

د/ جاب الله موسى حسن
29/06/05
|
هذا هو معتقل أبو سليم!!
تحت ستار الاشتراكية استطاعت النظم الفاشية التي ظهرت في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية، تقديم نفسها للعالم الثالث في صور نظم وطنية تقدمية، وكانت الانقلابات العسكرية على رأس هذه النظم، ومنها انقلاب سبتمبر المشئوم الذي خدع الجميع، والتي كانت أول أعماله إلغاء الدستور والتعددية الحزبية، وبذلك انفصل الانقلاب عن الشعب واستطاع بالحيل والخديعة اعتقال جميع المفكرين والمثقفين ووضعهم في السجون! وقد ظلت وستظل صفة الفاشية لاصقة بنظام القذافي على مر الزمن، و متجسدة في اعتقاله لأصحاب الرأي المخالف، والتنكيل بهم ، وتعذيبهم بأبشع مما تفعل النظم النازية والفاشية، على الرغم من أنهم لم يحملوا سلاحا ضده، ولم يشكلوا أي خطر عليه، و إنما كانت جريمتهم الوحيدة هي الاختلاف في الرأي!!
ومن هنا كان من الضروري إلقاء الضوء على فاشية انقلاب سبتمبر، حتى تكتمل الصورة التاريخية بعيد عن الحملة الدعائية التي يسوقها القذافي وعملائه،والذي ذهب فيها إلى حد التصدي لحماية حقوق الإنسان، وهم يعلمون أن حقوق الإنسان الليبي لم تمتهن في عهد الاحتلال الإيطالي كما امتهنت في عهد القذافي,فإليكم هذه المقارنة التي ساقها لنا أحد المفرج عنهم من معتقل أبو سليم، حيث يقول هذا المحظوظ أن من خلال قراءتي لأساليب التعذيب النازي أؤكد لكم أن تجربة معتقل أبو سليم بما تعنيه من تعذيب يومي، و إهدار لآدمية المعتقلين،و قتل العديد منهم، أنها ـ باختصار ـ تكرار لما صنعته النازية في خصومها السياسيين في معتقلات أوربا المشهورة، ولم يكن ينقصها ـ لتصبح الصورة مطابقا تماماً ـ غير غرف الغاز. هذا الاتفاق على تشبيه تجربة أبو سليم في عهد القذافي بتجربة المعتقلات النازية في عصر هتلر ،هي دليل لا ينقض على الصورة الحقيقية لنظام بتر الأصابع والتمثيل بجثث الشهداء من أبناء الوطن !!
وسرد هذا الشخص قصة أشبه بأفلام هتيشكوك حيث يقول "قبل الفجر نستيقظ كما كنا كل يوم:دورة المياه ثم تطبيق البطانية واللحاف،ثم يُفتح باب العنبر ونتلقى تعذيب الصباح ولكن هناك يوم كما أتذكر بدأ مختلفاً عن غيره فعندما فتح العنبر كان الضرب أكثر عنفاً ، وكانت طريقة "التفتيش" تعاد مرة بعد أخرى حتى بدأنا ندوخ وتخور قوانا! وعندما انتهت عملية الضرب،صدرت الأوامر لنخرج إلى فناء المعتقل، وسرنا و رؤوسنا مطرقة كما علمتنا الأوامر نشهد ـ خلسة ـ بين الجفون شبه المسدلة ،الحراس مصطفين متأهبين، وهي مستقاة من النظم النازية في التعذيب عندما كان يستهدف قتل الروح قبل الجسد! ففي النظام النازي كان يطلب إلى المعتقلين بناء حائط ضخم، فإذا أتموا بناءه طلبوا إليهم هدمه! وتعود عملية البناء والهدم ولكن الفرق بين النظام النازي ونظام القذافي هي أن النازية كانت اكثر تحضراً،إذ كانت تكتفي بعملية البناء والهدم، تيقننا من أنها كافية بكل ما فيها من عبثية لقتل روح السجين و أصابته بالجنون! وهو ما كان يحدث بالفعل، حيث أصيب معظم من اعتقلوا بالأمراض النفسية الحادة نتيجة لتعذيب المنظم،ولكن العملية "القذافية" كان لها طعم خاص حيث كانت تكيل الضربات بالهراوات والراكلات التي تلاحق كل المعتقلين أينما ذهبوا، ولم ينقذ سجناء الرأي في سجن أبو سليم من الجنون إلا إدراكهم الهدف من هذا التعذيب المنظم وفهمهم الواعي لحركة التاريخ،وكل هؤلاء الذين ظنوا أنهم بممارسة هذا النوع من التعذيب قد توصلوا إلى أسلوب تحطيمنا، نسوا شيئا آخر امتلكناه ولم نفقده، هو الفهم العلمي للحياة، ذلك الفهم الذي يقول أن الإنسان هو الذي يصنع قدره، وان الشعوب تصنع التاريخ، وان التاريخ لا يمكن وقف مسيرته، ولا يمكن أن يوقفه كائنا من كان، ومن هنا بدأنا معركة الصمود !!
د/ جاب الله موسى حسن أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()