|
|
09/07/2006 |
|
وداعا يا بشير.. وإلى اللّقاء! مفتاح السيّد الشريف فُجعت - بعد عودتي من سفر- بصوت نوري رمضان الكيخيا،على مسجّل الهاتف،يعزّيني في وفاة المناضل الوطني الكبير محمّد بشير المغيربي، ولأن كلّ نفس ذائقة الموت، وهو حقّ،ولن يبقى إلاّ وجهه تعالى الحيّ القيوم،فقد انزويت في ركن حزينا كئيبا تهدّني اللّوعة، ولكن متوقّعا وراضيا بقضائه. فها هو ذا فارس جسور من فرسان الكفاح الوطني يسقط بعيدا عن الوطن الذي كان من أبرز بُنات حريّته ووحدته، يوم أن تكالبت عليه قوى الهيمنة الأجنبيّة تريد تمزيقه والسيطرة على مقدّراته. وعلمت من نوري أن بشيرا أسلم الرّوح وهو على مائدة الغذاء مع عائلته الحبيبة، بعد العودة من إجراء فحص طبّي روتيني، أي أنه قضى دون ألم من مرض عضال أو عذاب من همّ مقيم.. فمن منّا لا يتمنّى هذه النهاية ؟ وسط المشيّعين الحزانى وقف الشيخ الجليل عزّ الدين إبراهيم ليرثي الفقيد من أعماق القلب وبرهافة الوجدان الكليم. وعلى الفور انثالت في مرآة الذهن وتماهت صور الذكريات ورؤى الماضي :الزعيم الإخواني الأستاذ عزّ الدين إبراهيم،الذي لجأ من مصر إلى بنغازي في بداية الخمسينات من القرن الماضي مع رفيقيه الشربيني وجلال وبرعاية من السيّد إدريس،وجد من رجالات جمعيّة عمر المختار وعلى رأسهم بشير الحماية والتعاطف والحفاوة،وكنتُ من أوائل الشباب اليافع الذي شارك في تجمّع (القوارشة) يؤمّهم هذا الأستاذ الفصيح الضليع في الصلوات الخمس،ويسكب في أذهانهم قيم الدين والفضيلة. إنه عندما وقف يرثي بشيرا - بعد مرور أكثر من نصف قرن- قد عبّر عن الوفاء الصادق الحميم واستحقّ من شعب بنغازي وليبيا كامل التقدير والعرفان.كان بشير المغيربي طيلة مرحلة الكفاح الذي قادته الجمعيّة عمليّا منذ 1946 هو (الدينمو) المحرّك لأنشطتها، وقائد مظاهراتها الجماهيريّة وخطيبها المصقع ذا الصوت المجلجل دون (مكبّرات).. ولن أنسى يوم رفعناه على أكتافنا - نحن شباب الجمعيّة الفتيّ - مع رفيقه في القيادة محمود مخلوف في يونيه 1949 لنقتحم (قصر المنار) الذي أعلن منه (الأمير) إستقلال برقة هاتفين "لا استقلال بدون وحدة" و"لن نفرح وطرابلس تحزن"!كان بشير أيضا القلم البليغ الذي حرّر المقالات الملتهبة في "الوطن"،وعندما أُغلقت واصل الكتابة في "الدفاع"،وعندما توقّفت تحوّل لتدبيجها في مجلّة"ليبيا" ثمّ "النور".. لقد بقي المناضل المثابر الدؤوب الذي ينتقل من ميدان إلى آخر،ويفتح جبهة جديدة ضدّ الإستعمار البريطاني ومؤامراته كلّما سدّ جبهة للكفاح.. عندما تآمرت السلطة وأمرت بعدم إستعمال إسم شيخ الشهداء كعنوان للجمعيّة،سُمّيت (الجمعيّة الوطنيّة)، وعندما أُغلقت الجمعيّة لرغبة الأمير في رصّ الصفوف في (المؤتمر الوطني البرقاوي) استعدادا لمقابلة (لجنة التحقيق الرباعيّة) بموقف وطني موحّد،استجابت الجمعيّة للرغبة،ولكنها تصدّت للتآمر الإستعماري في الخفاء،فتارة تنظّم الصفوف وتحافظ على نبض الجماهير وحماسها فتنشيء فرق الكشّافة، ولمّا أن حُلّت بحجّة وأد التطّلعات العسكريّة،تفتتح ناديا جديدا للعمّال في (البركة) وتارة أخرى تشكّل مع رابطة الشباب (لجنة رأس الهلال الوطنيّة)، وحين تخذلها الرّابطة،يبرز بشير ممثّلا(للغرفة التجاريّة) يناويء السلطة البريطانيّة بالإضراب والمظاهرة ويفضح تآمرها بالقلم المحرّض .. كان بشير في كلّ هذا يتحرّك مع زملائه باسم "الأستاذ" زعيم الجمعيّة مصطفى بن عامر الذي بسط هيبة الزعامة الوطنيّة الصادقة على جميع أنحاء برقة ولقيت صداها في طرابلس. ولم يضايق نفوذ الجمعيّة السطة العسكريّة البريطانيّة فقط،، بل إنه أرغمها على التراجع عن تفعيل بعض مؤامرتها، وهو ماكشف عنه بشير المغيربي في كتابه الوثائقي،وجاءت التقارير السريّة البريطانيّة التي في حوزتنا لتؤكّده. وأيّام زياراتي المتعدّدة "للأستاذ" منذ أكثر ربع قرن، قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى، كان يردّ على تساؤلاتي عن أحداث وقعت–وبحضور ثلّة من الأخوة والأصدقاء - بأن (بشير) كان هو المبادر أو المنفّذ الجريء الذي لا يهاب. ولقد كنت في مرحلة متقدّمة من العمل الوطني وفي ميعة الصبا برفقة كوكبة من الأصدقاء- وبشير ما برح في ريعان الشباب - نخاصمه أو نختلف معه في الرأي حتى بلغ بنا الأمر إلى خلق تيّار جديد لا يتواءم مع توجّهاته (القوميّة) بالذّات. ولكن بشير ظلّ الإنسان السمح الديمقراطي في الجوهر والمظهر،السخيّ في الشهامة والمكرمات. والآن وقد انتقل إلى دار الخلد،فإنّني إن نسيت فلن أنسى ما حييت أفضاله إذ آزرني في محنتي،عندما حُرمت من إتمام دراستي الثانويّة بسبب نشاطي ،فدّعيت من أصدقائي لمواصلة الدراسة في القاهرة مقيما معهم في مقرّهم، فكان بشير يرسل إليّ من حين آخر مبلغا من المال كان يعينني على مغالبة شظف العيش في ديار الغربة.وربّما جهل الكثيرون من أبناء الجيل الليبي الحاضر دور بشير المغيربي في حركة التحرير الوطنيّة الليبيّة،وبناء أسس الحياة الحزبيّة التي أعقبت الحرب العالميّة الثانية. وهو واجب ينبغي على أمثالي من شهود التاريخ أن يقدّموه مجليّا في حقائقه الموضوعيّة الموثّقة،في القريب العاجل، إن قدّر العليّ العظيم. فوداعا يا بشير .. وإلى اللقاء. وعوّض الله خيرا الذين بكوك من عارفيك ومحبّيك من أهل مدينتك الحبيبة الحزينة بنغازي، وعوّض بلادك التي فقدتك أحسن العوض في أنجالك الميامين الذين سينتهجون نهجك، ويحفظون أمانتك. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. |