الاسود من سبتمبر
لم نعد نفهم نحن الليبيين الذين
انسقنا خلف أنقلاب الغامق من سبتمبر قسرا . لأن كل ما يمت إلى هذا الفاتح
هو اسود فى كل شى فى افعاله و نتأئجه. الأنقلاب اصلا لم يكن طبيعيا و
المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة لإحباط أول انقلاب على الانقلاب لم
تكن طبيعية... لتتوالى المشاهد القاتمة شيئا فشيئا وصولا إلى الوضع الحالي
المأساوى ، حيث الوطن مخطوف و نحن الليبييون رهائن والدولة تعيش بلا دستور
منذ نحو 35 عاما.
جمع نضام البطش فى ليبيا بقيادة السفاح القذافى خلاصة قهر غالبية
الديكتاتوريات في العالم، فلم يضيّع وقته في الاستنباط والابتكار. من ليلة
السكاكين الطويلة الهتلرية التي أودت بحياة
قياديين في مجلس قيادة الثورة الليبي ، إلى ثورة ماو الثقافية التي استعرضت
عمليات الاعدام في الملاعب لكل من تحزب وخان، إلى الاضطهاد الستاليني بمعاقبة
جماعية لأفراد ومناطق، إلى تلزيم فرق الموت في نماذج غواتيمالا والسلفادور
وكولومبيا، قرارات الحل والربط عبر حزب اللجان الثورية، إلى تحويل ليبيا ورقة
في ملف أجهزة الأمن المتماهية مع ستازي في ألمانيا الشرقية سابقا، وهي
الأجهزة التي خطفت وأفقرت إحدى أغنى وأكبر الدول العربية بممارساتها النضالية
ضد الأبرياء والمدنيين في الخارج والداخل... وصولا إلى تجربة صدام حسين
واختزال العراق بشخصه وقيادته وقسوته في قتل المعارضين وسجله المفتوح على
مقابر جماعية.
مانام شعبنا على واجب قومي بدعم حركات دولية إلا وصحوا على واجب آخر، وما
فقدنا يوما شخصية سياسية أو فكرية إلا و استفسرنا عن غيرها بعد فترة، وما
خرجنا من مواجهة مع الاستكبار ورفعنا شعار الدجال الشهير طز فى أمريكا
إلا و دخلنا مواجهة أخرى مع استكبار آخر... وصولا إلى الاعتراف لاميركا
وغيرها بمسؤولية الإرهاب الدولي، وتجرّع كأس العقوبات والمحاسبة، فيما
البؤساء ضحايا بطريقة أو بأخرى لتفجير الطائرات والملاهي.
وأصعب ما في قضية ليبيا تداخل المبادئ والقيم بالمصالح والثروات والموقع، إذ
أصبحت ليبيا رمزا حقيقيا لانفصام شخصية العالم الحر الذي ينادي بتطبيق كل ما
يخالف سلوك النظام الليبي، ثم يهادنه رغم الإدانة الواضحة لهذا السلوك
والاعتراف الرسمي الليبي بالخروج على الشرعية الدولية... ففي باطن بلادنا نفط
وفي سمائها مشاريع وفي خزائنها مليارات تكفي لدمج التعويض الاخلاقي بالتعويض
المالي، ومع كل هذا وذاك، في ليبيا الآن خطاب سياسي منسجم تماما مع ما تريده
دوائر بعينها داخل الادارة الأميركية سواء لجهة حل النزاع العربي -
الإسرائيلي، أو لجهة الطريقة التي تصاغ بها مفردات مواجهة الإرهاب الدولي
والاتهامات التي تساق الى هذه الدولة العربية أو تلك.
نضام الدجال القذافى برّر سلوكه بانه ,اشترى الشر
الدولي، و الشعب يرى انه سيبيع الشر الذي اشتراه في السوق الداخلي، مادام
أَمِن الآخرين، و نتوجس لمزيد من القهر والقمع وخنق الحريات كون الضمير
العالمي لا تهزه إلا مآسي الغربيين