى يوليو الجاري أقلّ من 25 مليون دولار !

 

وماعدا ذلك كانت قرارات القمّة أقلّ من عادية ،إذ لم يتّفق إلاّ على التمسّك بمقعدين لأفريقيا في مجلس الأمن ،ولكن ازدادت الدول المتصارعة  عليهما ،فبالإضافة الى نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر،دخل الحلبة العمالقة أنجولا وجامبيا والسنغال والجماهيريّة طبعا! وسيتأجّل الإشتباك الى أن تتقرّر الموافقة أولا. وهذا ما تعترض عليه أمريكا ،كما أن الإجتماعات مع الدول غير الأفريقيّة المرشّحة لم تؤت أية نتيجة،وخطفت نيجيريا الموضوع من القمّة وأخذت تساوم به في المحافل الدوليّة ..أما النزاعات والحروب والمجاعة والقحط والأمراض وكلّها تطحن القارّة بلا هوادة،فقد صدرت بشأنها التوصيات التقليديّة . وسارع الرؤساء الأفارقة الذين دعتهم مجموعة الثمانية،الى الإنطلاق بطائراتهم الخاصة الى اسكوتلاندا ليمدّوا الأيادي صدقة لله يا محسنين! ولذلك لم يتسنّى الوقت لرئيس نيجيريا ورئيس القمّة لعقد مؤتمر صحفي ختامي كما هي العادة . و(القائد الأممي) ليس في جعبته ما يقول ،فهو لا محلّ له من الإعراب إلاّ الدفع .. والوحيد الذي عقد مؤتمرا صحفيّا ،كان بوزيزي رئيس أفريقيا الوسطى، الذي اقتصر على القول للصحفيين:"سارعوا الى مساعدتي ! لقد احتفلت القمّة بحضورنا ،ولكن كان الأجدر بالرؤساء أن يعلموا أن العودة الى المجتمع الدولي جيّدة ومرغوبة ،غير أن بلادي في طريقها الى الإفلاس ."! ولذلك شاهدناه يوم 26 يوليو الجاري يعود الى خيمة القائد – وهو الذي قاتل بشراسة جنود القذّافي حتى حشرهم في قصر الرئيس السابق المخلوغ باتسي- مرفوقا بوفد كبير وشوهدت الحرم المصون تسجد أمام قدمي القائد مذكّرة إيّاه بسوق النخاسة الذي طالما ثرثر عنها في خطبه !

 

وعند الساعة 5 و 55 من يوم 5 يوليو سنة 2005 ( أي خمسة خمسة وخمسين، خمسة ،ألفين وخمسة . على وزن تسعة تسعة تسعة وتسعين ، ولكن أطول منها !) انتهت القمّة كما لاحظت الصحفيّة (إليز كوليت) "بأدنى درجة من التوافق لم تشهدها منذ بدايتها . ووسط الهرج والمرج تُرك رؤساء الدول وأعضاء وفودهم يتسكّعون خارج البنايات فائقة الحداثة ،أو يذرعون الممرّات مكيّفة التهوية،لمدّة يومين . ثمّ تفرّق شمل عظماء أفريقيا بسرعة . ونظرا لسوء التنظيم ، لم تؤخذ الصورة التقليديّة للعائلة الأفريقيّة التي كانت دائما رمزا لوحدتها، ولن تُثبت في (ألبوم) هذا المؤتمر الذي سينعقد كل ستة أشهر ."  ولكن فات الصحفيّة أن تذكر لماذا غاب هذه المرّة لاعب قديم، ولسنيين طويلة في هذه الغابة الأفريقيّة ،وإسمه علي عبد السلام التريكي، الذي يتقلّد الآن بامتياز وظيفة وكيل مساعد للشئون الأفريقيّة ؟ ولكن هذا موضوع آخر.

 

مخضرم

 


(1) ألا يخجل من هذا الكلام رهط "الكتّاب والأدباء والفنّانين والمطربين والرسّامين و الناشرين ..والبوّابين الليبيين" الذين شاهدناهم يشطحون ويرقصون لقائدهم ،وهو منتصب على كرسيّه فوق رؤوسهم كالعريس ،وهم جلوس يمردون على البلاط ،تمرقهم نظرات العسكر الشزراء.. يقدّسونه ويخلعون عليه ألقاب "فيلسوفنا وملهمنا في الفكر والإبداع ومعلّم البشريّة وصانع الإتحاد الأفريقي العظيم ؟" ثمّ ويتبارزون في توجيه الشتائم والسباب البذيء - وهم أحقّ به- لأبناء الوطن الشرفاء ،الذين وقفوا وقفة البطولة والإباء متحدّين الصنم الخاوي في مؤتمرهم التاريخي العظيم حقّا بلندن ؟ وهل رأيتم كيف اصطفى على مصطفى المصراتي الى جانبه دون أن ينبس معه بكلمة واحدة رغم تملّقه اليه ،ثم سماحه للشاعر المتهدّم على صدقي عبد القادر بأن يرافقه خمسة أمتار عقب نثره لكلمات الورد والقمر والربيع على الطاغية الفظّ . لماذا لم يحجم هؤلاء القوم عن المشاركة في هذه المهازل وهم في أرذل العمر،مثلما فعل فرسان الكلمة الآخرين النبلاء ؟ وبماذا سيذكرهم شعبهم قريبا؟

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع