11/07/2006


     


 

الجلاّسـة (2)

 

ولعل المثال التالي وتحليله يجليان صورة ظاهرة الجلاسة وما ذهبنا إليه في تفسيرها من آراء:

 

يحكى أن رجلاً موسراً كانت لة بنت وحيدة يضرب بها المثل في الجمال والأخلاق والذكاء، وقد اُعتبرت مرجعاً في حل أحاجي السريب والرد على الأسئلة التي تُطرح في بيوت الجلاس، على الرغم من صغر سنها. فأقام لها والدها (بيت جلاس) وأقسم أنه لن يزوجها إلا للشاب الذي يستطيع أن يتغلب عليها في أغاني العلم وصوب الخليل [1]. ثم ألحق بالبيت خادمة لتقوم على خدمتها وترعى شئونها. انتشرت قصة الفتاة، فجاء إليها كثيرون يتحدونها، ولكنهم كانوا يرجعون بعد أن تجردهم من أسلحتهم وخيولهم كرهينة إلى أن يجدوا حلولاً للمعضلات التي تطرحها عليهم دون جدوى، وفي يوم من الأيام وصل إلى بيتها شاب جاء لمبارزتها، فظهرت له الخادمة وأمسكت بيدها لجام فرسه، ثم دعته للترجل والتفضل بالدخول إلى البيت، ولكن الشاب غضب، ثم شد لجام فرسه نحوه بقوة، وهو يردد للخادمة غناوةالعلم التالية:

 

يصقص علي لقدار .. عندي العقل يا بال ع الجفا

 

ومعنى الغناوة: (أن قلبي ليس من السهل استمالته، فهو من الرهافة والحساسية بحيث أنه يشك في التقدير والاحترام، ولا يتقبله إلا بعد أن يتأكد أنه مبذول بصدق، وعن طيبة خاطر، فكيف بمن يستقبلني بكل هذا الجفاء والتعالي؟)، وعاد الشاب من طريقه الذي أتى منه، فدخلت الخادمة على سيدتها فأخبرتها بما حدث وأعادت على مسامعها الغناوة، فتبسمت الفتاة ابتسامة غامضة، ثم واصلت ما كانت فية من سمر بريء. وفي اليوم التالي أخبرت الخادمة سيدتها أن الشاب الذي بالأمس يبدوا أنه مقبلٌ ناحية البيت، فنهضت الفتاة من مجلسها، واستقبلت الشاب بنفسها، وأنزلته من على ظهر فرسه، ثم أمرت أن يُعنى بالفرس ويحهز له الأكل فوراً، والتفتت إلى الشاب، فقال لها: السلام عليكم. ردت عليه الفتاة قائلة:

 

سلامك تمكن .. وعظامك ارتكن .. وهات لي ستين غناوة على صوب العزيز يبكن

 

وهذة الغناوة غناوة سريب أو جذعنة أو صوب خليل، سمها كما تشاء ومعناها (إن سلامك قد وصل وتأصل لدى الشخص الذى تقصده، وإن قشعريرة قد أخذت بتلابيبك، فحاول أن تأتي لي بستين غناوة في موضوع واحد هو الحب، وكلها تُبكي من يستمع إليها. فرد الشاب قائلاً: 

 

مايبكي على صوب العزيز .. إلا الياس والموح والجفا

 

كان رد الشاب غناوة من (صوب الخليل) مثل سؤالها، ومعنى الغناوة التي قالها: لا شيء يمكن أن يجعلنا نبكي على قصة اثنين يحبان بعضهما، إلا إذا اكتنف حبهما يأس أو بُعد، لا يد لأحدهما في تديبره أو جفوة من أحدهما لسبب من الأسباب. ونلاحظ أن الشاب لم يكن غرّاً ولا مبتدئاً في صوب الخليل، فهو قد أجابها إجابة مختصرة مفيدة مقنعة، ولو أنة كان جاهلاً بأصول هذا المجال، فلربما بدأ يغني لها الغناوي  التي طلبتها، وعددها ستون غناوة لن ينتهي منها حتى تكل قدماهما من الوقوف والتعب، ومن الممكن أنه لن يستطيع حصر ستين غناوة  بهذا المعنى في وقت قصير.

 

ويظهر موقف الشاب في قصتنا عندما نعرف ما حدث بعد ذلك، حيث يقوم بعد ذلك، حيث يقول الراوي: أن الفتاة قد دعتة للدخول إلى البيت قائلة له: خلي رأسك وكرعيك برة م البيت، وتفضل. أي اترك رأسك ورجليك خارج البيت وتفضل، أي حذائك وغطاء رأ سك وادخل البيت، فعرف الشاب ماذا كانت الفتاة تقصد بعبرتها الغريبة تلك. وفي الحال كلفت الفتاة أحد الموجودين أن يذبح (جدياً) ويسلخه، وطلبت من غيره أن يقوم بتقطيع اللحم، فلما أتم ذلك قالت: أريدك أن تقسم لحم هذا الجدي كما أقول لك. أولاً: ضع (الكرعين مع القلب. ثانياً: ضع العين مع الدوارة. ثالثاً: ضع الرأس مع البطانة.

 

ثم طلبت من الشاب أن يشرح للموجودين قصدها من تقسيم لحم الجدي بهذه الطريقة، وما هو غرضها من كل مجموعة مع بعضها؟ فكر الشاب قليلاً ثم أجابها قائلاً: أن القلب مع الكرعين معناها ما تمشي الرجل إلا وين يحب الخاطر، والعين مع البطن معناها املأ البطن تخجل العين، والرأس مع البطانة معناها اقطع الرأس ييبسن العروق.

 

ومعنى رد الشاب: أما عن وضعك القلب مع الرجلين فمعناه: لا تتحرك الرجلان إلا إلى المكان الذي يرتاح إليه القلب، وأما عن جمعك بين العين والمعدة فأنت تقصدين: املأ بطن الإنسان يخجل منك، أما قصدك من وضع الرأس مع الجلد فهو: اقطع الراس تجف العروق.

 

ويقال أن ذلك اليوم كان آخر عهد الفتي والفتاة ببيوت الجلاس، فقد قالت للشاب: إنني منذ هذه اللحظة ملك يمينك، وكان أن خطبها من والدها الذي عرف بالقصة وبر بقسمه فقد وافق علي زواجهما [2].

 

يتبع

 

أحمد الحوتي

 


[1] العلم: نمط واسع الانتشار من أنماط الشعر البدوي ويندر وجود أشخاص لا يحفظون بعض نصوصه، وهو عبارة عن سطر شعري واحد، يؤدى غناءً ويُعد أهم أنواع الغناء البدوي. أما صوب خليل فهو (مايًعرف أيضاً بالسريب أو كتاب خليل) ويتمثل في جزء كبير من أغاني العلم العادية، ونوع فريد من أغاني العلم يتكون من أكثر من بيت شعري واحد، ومن الأحاجي المقفاة. وأغاني العلم وأحاجيه -لا تغنّى منغمة، كما تغنىّ أغاني العلم، بل أنها تسرد سرداً عادياً (عبد السلام قادربوه، مرجع سابق ص 130 ومن الطبيعي أن تؤدي على نحو سردي لأنها نصوص متبادلة بين الفتى والفتاة حيث لا يجوز الغناء. ويتم تبادل هذه النصوص -فضلاً عن لقاءات الجلاسة- عند اللقاء بالقرب من البئر أو مناطق المرعى أو الاحتطاب، وهي مساحات ترفد ظاهرة الجلاسة وتستمد طبيعتها منها، ويذكر قادربوه احتمالات مختلفة لمصدر تسميه هذا اللون الفني بصوت خليل، أنظر له مرجع سابق ص 128-127 أما صلاح الدين جبريل فيحدد معناه (بأنه توجه العقل أو ذهابه إلى نحو الخليل وهو الصاحب أو الحبيب) مرجع سابق ص 63 وأنظر ص 64-87 من المرجع نفسه. أنظر الباب الخاص بالنصوص من هذا الكتاب.
[2] عبد السلام قادربوه، مرجع سابق، ص 89 – 87 والدوارة هي الأمعاء والمعدة، والبطانة هي جلد الشاه، أنظر حاشية 1 ص 89 من المرجع نفسه. ومن الواضح أن عبد السلام قادربوه قد صاغ الرواية بلغته، باستثناء النصوص، وربما توحى كلمة (يحكي) في بداية الرواية بأن الأمر أمر قصة تحكى والواقع أن الجلاسة ممارسة واقعية، فعلى الرغم من انحسارها كظاهرة فإنه من الممكن أن تجد من يحدثك عن أنه كان بالأمس: (ماشى يجلس) مما يعني أن للظاهرة بقايا. ولا ننكر أن رواية تتصل بالجلاسة لن تكون تسجيلاً حرفياً لما حدث، وهذه طبيعة الرواية الشعبية عموماً، ولكن حسبنا أن مثل هذه الرواية إنما تعكس تصوراتهم عن الظاهرة وما يمكن أن تتضمنه، ومن ثم فإن تحليلنا لهذه الرواية إذا لم يكن منصرفاً تماماً إلى واقعة من وقائع الجلاسة فإنه ينصرف إلى ما شكلته تصوراتهم عنها

 


راجع الجزء الأول


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com