الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

02/06/05


 

 

 

الكاتب الليبي: احمـــد أ. بوعجـــيله

 

نظرات في مستقبل العمل السياسي (7)

 

 تطلعـــات في القيادات المرتقبة

 

ما هو معلوم بالضرورة أن المجتمعات البشرية أو عالم الأسود والنمور والنمل والنحل والأسماك في قاع المحيطات والبحار تربو نفسها دائما لوجود قيادات لها متمثلة في رئيس بعينه ترشحه وتؤهله العوامل الذاتية التي جبل عليها أو تصقل مواهبه وتنمو حول ذلك الهدف بالأعداد والعناية والتربية وتتعهد بعض الجهات المتخصصة من المربين والمدرسين والأساتذة أو الكليات الخاصة لي إعدادهم لتلك المناصب كما حصل ويحصل لي أبناء الامبروطوريات والملوك والسلاطين والرؤساء

 

وقد أشار المصدر الرباني الذي يتبناه الشعب الليبي علي هؤلاء بما اسماه " ولي الأمر " وبين مواصفاتهم ووجباتهم وحقوقهم ، كما أكدت السنة النبوية أهمية القيادة حتى علي مستوي التجمع الصغير في قرية نائية ، فما بالك بالكبير منها في قوله " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ".

 

وقد أوضح علماء الشريعة من عقائد و أحكام وفقهاء الأمة علي ضرورة نصب الأمام واختيار بما يصلح شئون العباد وقضاياهم الدنيوية وما يصلح معادهم ومرجعهم حيث قالوا " أن نصب الأمام " الرئيس أو الخليفة " من أتم مصالح المسلمين ، واعظم مقاصد الدين " وقال آخر " والمسلمون لابد لهم من أمام يقود بتنفيذ أحكامهم و إقامة حدودهم ،  وسد تغورهم ، وتجهيز جيوشهم ، واخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق ، و إقامة الجمع والأعياد ، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد ، وقبول الشهادات القائمة علي الحقوق ، وتزويج الصغار الذين لا أولياء لهم ، وقسمة الغنائم ،، ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها أحاد الأمة ."

 

وذكر الأمام المارودي في الأحكام السلطانية ، واختلف هل الإمامة أو رئاسة الدولة واجبه عقلا أو شرعا ، أوضح أن طائفة أوجبتها بالعقل لما في طبائع العقلاء من التسليم لزعيمهم الذي يمنع من التظلم وبفصل في الخلافات والمنازعات ، وذهب طائفة أنها واجبة شرعا دون العقل لقيام الأمام بأمور شرعية قد كان مجوزا في العقل أن لا يراد التعبد بها ، و إنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء من التظالم والتقاطع ويأخذ بمقتضى العدل في التناصف والتواصل ، ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين في قوله تعالي " يأبها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم " .

 

من هنا نري أن هناك أراء كثيرة مختلفة ومتفاوتة في قضية الإمامة وتختلف اختلافا جذريا علي أقوال أتهل السنة والجماعة مثل الأمامية التي جعلت منصب الأمام ركن من أركان الأيمان والدين ووجبت تعين الحاكم ويكون معصوما من الكبائر والصغار ، واختلفت الزبدية والإسماعيلية حتى علي الشيعة الأمامية في هذا الموضوع ، حيث اعتدلت ولم تطعن في إمامة أو خلافة أبو بكر الصديق أو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، و أن علي بن أبى طالب من آل البيت كان أحق بها ..... ويهمنا هنا ما يخص قضيتنا الليبية ، أن الشعب سيوافق شــرعا وعقــلا علي وجوب رئيس جديد وقيادة حكيمة ورشيدة تتصف علي الأقل بالحد الأدنى الذي يمكنها من تجاوز الآثار التي خلفها ارث النظام ، الذي افسد الحرث والنسل وقطع الأرحام ، وانتهك الأعراض ، وسلب وبدد الأموال والثروات ، واستأثر لنفسه بشرذمة من اللصوص والانتهازيين وقطاع الطرق والرقاب في سبيل مصالح شخصية علي آمل للقيادة الجديدة محاسبة هؤلاء علي ما اقترفت أيدهم بحق الشعب الليبي .

 

الشــــروط الواجب توفرها في القيادة الجديدة

 

دعني فقط اذكر هذه الشروط .. حيث انه لو آخذت حتى المفردات وقسناها علي واقع اليوم ، فيا للهول وللمفاجأة ، فلا الاسم واللفظ موجود ، ولا المعني والتطبيق قائم ، فالخلافة مثلا ، حتى لفظا ، تكاد تنسي بعد زوالها علي يد أتاتورك التركي الذي أطاح بالسلطان العثماني عبد الحميد عام 1924م ، و الأمة ممزقة مشتتة ، وكانت خير أمة أخرجت للناس ، فأصبحت غثائية وعبدا ثقيلا وعلي هامش الاستهلاك والبشر ، الثروة مبددة ، والحصون مهددة ومخترقة ، والمقدسات مستباحه ، والرويبضة تلو الرويبضة يصول ويجول في إدارات وأجهزة الدولة ومراكزها الحساسة السياسية والدبلوماسية .

 

ونترك الباب مفتوحا للقارئ عالما أو متعلما ، يفكر ويشحذ ذهنه ويتأمل أين هذا من ذاك ؟ عسي أن يدرك الأسباب والفواجع التي حلت بالأمة بلادنا الحبيبة لاين تقوده هذه القيادة ؟ وما هي المؤهلات القيادية ؟ وما مدي إمكانية توفر علي الأقل الحد الأدنى فيمن سيؤكل إليهم الأمر ترشيحا واختيارا او تنصيبا بعيدا عن التزوير والخداع ؟

 

اجمع الفقهاء علي الشروط الواجب توفرها لمن يتحمل مسئولية قيادة الأمة منها :

الرجولة * الإسلام * التقوى والورع * خلو من العاهة الجسدية والفكرية * حنكة وخبر .. أو كما بينها الأمام أبو يعلي الحنبلي منها :

 

1- حفظ الدين.

2- تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين ، وقطع الخصام بينهم ، حتى تظهر النصفة ، فلا يتعدي ظالم ، ولا يضعف مظلوم .

3- حماية بيضة الإسلام ، والذب عن الحمي ، لينصرف الناس الي اعمالهم ومعايشهم ، وينتشروا في الأرض آمنين .

4 إقامة الحــدود ، لتصان محارم الله تعالي ، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك .

5- تحصين التغور بالعدة المانعة والقوة الرادعة ، حتى لا يظفر الأعداء بثغرة ينتهكون بها محرما ، ويسفكون فيها دم مسلما .

6- جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة ، حتى يحكم الله وهو أحكم الحاكمين .

7- جباية الأموال علي ما أوجب الشرع نصا و اجتهادا ، من غير عسف .

8- تقدير العطاء و ما يستحق في بيت المال ، من غير سرف ولا تقصير ، ودفعه في وقت لا تقديم ولا تأخير .

9- استكفاء الأمناء ، وتقليد النصحاء ، فيما يفوض إليهم من الأعمال ، ويعهد إليهم من الأموال ، لتكون الأعمال مضبوطة والأموال محفوظة .

10-أن يباشر القائد والأمير بنفسه مشارفة الأمور ،  وتصفح الأحوال ، ليهتم بسياسة الأمة والجماعة ، وحراسة الملة ، ولا يعول علي التفويض تشاغلا أو عبادة .. فقد يخون الآمين ، ويغش الناصح ، وقد قال الله تعالي " يا داو ود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوي " ص 36.

 

* وان كان ذلك قد يبدو إن هذه الشروط غير واقعية كما سيقال أو مثالية إلى حد ما ، خاصة مع هذه المعطيات والمواصفات لبعض من متصدري دفة الحكم او الحديث او العمل السياسي والإعلامي ، ولا استثني نفسي الأمارة بالسوء ، غير انه صحيح كذلك يوجد في بلادنا داخليا وخارجيا مؤهلات قيادية قد جمعت الكثير من المواصفات الأدبية والإيمانية والبدنية والحنكة السياسية والقدرات التخطيطية والإدارية والحركية ، ووعي وفهم للواقع الداخلي والإقليمي والدولي ، وحسن التعامل الإنساني ، وملكة الإنجاز والتنفيذ ، ومهارات المناظرة والحوار والأخذ والعطاء ، فعلي الأقل بان شعبنا يطمح في توفر الحد الأدنى لمن يستطيع ان يعمل بالخلاص وتجرد ، وان يسعي لتحقيق صور العدل والعدل واكرر العدل ، ورفع الظلم والجور ، ويخاطب الناس بواقعية بعيدا عن التنظير والمزايدات الإعلامية والخطب الحماسية الرنانة ، فن الوقت للعمل وكفي الأمة طول الحديث وقلة التنفيذ . إضافة إلى القدرة في جمع الشمل ، والتركيز علي النهوض بالبلاد والعباد ، وترقي في السلم الحضاري الديموقراطي ، واحترام آدمية الإنسان وامنحه حقوقه والدفع به للعمل واستنهاض ألهمم للعمل الجاد والمنتج .

   

وقد يحتج أو يسأل البعض من الشعب الليبي ، مثلما طرحه دعاه العلمانية ، أن الماضي المشرق للامة الإسلامية ومسيرة الخلافة الراشدة ، أمر تاريخي انتهي يإنتهاءها ،  ومن الصعوبة أن ننظر في قضية الرئاسة للدولة بنفس المقومات والشروط ،  وما ينطبق علي سلف الأمة لا ينطبق علي واقعتا اليوم ، بحيث اتضح حركات مدنية وعصرية جديدة ، واستحدثت مفاهيم وأساليب وطرق جديدة ، هي التي ينبغي أن ينظر أليها عند طرح ومناقشة هذه القضية ، وهذا من اللبس الذي لا تدعمه حقائق الواقع من الماضي والحاضر ، اللهم إلا الشكوك وافتراضات ظنية ونظريات مستعجلة ، وقياسها علي الأوضاع الوضعية للامة الأوربية والأمريكية التي تختلف في جوهرها وأصولها وتاريخها عن عقيدة ومبادئ الشعب الليبي

 

* ولهذا فان المجلس الوطني المؤقت والمقترح ، والممثل للشعب في هذه الفترة سيمكن له من اختيار الأصلح الموجود ، وإذا لم يتحقق ذلك ، فسيختار الأمثل فالأمثل ، مستأنسا بالآراء الفقهية لعلماء الشريعة والفقه والقانون المدني والجنائي ، خاصة ما أشار أليها ابن تيمه الذي وعي الماضي ، وفهم ببصيرته وثقب نظره إلى حقيقة الإسلام ، وطبائع النفوس والمجتمعات ، حيث قال في كتابه السياسة الشرعية " يجب علي ولي الأمر ( المجلس الوطني ) أن يولي علي كل عمل من أعمال المسلمين " الشعب الليبي " أصلح من يجده لذلك العمل ، قال النبي صلي الله عليه وسلم " من ولي من أمر المسلمين شيئا فولي رجلا وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله ."

 

ولا ينطبق هذا الأمر فقط علي اختيار وانتخاب الرئيس بل يجب أن يتعدي إلى اختيار الوزراء والوكلاء وقادة الجيش والمد راء ، وممثلي المجالس النيابية ، ممن سيكون لهم مسئولية قيادية في الدولة الجديدة .

واذا لم يتمكن المجلس المؤقت من اختيار الأصلح ، سواء لتفرقه في البطون والعشائر ، ينبغي اختيار الأمثل فالأمثل في كل منصب ومسئولية ، خاصة بعد أن يجتهدوا ، ويتشاوروا فيمن تتوفر فيهم الشروط من القوة والأمانة ، سواء قوة العقيدة وقوة في الشخصية وقوة في تنفيذ للبرامج والخطط ومراقبتها ومحاسبة المنفذين ، وأمانة في التعامل وأمانة في صرف الأموال والميزانيات المتخصصة في أوجهها الصحيحة .

أخيرا ، ينبغي أن يصل القائد الجديد بالبيعة العامة الشعبية ومن خلال صناديق الاقتراع والانتخابات الحرة النزيهة كما ينبغي لها الاستعداد للتقيد والالتزام بالشورى والممارسات الديموقراطية والاستعداد بقبول المعارضة والتعددية السياسية ومشاركة المرأة بما يتناسب مع مؤهلاتها وقدراتها ودورها .

 

هذه قد تكون بعض الأحلام ، ولكن التغيير قادم ، وهي مقدمات نحو الهدم والبنـــاء وسيكون أن شاء الله وقل عسي أن يكون قريبا .

 

احمـــد أ. بوعجـــيله

Ablink95@yahoo.com

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع