الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منتدى الكتّاب


20/06/05


 

 

المؤتمر الوطني : محاذير وتحديات وآمال وطموحات (4)

تعدد الاجتهادات ووحدة الهدف

بقلم : عبد المنصف البوري

 

منذ أن بدأ العمل الوطني فى أعقاب إنقلاب سبتمبر المشئوم عام 1969م والإجتهادات الوطنية تتعدد حول سبل التصدى له، بوسائل مختلفة لمواجهته سواء فى داخل البلاد أو خارجها.

 

وظاهرة التعدد فى الإجتهادات والرؤى ليست ظاهرة جديدة فى المجتمع الليبي أو غيره من المجتمعات الإنسانية الأخرى، فطبيعة الحياة البشرية قائمة على التعدد والتنوع، وإن الفطرة الإنسانية تقتضى هذا التعدد والتنوع.

 

وبالتالى فإن الإصرار على وضع جميع الليبيين فى قالب واحد أو شكل واحد أو فى بوتقة فكرية واحدة أمراً يبدو عسيراً لأنه يتناقض مع الطبيعة البشرية. ومن هذا المنطلق فأن إسقاط هذا التصور على واقع القضية الليبية والاعتقاد بأن هناك اجتهاداً واحداً أو رأياً واحداً أو حلاً متكاملاً واحداً للإشكالية التى أوجدها " نظام " القذافى فى ليبيا يبدو إلى حد كبيرغير ممكن. أو بمعنى آخر حل غير ممكن واقعياً، نظراً لتشابك وضعية القضية الليبة بتعقيداتها المحلية وارتباطاتها الإقليمية والدولية.

 

وقبل أن يصدر بعضنا حكماً على هذا الافتراض (الرأي أو الإجتهاد الواحد) نقول بأن ذلك ممكن فى حالة واحدة، وهى الحالة التى يملك فيها هذا الاجتهاد أو الرأي مصادر القوة الكافية لتغيير الواقع، والقدرة على الحسم فى أي مواجهة ذات طابع يتسم بالعنف المسلح. إذن الصورة الأقرب إلى الواقعية تتمثل فى تعدد الاجتهادات، لكى تلتقى على تحقيق هدف واحد.

 

وينبغى فى هذا المجال الإشارة إلى أن ظاهرة تعدد الاجتهادات لا يجب أن ينظر إليها على أنها مظهر من مظاهر التشتت أو التمزق والتفرقة طالما بقيت فى إطارها الصحيح.

 

والمقصود هنا بالإطار الصحيح ذلك الإطار الذى يحفظ ويحترم حق كل طرف فى الاجتهاد أو إبداء الرأي، ولا يصادر حق الآخرين فى الاجتهاد وإبداء آرائهم. دون أن يمنع ذلك ـ بالطبع ـ إمكانية توجيه النقد الموضوعي لأي إجتهاد من الاجتهادات.

 

فى الساحة الليبية الآن أكثر من إجتهاد وأكثر من وجهة نظر، ولكل منها رؤيتها لحل المشكل الليبي. والسؤال المطروح هو كيف ينبغي علينا جميعاً أن نتعامل معها دون أن يقع غبن على أياً منها.

 

قد يرى البعض بأن المطلوب فى هذه المرحلة بالذات ليس مجرد طرح صيغ نظرية للحل السياسي أو تقديم واجهات دستورية غير قادرة على تفعيل أدواتها التطبيقية.  ويرى البعض الآخر أنه يجب علينا أن ننظر للموضوع من زاوية توفير صيغة سياسية تكفل إشراك أوسع قطاع من الليبيين فى العمل السياسي، وتتمكنهم من تحقيق تأثيراً كمياً ونوعياً فى مسار العمل من أجل القضية الليبية. هذه الصيغة يجب أن تعكس أيضا إرادة الأغلبية من الليبيين سواء النشطاء السياسيين أو غيرهم مما يقفون على الحياد تجاه كل الاطروحات والا جتهادات.

 

فى اعتقادى المتواضع بأنه علينا جميعاً أولاً بناء علاقة التماسك الوطني التى تسمح بتخطى جميع العقبات وتقوم فى نفس الوقت بتقريب وجهات النظر بين مختلف القوى الوطنية الليبية، بحيث يكون الجميع قوة دافقة تسير نحو تحقيق هدف واحد، مع قدرة على تطوير تصوراتها طبقا لمقتضيات الحركة والعمل السياسي.

 

وعندما نتحدث عن علاقة التماسك الوطني نعنى تلك العلاقة التى تعكس نوعاً من التجانس والشعور بالإنتماء الجماعي، وتكون على قدر من بعد التصور والحنكة السياسية فى مواجهة نظام القذافى.

 

إن التماسك الوطني يعنى تكامل الاجتهادات من منطلق التوفيق وليس من منطلق التطابق بما يؤدى فى نهاية المطاف إلى خلق الترابط من أجل تحقيق الهدف أو الأهداف المرجوة.

 

يبقى السؤال كيف يمكن تحقيق ذلك ؟ بمعنى كيفية تحقيق ذلك على مستوى العمل أو الممارسة الفعلية ؟.

 

فى أوساط الليبيين فى المهجر إمكانيات وطاقات وقدرات لا بأس بها إلا أنها لم تستغل بالطريقة المثلى أو لم يتم توظيفها وإستثمارها لخدمة القضية بالشكل الأفضل، وتعدد الاجتهادات يسمح بإستيعاب أعداد كبيرة من هذه الإمكانيات والطاقات، لأن مجال الاختيار بين هذه الاجتهادات واسع ومتنوع، وبالتالي فهناك إطار كبير يمكن لتعداد الاجتهادات أن تتحرك فيه بمرونة على المستويين الداخلي والخارجي.

 

المطلوب إذن هو إيجاد الصيغة الأفضل التى تسمح فى ظل تعدد الاجتهادات بتقاسم الأدوار بين جميع أطراف القوى الوطنية بما فى ذلك المستقلين، هذا المبدأ "تقاسم الأدوار" تفرضه مقتضيات المواجهة ضد "نظام" القذافى، كما تفرضه خصائص العمل السياسي فى هذا القرن.

 

وهذه الخصائص تعنى الالتجاء إلى جميع الأدوات المتاحة، كل فى نطاق خصائصها الوظيفية لخلق المساندة فى عملية المواجهة ضد نظام القذافى، فكل إجتهاد من هذه الاجتهادات يستطيع أن يستخدم وسائله التى لها وظيفتها الخاصة، ولا شك أن كل وسيلة قد تكون أكثر صلاحية من غيرها لتؤدى دوراً معيناً، ومن الطبيعي أن يعهد إلى كل إجتهاد بذلك الدور الذى هو أكثر استعداداً وقدرة على تحقيق أهدافه، بحيث يتم فى النهاية تكامل الاجتهادات رغم تعدد وسائلها لخدمة الهدف النهائي.

 

تقاسم الأدوار بين مختلف الاجتهادات سوف يسمح بتعدد الوسائل المستخدمة فى المواجهة لكل تحرك سياسي أو حتى إعلامي، كما يسمح فى بعض المواقف بتكتل وتعاون فى عمل أو تحرك واحد ولو كان ذلك من منطلقات تبدو متباينة فى عمل يفرض أبعاداً أو قيوداً معينة على هذا التحرك السياسي أو الإعلامي.

 

إن تقاسم الأدوار بين القوى الوطنية المختلفة بإجتهاداتها المتعددة يفترض لا فقط الالتجاء إلى أفضل وسيلة لتحقيق الأهداف المرحلية فى المواجهة، بل يسمح لهذه القوى أو ذاك الاجتهاد بإختيار أكثر الوسائل صلاحية فى أي مرحلة من مراحل المواجهة.

 

وبالطبع هذه المرونة تتطلب القدرة على تنسيق المواقف بمعنى المرونة فى الحركة السياسية دون الاخلال بالتنسيق مع جميع أطراف القوى الوطنية لخدمة الأهداف المنشودة.

 

نصل الآن إلى محطة المؤتمر الوطني، وقد أوضحت منذ البداية بأن هذا المؤتمر، على الأقل من وجهة نظري الشخصية، ما هو إلا خطوة متواضعة تسعى إلى وضع العمل الوطني الجماعي ـ لأكبر قدر ممكن من الليبيين ـ على الطريق الصحيح، من حيث إيجاد صيغة عمل جماعي فاعل تستطيع أن تجدد وسائل العمل السياسي، والخطاب الإعلامي، والقدرة على التواصل مع مختلف القوى الاجتماعية فى داخل الوطن.

 

واشرت إلى أن هناك الكثير من التحديات والمحاذير التى ينبغي على هذا المؤتمر ان يجد الوسائل الأفضل والأدوات القادرة على التعامل مع هذه التحديات.

 

ولعله من المفيد الاشارة هنا إلى أننا في الحركة الليبية للتغيير والإصلاح ننظر الى هذا المؤتمر الذى سيضم الكثير من  فصائل المعارضة الليبية، والمستقلين وشخصيات وطنية ليبية، بأنه  إجتهاد من بين الاجتهادات وليس هو الاجتهاد الوحيد. كما أن الاوراق التي ستطرح فيه ومن بينها الورقة السياسية ستكون محل نقاش بهدف الوصول الى اتفاق وطني حولها.

 

فإن ما يهمنا فى إطار هذا المؤتمر هو إيجاد وتثبيت المنهجية القادرة على إدارة الصراع  ضد نظام القذافى، منهجية تتميز بأخذ زمام المبادرة بأتجاه بعض الرؤى التى لم يتمكن اصحابها من المشاركة فى المؤتمر من خلال التنسيق والمرونة والتعاون لبناء التماسك الوطني الذى يسمح لنا بتنسيق الجهود والارتقاء بعملنا. إنها مهمة صعبة إلى أقصى الحدود، ولكنها ليست مستحيلة.

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع