
06/06/05
|
الكاتب الليبي: احمـــد أ. بوعجـــيله
الديموقراطيــــة هكذا
بسم الله الرحمن الرحيم
من مفارقات الدنيا كان القوم في الستينيات يتشدقون وينمقون أحاديثهم بالاشتراكية ، والبروليتاريا ، و لينين وإنجليز ، والنظرية الجدلية ، والحتمية التاريخية وراسل والوجودية ، وآنا أفكر أذن أنا موجود ، وتشي جيفار وماركس و أقصي اليمين واليسار والبياتي ونزار قباني ودونيس وأديب الفكر والأدب العربي طه حسن ، ثم القومية العربية ، وأمة واحدة وميشيل عقلق ,, وهلم جرا ..... ...
والغريب أن الكثير من القوم ، ممن يتصدر بعض من فصائل العمل الوطني المعارض ، سواء من مدينتي الحبيبة بنغازي ، أو المناطق الأخرى من بلادنا ، كانوا من أغنياء القوم .. ثم ذهبت الشيوعية في مزبلة التاريخ لتنافيها مع العقل السوي ، والمنطق السليم ، تلاها اندحار القومية العربية وإفلاسها عسكريا وفكريا في حرب الأيام الستة أو نكسة يونيه 67 م ، لإنكارها حقيقة عزة ورفعة الأمة ، وقوام كيانها الفكري والحضاري .. ثم بعد ذلك وفي ظل الهزيمة الفكرية والثقافية والعلمية ، والإفلاس في عالم القيم والمبادئ والانبهار العلمي ونمط الحياة الغربية ، يتشدق القوم اليوم بالديموقراطية وحقوق الإنسان والمرأة .. لا لأننا نعادي هذه المعاني والطموحات والشعارات السامية ، حيث اعتبر نفس المقصرة ، من عشاق الديموقراطية والمدافعين والمنادين بها ، ولكن ليس لأنها إنتاج وممارسات غربية حضـارية ( ولا أحد ينكر ذلك ) فقط ، لأنها تنبع من صميم عقيدتي ، ومنهجي النير المستقيم ، ولأنها في حقيقتها ، هي بضاعتنا ردت ألينا ، ولأنها الوسيلة الوحيدة اليوم ، لي إعادة صور العـدل ، وهيبة القانون ، وتحقيق آدمية الإنسان ، واحترام هويته ، والدفع به نحو العمل والإنتاج ، ومقاومة صور الظلم والاستبداد و إطلاق حرية الإنسان وتحقيق صور العدالة الاجتماعية والاقتصادية ، التي تمثل المحاور الرئيسية لمسيرة الإنسان وتقدمه وازدهار حياته ، خاصة المبينة علي ثواب وقيم ومعالم ربانية واضحة لا غبش فيها .
* وشعبنا الليبي يتطلع اليوم إلى أجواء من الحرية وصور العدل ، والفرص العادلة ، في العمل والسكن والاستثمار ، وتمثل الحق في المعاملات ، خاصة بعد أن قبع يئن مترنحا بجراحه النفسية والمادية ، وحتى الدموية لبعض من خيرة أبناءه ، ويغالب ضنك المعيشة بأبعادها النفسية المؤلمة أو صورتها المادية ، والاغتراب علي حقيقة عقيدته وتراثه وتاريخ جهاده الطويل ... ولابد أن يعي العاملون لي إعادة مسيرة الحياة إلى طبيعتها الصحيحة في الداخل والخارج ، حجم التحديات من أعداء الأمة المتربصين بها علي كل صعيد حيث لن يسمحوا أو يطمعوا ويقبلوا أي تحول سياسي حقيقي ، إلا بما يتفق مع استراتيجياتهم ومصالحهم التي أشرت إليها في مقال سابق ، وان المعركة ليست معركة شعارات ومفاهيم ومصطلحات بعيدة عن مضمونها الحقيقي منهجا وتطبيقا ، وان هناك بقية من أبناءنا تغربوا وتعلمنــوا في وجهتهم ومقصدهم وتصوراتهم ، وكثير منهم ( عن غفلة بنوايا طيبة وحسنة ) عن طبيعة المنهج الفكري الأساسي لشعبنا الليبي ، وما يستطيع أن يقدمه ، وسيقدم ، من خير وعدل ونجاح ونهضة ورحمة في مسيرة الحياة الواسعة ، بشقيها الروحي والإيماني والمادي العلمي والتقني ليس فقط للإنسان الليبي ، بل للإنسانية جمعاء ، وان عليهم خاصة ممن أتاحت لهم الفرص والقدر الدراسة والمعيشة في ديار الغرب والتعرف عن كثب عن طبيعة الحياة ، وان يعي التناقض الواضح بين المصطلح والشعارات المتغني بها ، وعمليات التطبيق المتناقضة والمتعددة ألاوجة التي أشار أليها ، ويشير إليها كل يوم عقلاءهم من المفكرين والباحثين والعلماء والأساتذة وبعض من رجال الأعمال والأعلام وعلوم النفس والتاريخ والدراسات الإنسانية .
أن الشورى والديموقراطية لا تتم ولا تطبق في فراغ ، فالشورى مثلا ، وسيأتي الحديث عنهما إن شاء الله ، نظام متصل بقضية التوحيد ابتداء ، ثم التسليم الكامل لثوابت الشرع ، وتترك كل الاجتهادات و أطر العمل والبرامج المتعددة ، انطلاقا من تلكم المنظومة التوحيدية ، خاصة وان أحوال الناس سياسية وأنماط اجتماعية واقتصادية تتغير وتتجدد وتبرز قضايا متنوعة ومختلفة بحيث تنطلق كل هذه المتغيرات من ركيزة ثابتة في الكون والحياة والإنسان " أن الأمر كله لله " و أنه لا يعجزة شئ في الأرض أو السماء ... آما الممارسات الديموقراطية في الغرب تنطلق من منافع آنية ذاتية ، وتصورات وأيدلوجيات ونظريات وضعية حيث قضية المصالح والأمن والاستقرار وجلب المنافع ، والاستئثار بمراكز القوة ، والحق المطلق في ثروات الشعوب الفقيرة كأنها خلقت لهم حتى أعلن سياسيا مخضرما بأن الله اخطــأ عندما وضع " النــفط " في بلاد العرب ، والتحكم وزيادة التخمة المادية هي التي تحرك السياسات الغريبة
* ولعله من إيجابيات صاحبنا ، أن كان له إيجابيات ، الذي اعتل ، ومازال في العرش لهذه العقود الثلاثة يخيرها ( إن وجد ) وشرها ، و ألا لامها ، وفشلها ، كما اعترف بها شخصيا ، هو فهمه ونظرته للنظام السياسي والممارسات المتناقضة في الغرب ، وتحليله الموضوعي والعلمي لقضية الأحزاب والتعددية السياسية والديموقراطية ولا أحد ينكر ذلك ، اللهم الممارسات الخاطئة في بلادنا .
إياك أن تستعجل بتوجيه تهمة الدفاع عن النظام ، لي أنه أساسا لا يوجد " نظام " يرتكز علي ثوابت ومناهج علمية مقننة ، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب ، فقد أعلنا مرارا أن خلافنا الرئيسي مع رأس النظام ، هو خلاف أيدلوجي وفكري ، وعقائدي بالدرجة الأولى ، وأنه نظام تعسفي ، غوغائي ، منتهك لمحارم الخلق والخالق ، ووجوب معارضته ، وانكاره حتي قلبيا ، كما أشار الاستاذ اسماعيل سالم في مقاله الرصين " نظام العقيد تجب معارضته ويحرم تأييده " ، ثم الممارسات العويصة للجان الثورية والشعبية ، التي تتضح من مراسلاتي وكتاباتي لي أكثر من عقدين من الزمان .
* لقد تنكر بعض من قومنا ورجال الصحافة والسياسة علي موقف أبناء الحركة الإسلامية الإصلاحي ، والذي ستتبين صدق توجهاتهم ، وعمق الحنكة السياسية والاستراتيجية ، خاصة أنه جاء بعد دراسة متأصلة للواقع الداخلي بكل أبعاده ، ومشاورات داخلية ودولية ، ووعي للمرتكزات السياسات الغربية ، واستراتيجياتها في المنطقة ، والوضع الإقليمي ومؤثرا ته المستقبلية ، والاهم ... وعي بسنن التغيير ودروس التاريخ .
* سبيل الديموقراطية المنشود ، طريق ، ومخاض شاق طويل ، ويحتاج لبناء أسس وقواعد شعبية علي منهجية فكرية واستراتيجية تنظيمية تخطيطية ، وخبرة وبراعة في الاتصالات والإدارات ، واستشراف المستقبل ، والتعامل والتعاطي مع الواقع دون تنازلات ، وإملاءات قهرية ، ثم التعبئة السياسية والإعلامية والتعليمية والتربوية ... , أعداد الكوادر القيادية ، كخطوة رئيسية ، ثم العمل والعمل والتوكل عليه وحده ، والجهود الوطنية الشريفة .
* ألان ... ومع صعوبة الخيار العسكري ، وصعوبة العصيان المدني ، والانتافضة الشعبية العارمة لسبب أو لي أخر .. ما هي إمكانية تقبل قضية الحــوار كخيار استراتيجي تقتضيه مصلحة البلاد والعباد والمحافظة علي أرواحهم ومنافعهم ؟ أنظر كيف تعامل القوم مع قضية " خـلاص " من هم ؟ وهيا اعلنوا اسمائكم ؟ ومن اتهم بالعمالة وفخ جديد من النظام .. الي اخر الموضوع الذي اشيع كتابة ومناقشة وتنظيرا .. ثم خرج المتحدث باسم القوم .. وقابل المناضل الاستاذ والدكتوروالغيور الوطني ، ليس هذا فحسب واقحم المرشد الروحي والمفتي الحاج مصطفي .. وبيانات حماسية ، سواء لقلة خبرة القوم ومعرفة اليأس والقنوط والملل والسأم للشعوب من هذة الخطابات الاعلامية الاستهلاكية الرنانة ، ونصحنا القوم وبحسن الظن بهم ، ضرورة التريث والمشوري ، ولكل أمر وقته وظروفه ، او كما قال المحامي الشارف لكل مقام مقال .... فأرجو أن يطرح الموضوع ويناقش بعيدا عن الحماس والانفعالية ، ومقارنة الدروس الأخيرة في عالمنا العربي والإسلامي أو في أوربا وغيرها الكثير ؟ هل وهل ؟
دعني انقل هذا الحوار الذي كتبه الأخ عبد الله عيسي السلامة والذي نشر في مجلة " المجتمع "
دار الحوار التالي بين أحد النشطين السياسيين المطالبين بالديموقراطية ، وبين الدكتاتور الذي يحكم البلاد بالحديد والنار :
قال الدكتاتور للمعارض ، ماذا تعني لك الديموقراطية ؟ المعارض : أن أقول ما أشاء وافعل ما أشاء ، دون خوف من سجن أو تعذيب أو ملاحقة أو حرمان . * الدكتاتور : حتى لو خالفت القوانين واغتديت علي الناس بقولك أو فعلك ؟ المعارض : بالطبع لا .. فأنا رجل مثقف ، اعرف القوانين جيدا ، واعرف الحدود التي يجب أن اقف عندها . * الدكتاتور : حسنا .. فأين المشكلة أذن ؟ ولم تصدع رؤوسنا صباح مساء بالديموقراطية ؟ المعرض : لأنها غير مطبقة في بلادنا . الدكتاتور : ومن أخبرك بهذا ؟ المعرض : وهل أنا إلى من يخبرني بهذا ، وأنا أعيش في هذا البلد ؟ * الدكتاتور : وهل اكتشفت بعيشك في هذا البلد ، إن الديموقراطية غير مطبقة فيه ؟ المعرض : طبعا . * الدكتاتور : هذا يعني انك لا تعرف معني الديموقراطية ؟ المعرض : وكيف لا اعرف معناها ، وقد سألتني عنه قبل قليل و أجبتك ؟ * الدكتاتور : تقصد : أن تقول ما تشاء ، وتفعل ما تشاء ، دون مخالفة للقوانين ؟ المعارض : أجل. * الدكتاتور : ومن منعك من ذلك ؟ المعارض : رجال المخابرات الذين سميتموهم رجال الأمن . * الدكتاتور : اذكر لي اسم رجل واحد من هؤلاء وأنا اجلده أمامك بالسوط . المعارض : جهاز أمن الدولة في بلدتي التي أقيم فيها . * الدكتاتور : الجهاز كله منعك من تقول ما تشاء وتفعل ما تشاء ؟ المعارض : بل مجموعة منه اعتقلتني ليلا ، ومجموعة أخرى حققت معي وعذبتني . * الدكتاتور : لم اعتقلتك الأولى وعذبتك الثانية ؟ المعارض : لي أني عبرت عن رأيي بصراحة ، في بعض المسائل العامة ، والقوانين الخاطئة والممارسات الفاسدة لبعض المسئولين الكبار . * الدكتاتور : هــذا يعني قـتلت ما تــريد . المعارض : صحيــح ولكن .. * الدكتاتور : ولم يغلق أحد فمك حين كنت تقول ما تريد ، فيمنعك من الكلام . المعارض : صحيح .. ولكني عوقبت علي القول ؟ * الدكتاتور : وهل كنت تتصور انك تستطيع أن تقول ما تريد ، حول المسائل العامة والقوانين ، وممارسات المسئولين دون أن يمسك أحد أو يعاقبك ؟ المعارض : ولكني قلت ما اعتقد صوابا ، في حدود القانون . * الدكتاتور : وهم فعلوا ما يعتقدونه صوابا في حدود القانون أيضا . المعارض : هذا يعني كلمة حق تقابلها عقوبة . * الدكتاتور : وما أدراك أن ما قلته هو كلمة حق ؟المعارض : انه رأيي الذي أراه صوابا . * الدكتاتور : وهم فعلوا ما يرونه صوابا وحقا . المعارض : هذا يعني ألا أقول ما أراه صوابا ، كيلا أتعرض للعقوبة . * الدكتاتور : لا .. أعوذ بالله .. وهل نحن نكمم أفواه العباد ؟ قل ما تشاء كما تشاء .. المعارض : وبعدها تفعلون بي ما تشاءون .. أليس كذلك ؟ * الدكتاتور : ها أنت عرفتها بنفسك ، أيها المواطن المحترم . أنت تقول ما تشاء ، وما تراه صوابا ، لان هذا من حقك .. ونحن نفعل بك ما نشاء وما نراه صوابا ، لان هذا من حقنا ، بل اكثر من ذلك يمكنك أن تقول ما تشاء ، وان تفعل ما تشاء أيضا ، ولا تكتف بالقول وحده ، وبالطبع من حقنا أن نقول لك ما نشاء وان نفعل بك ما نشاء ، فتــكون الديموقراطية هكذا ، بيننا وبنيك مناصفة ، أم لعلك تريد أن تمارس الديموقراطية وحدك ، وتحرمنا من حقنا في ممارستها ؟ هل تريد أن تكون مستبــدا .. ؟ أتق الله يا رجل .
أحمــد أ . بوعجيـــله
26 ربيع الثاني 1426 ه – 4 يونيه 2005م Ablink95@yahoo.com
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()