
18/06/05
|
سرّّ القرداتى (2)
بعد معرفتهم لسر القرداتى، أقلع محمود ورفاقه عن متابعة إستعراضاته، ولعلّ قاعدة ”إذا عُرِف السبب بطل العجب“ كانت أحد أسباب هذا الإقلاع المفاجئ، غير أن أسبابا أخرى كانت قد شغلتهم وجعلتهم يترفّعون عن هذا النوع من اللهو، فقد بدأ أساتذتهم وبعض زملائهم من الطلبة فى إعارتهم كُتُبًا لم يعرفوها فى ليبيا، وكانت تلك الكتب لمؤلفين من أمثال حسن البنا وساطع الحصرى وما بينهما، فأقبلوا على قرائتها بنهمٍ وأدمنوا على التردد على سور (الأزبكية)(1) والعمل على إقتناء نسخ منها ومن غيرها من الكتب، والتى كان أغلبها يباع سرًا فى ذلك الوقت. وقد زاد فى إنشغالهم إستجاباتهم المتكررة لتلك الدعوات التى كان يوجهّها لهم بعض من تعرفوا عليهم، من مصريين وعربٍ مقيمين، للمشاركة فى حلقات نقاش حول القومية والدين، والإشتراكية وفلسطين! والغريب أن محمود ورفاقه بدأوا يفترقون عن بعضهم فى تلك الفترة، فقد إنجذب كل واحدٍ منهم إلى مضيف محدد ومجموعة معيّنة، ولم يعد غريبًا ألا يلتقوا جميعا على وجبة العشاء فى شقتهم المتواضعة كما تعودوا فى البداية.
إشترى محمود لنفسه حذاءًا مصريًا، تشجيعًا للصناعة العربية، وذلك بالإضافة إلى أن الحذاء المصرى كان (أرْطب) من ذلك الحذاء الإنجليزى الذى أتى به من ليبيا، ولم يجد غضاضةً فى تسليم رجله والحذاء لماسح الأحذية فى الحىّ لكى يقوم بتلميعه له بمعدل مرةٍ واحدة فى الأسبوع. وإلتزم ببرنامج توفير صارم لكى يتمكن من دفع ثمن أول بدلة (تفصيل) يرتديها فى حياته، والتى قام بتفصيلها لدى الترزى الذى يقع دكانه على ناصية الشارع الذى يسكن فيه.
ونجح الأولاد وأخذوا الشهادات وعادوا إلى ليبيا، وعندما عبروا الحدود، لم يفطن أحدٌ فى نقطة تفتيش (امساعد) ولا فى مكتبها الصحى، إلى أنهم كانوا يحملون معهم (فيروس الأعراض الجانبية) للدراسة فى الخارج. وفى القرية، حضىَ محمود بقسطٍ وافر من زغاريد النساء وإعجاب الرجال ببدلته وحذائه المصرى. أما الحكومة الليبية فقد عيّنته فى وظيفة مرموقة، وتزوّج وأنجب، غير أنه لم يكن سعيدا، فبلاده (ملَكيّة رجعية) تجثم على صدرها القواعد الأجنبية، ومن غير المنظور أن تصبح بلدًا (تقدّميًا) يصنع من الإبرة إلى الصاروخ! فتشاور محمود سرًا مع جماعته من حملة نفس الأفكار، منهم من كان معه أثناء دراسته فى الخارج، وآخرين ممن تعرّف عليهم بعد ذلك، وفكّروا فى تأسيس حزب سياسى، غير أنهم عدلوا عن الفكرة سريعًا، فسيدى إدريس (رحمه الله) لا يحب الأحزاب! ----------------------
وقع زلزال فى المرج، وقام بعض الليبيين بإحراق بئرٍ للنفط، وتصدّى البوليس للطلبة المتظاهرين بالرصاص الحىّ، و(إنتكس) العرب فى فلسطين وخسروا المزيد من الأرض، وتجاوزت حكومة المملكة الليبية الخطوط الحمراء عندما أبلغت كلاًّ من بريطانيا وأمريكا برغبة الشعب الليبى فى عدم تجديد إتفاقيات القواعد، فحلّت الكارثة بليبيا، وقرأ ملازمٌ فى الجيش من إذاعتها الحكومية (معسول الكلام) الذى أسماه البيان الأول، فجاء هيكل إلى بنغازى فى طائرة حربية ليسأل عن عبدالعزيز (بيه)، فغضب القذافى، وجاء صدّامٌ حسين إلى طرابلس ليهنّئ بالـ(ثورة) ويسأل عن الزبير(2)، فغضب فتحى الذيب وقرّر إيداع الزبير السجن، ولم يفرج عنه القذافى إلا بعد أن تجاوز عدد سنوات سجنه سنوات سجن نلسون مانديلا فى سجون الميز العنصرى فى جنوب أفريقيا.
وفى ديسمبر 1969 وقّع القذافى القرار الذى أعدّه له فتحى الذيب، والقاضى بسجن دستور ليبيا، فلم يكترث أغلب الليبيين لذلك، فالإسلاميون سعداء بقرارات القذافى بشأن منع بيع الخمور (علنًا) فى ليبيا، وتقديم التاريخ الهجرى على التاريخ الميلادى، والقوميّون مبتهجون بحملات التعريب، فقد أصبحت (الفولكس فاقن) راحلة و(اللاندروفر) طاوية، وسمّىَ جمال عبدالناصر بالأب (العُطوف) بعد أن مات وتحوّل إلى (هرمٍ رابع)، ومن حسن حظ الشعب المصرى، وسوء طالع الليبيين، أن وظيفة (أمين عام القومية العربية) التى كان يشغلها عبدالناصر، لم يرثها أحد من المصريين، وإنما إستلمها معمر القذافى.
ولم تدم فرحة محمود ورفاقه بالـ(ثورة) طويلاً، فقد جاءت بعدها بقليل (النقاط الخمس) بما فيها إعلان (الثورة الثقافية) وما صاحبها من إعتقالات وتنكيل، وبمراجعة لأسماء الضحايا، بمن فيهم من مات تحت التعذيب، أيقن محمود أن الدور سيأتى عليه قريبًا، فالثوريون يعرفون أنه قد عرف سر القرداتى، وقد عرف هو أنهم يطبّقون ذلك السر على البشر فى ليبيا، خلافا لإكتفاء القرداتى المصرى بتطبيقه على الحيوانات، فقرر الخروج من ليبيا إلى إحدى دول الجوار، والبدءَ من هناك فى مسيرة نضاله ضد نظام الحكم (الثورى) فى ليبيا، والذى إعتقد يومًا أنه سيحوّل بلاده إلى دولة (تقدّمية) تصنع من الإبرة إلى الصاروخ!
جمع محمود ما استطاع من الليبيين حوله فى الخارج، وحكى لهم كثيرًا عما دار ويدور فى ليبيا، وعلاقة ذلك بسر القرداتى المصرى، وسر القرداتى الكوبى أيضا، بعد أن زار فيدل كاسترو ليبيا وإقترح على القذافى قصّ أجنحة الناس لكى لا يطيروا، ويبقوا حوله، أو تحته، لا فرق، وقد بدأ القذافى فعلا بإعدام الناس بعد تلك الزيارة مباشرةً. وإستمَرّ محمود (يحكى)، وإستمر فى رهانه على (دول الجوار العربى)، ولم يعر أى إهتمام إلى ما كان زميله عبدالرزاق يقوم بجمعِه وترديده من قصائد، والتى جاء فى بعضها:
كَسبَ العرَبُ حربًا فقتلوا الساداتْ والبعثُ رشّ (حلبجة) ببعضِ الكيماويّاتْ
ماتَ الإنسانُ والحقُّ ماتْ فمن خسرِ الجولانَ صار رئيسًا وقصفَ حَماةْ *** وزارت بنتٌ أمريكيّة تُدْعى (ابرايل)(3)، حارسَ بوّابة شرقيّة بدلال عاهرة غربيّة جذَبتْ فستانًا فعرّت سيقانًا ثم قالت: لكْويْتْ ما تْهمّنا، (ماكو) (4) معْها إتقاقّّية، ولكن إيّاكَ والسعوديّة فظنّ ابن التكريتية أن ذلك ضوءا أخضرْ لإحتلال الكويت وتحقيق (الوحدة العربية)
وإلى بغداد طارَ أبو ياسرْ لـ(يبوس) أبا (عدىّ) الذى حرّر (التسعطاشر)(5) فصارت عراقية!
لك الله فلسطين، فمع الإغتصاب، ما زال شعبك يدفع ثمن الأخطاء العربية، بما فيها الفلسطينية، وها هو شعب العراق قد إنضم إلى قائمة ضحايا الأطماع الغربية، ويدفع ثمن أخطاء البعث والمنظمات الإسلامية!
-------------
مساكين القرداتية فى مصر، فهم لا يعرفون شيئا عن مسألة حقوق الإبتكار، فلم يقوموا بتسجيل إختراعهم لوسائل ترويض وترقيص القرود، فقام بعض ساسة أمريكا بسرقة ذلك الإختراع منهم، وبدلاً من تطبيقه على الحيوانات، كما هو الحال فى الإختراع الأصلى، أو على مواطنى نفس البلد، كما هو الحال فى ليبيا وغيرها، فقد طبّق الأمريكان ذلك السر، بعد إجراء بعض التعديلات عليه، على (حكّام) الدول، فاحتلوا أفغانستان، وسقطت الدولة العراقية، هددوا إيران، وتوعدوا (سوريّة)، فرقص الحكّام على أنغام موسيقى غربيّة، ووجد محمود نفسه أسيرا فى دولةٍ عربية، وضعته حكومتها قسرًا فى طائرة متجهة إلى (الجماهيرية)!
وبعد حفلة إستقبال (أمنيّة)، اقيمت على شرف وصوله إلى طرابلس، ومعرفة (مضيفيه) أن الأسرار التى يعرفها أصبحت لديهم (قديمة)، سمحوا له بالذهاب إلى قريته، فإستقبلته النساء بدون زغاريد هذه المرّة، فهناك تعليمات أمنية مشددة بعدم إستقبال العائدين من أمثاله بالزغاريد، وكذلك عدم إقامة المآتم لمن (مات) من أعداء الثورة، غير أن رجال قريته قد ذبحوا عنزًا فى السرّ إحتفالا بعودته على أية حال.
وفى المساء، وبعد أن إنفضّ مجلس الضيوف، تسامر محمود مع إبنه علىّ، الذى كان قد أتمّ تعليمه وحصل على وظيفة لا بأس بها، وتزوّج من بنت عمّه مبروكة، تلك الفتاة ذات الجمال الأخّاذ، والتى حصلت أيضا على قسطٍ من التعليم وتعمل الآن فى التدريس، وتُعرف فى القرية بأنها سيدة بيت ممتازة وتجيد الحياكة والتطريز. فتذكّر محمود ربّه وحمده على ما وصل إليه إبنه وقرر أن ينام، وعندما دخل الغرفة التى أعدّوها له، فوجئ بجمال وجودة أثاثها، وتساءل كيف تمكّن إبنه على من تأثيث تلك الغرفة على ذلك النحو، بالرغم من ضآلة مرتّبه وقلة المعروض فى ليبيا من أثاث وإرتفاع الأسعار فيها، إنه حتما سترٌ من عند الله، فحمد الله من جديد، وألقى بجسده النحيل المرهق على سريره الفاخر.
كان الليل فى قريته هادئا مثلما عرفه من قبل، ولم يقطع سكون ذلك الليل سوى صوت ماكينة الخياطة التى تديرها مبروكة فى الغرفة المجاروة، وقد إمتزج صوت الماكينة بهمساتها وضحكاتها مع على، فشعر محمود بأن ذلك الخليط من الأصوات هو أروع من أى سيمفونية غربية، أو موسيقى شرقية، إستمع إليها خلال الثلاثين سنة الماضية، أثناء رحلة عذابه فى الخارج، فاستسلم لنوم عميق.
وفى المنام رأى أنه يقف على أحد شطئان ليبيا، وأمامه جمع غفير من الناس يتوسطهم شخص يشبه ذلك القرداتى المصرى، غير أن ملامحه كانت تبدو ليبية، ويرتدى طاقيّةً غريبة، ولم يكن بين المجتمعين قرود، فليبيا لا توجد فيها قرود، فحتى تلك القرود التى أحضرها البعض من تشاد، أيام الحرب معها، قامت السلطات الليبية بترجيعها إلى بلدها الأصلى، مع شريط أوزو، تنفيذًا لقرار محمكة العدل الدولية فى الخصوص.
الكلّ كانوا بشرًا، بعضهم يرقص، والآخر يطبّل، يكتب بعضهم بمداد أخضر على قراطيس صفراء، وبعضهم معلّقٌ فى أعواد مشانق، وآخرون ملقون على الأرض وأجسادهم مثقوبة بالرصاص، رجال ونساء يطلّون برؤوسهم بشكل مضحك من صناديق خشبية مكتوبٌ عليها (المرئيّة)، وبجانب كومة من القمامة، ترقد جثة شاب قُطعت أصابعه، ورجال تطل أياديهم المعروقة من بين قضبان حديدية فى نوافذ أقبية على مستوى سطح الأرض، وأطلال وخرائب تحمل يافطات كُتب عليها مدارس ومستشفيات، وأطفالٌ بأجسادٍ لم يبقى منها إلا الجلد والعظم، وفى ركنٍ من ذلك الميدان الفسيح، إنتصبت فتاة جميلة معصوبة العينين، قيّدوا يديها ورجليها إلى عامود خشبىّ ضخم فوق كومةٍ كبيرة من الحطب، والكل محاط بسورٍ معدنى كبير.
وخارج السور رأى محمود هرجًا ومرجًا من نوعٍ آخر، أناس يغدون ويروحون، ويتصايحون من كل حتفٍ وصوب، فى محاولةٍ على ما يبدو لإنقاذ تلك الفتاة الجميلة، قبل أن يوقد أحدٌ النار فى كومة الحطب التى تحت قدميها. حاول محمود التعرف على الناس خارج السور، فإلتقى بصديقه القديم، عبدالرزاق، الذى حيّاه بالأحضان وهنّأه على سلامة العودة إلى قريته، فحاول محمود أن يعرف منه ما يدور فى هذا الكابوس المزعج، فنصحه عبدالرزاق بالحذر، لأن الموضوع يختلف تماما عن الفرجة على إستعراض لقرداتى فى أحد أحياء القاهرة، وقبل أن يتم عبدالرزاق كلامه، شعر محمود بإرتطام جسم صلب بظهره، كاد أن يحطّم أضلعه، فإلتفت خلفه فرأى فتحى وهو يحمل إسطوانة معدنيّة مثل إسطوانات إطفاء الحرائق، مكتوب عليها (ليبراسيون)، وبما أنه يعرف فتحى، ويعرف ما قد يسببه له عدم السلام عليه بحرارة من مشاكل وخصومة من طرف فتحى، فقد تناسى ما سببّته له تلك الإسطوانة من ألمٍ حادٍ فى ظهره، وسلّم على فتحى بحرارة وسأله عما فى الإسطوانة، فقال له فتحى: هذى بودرة افرنساوية على كيفك، اللى ترشّه بيها يصبح حر! وقبل أن يتمكن من مواصلة الحديث معه، مرق بينهما رجلٌ مسرع يحمل فى إحدى يديه خمس أعلام ويوزّع بالأخرى مجموعةً كبيرة من أوراق كُتب عليها (سرّى جدا)، فخيّل لمحمود أنه يعرف ذلك الرجل، والذى كان قد إبتعد عن المكان، فإلتفت إلى عبدالرزاق وسأله: تى هذا مش عبدالقادر اللى فى جماعة الطبيب(6)؟ فردّ عليه عبدالرزاق مبتسما: كان، والآن يقوم بشرح خطابات القذافى لمن إستعصى عليه فهمها!
شعر محمود فجأة بوهنٍ شديد وصعوبة فى المشى والوقوف، فساعده عبدالرزاق فى السير إلى شجرة قريبة لكى يجلس فى ظلّها بعيدا عن الهرج والمرج وآشعة الشمس الحارقة، وعندما وصلا إلى تلك الشجرة فوجئا بوجود صديقهما القديم، أنور، جالسا فى ظلها، وبعد السلام والترحيب، سأل محمود أنور: أيش أخبارك؟ ما فيش حاجة جديدة؟ فرد أنور بهدوء: سرورك ونورك، قلنالهم من زمان، نبو من يوكْلنا ويعلْمنا ويعالجنا، و...، وهنا قطع عليهم الحديث رجل ذو لحية كثيفة حين أطلق عليهم تحيةً يزيد طولها قليلا عن طول لحيته، وقال لهم: سأحرّر تلك الفتاة مما هى فيه، ثم أتزوجها على سنة الله ورسوله، وقبل أن ينبس أى منهم ببنت شفة، إلتفت ذلك الرجل إلى طابور منظّم من الرجال الواقفين على مقربة منه، والذين يتشابهون معه فى طول وكثافة اللحية ونوع الملابس، وصرخ فى أحدهم: جيب (الكلاشنكوف) وتعال يا عبدالمهين، فخرج عبدالمهين من الطابور حاملا (كلاشنكوفه) وسار بخطًى منتظمة تدل على أنه قد تلقى تدريبا عسكريا راقيا، وقبل أن يصل إلى صاحبه، إندفعت بينهما مجموعة من الناس يتحدثون فيما بينهم بصوت عال ويستخدمون لغة غير مفهومة للآخرين، وبعد صعوبة تبيّن محمود أنهم ينوون إلقاء بعض الناس فى البحر، وتهجير البعض الآخر إلى ما وراء الصحراء، وأخذوا يهتفون (ليبيا امتاعنا مش للعرب)، وهنا تدخّل رجلٌ بدين وطلب منهم التوقف عن الهتاف وإعطائه فرصة للحديث، فرفعوه على أكتافهم ووضعوه فوق صخرة عالية وهم يهتفون (يعيش عمران، يعيش عمران)، وبعد أن إستقر فوق الصخرة، لوّح لهم بإحدى يديه طالبًا منهم الهدوء، ثم قال وهو يشير إلى من بداخل السور: أنا كنت فى وسطهم، لو تاخدوا كلامى، نحّوا الراجل بو طاقية، والباقيين اسّاع يقدمولكم إستعراض عالكيف!
إستنجد محمود بعبدالرزاق لمساعدته على الخروج من هذا الكابوس، وعندما حاول عبدالرزاق مساعدة محمود فى العودة إلى سريره لكى يفيق من النوم ويتخلص من الكابوس، توقفت بجانبهما سيارة (بيجو) من طراز 400 وشجرة، وترجّل منها رجل يبدو عليه وقار كاتب محكمة (أيام العهد الملكى فى ليبيا) وقال للجميع بدون مقدمات: ما فيش داعى لكل هالدوشة طالما مافيش عداوات شخصية، الناس اللى فى داخل السور لم يشتكوا ولم يعترضوا، واللى برّه، فيهم اللى خانب فلوس، واللى تاجر مخدرات، وإذا كان فيه حد خدوا سيارته، أو اعتدوا على زوجته، يقدر يلجأ للقضاء...
أصابت محمود حالة من القئ الشديد، وعندما حاول عبدالرزاق مساعدته على الإحتفاظ بتوازنه، فاجأهما عيسى، الذى خرج من وراء شجرة قريبة وهو يصرخ قائلا: عاشت برقة حرّة مستقلة!
شعر محمود بأن صاعقةً قد إخترقت جسمه، وخيّل إليه أن رائحة إحتراق لحمه وعظامه قد ملأت المكان، فإستيقظ من نومه مذعورًا، وأخذ يفرك عينيه لتخليصهما مما بقى فيهما من نوم، فرأى أن الشمس قد قررت إكتساح ما بقى من ظلام الليل، فاخترقت آشعتها شقوق باب ونافذة الغرفة، وإشتدّ وهجها حتى خُيّل لمحمود أن جدران الغرفة قد أصبحت شفّافة وأن آشعة الشمس قد بدأت تخترقها هى الأخرى، وفجأة إنفتح الباب، فدخلت منه كميّة كبيرة من ضوء الشمس تبعها إبنه على قائلا: صباخ الخير، هل تعرف هذا؟
فأخذ محمود يتلمّس مكان نظارته الطبية لكى يستطيع أن يرى ما يتكلم عنه إبنه. فأضاف على: لقد وجدت صورته فى الإنترنت فطبعتها على ورقة وأعطيتها لمبروكة التى قامت البارحة بتفصيل وخياطة نسخة منه. وعندما إستقرت نظارة محمود على أرنبة أنفه، رأى أن إبنه يحمل علم ليبيا بخشوع بين يديه، فاغرورقت عيناه بالدموع، فقد تذّكر أنه قد تحدث فى حياته كثيرا، وعن أشياء كثيرة، لكنه لم يُحدّث إبنَه يومًا عن علم ليبيا!
حسين الفيتورى
1) سور حديقة فى ميدان بوسط القاهرة أشتهر بأنه مكان لبيع الكتب القديمة والحديثة. 2) المناضل أحمد الزبير السنوسى خريج الكلية العسكرية بالعراق أثناء فترة الحكم الملكى فى ليبيا. 3) سفيرة أمريكا السابقة فى بغداد. 4) (ماكو) تعنى فى اللهجة العراقية (لا يوجد). 5) المحافظة 19 هو الإسم الذى أطلقه صدام حسين على الكويت بعد غزوه لها. 6) الطبيب هو الإسم (الحركى) الذى أطلقه بعض المعارضين على الدكتور محمد يوسف المقريف.
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()