الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

31/03/05


 

العقيد المفرط في الذكاء

بقلم : عبد المنصف البوري

 

كلمة القذافي التى القاها أمام مؤتمر القمة العربي في الجزائر تدل على فقدانه للوعي الموضوعي والعقلاني للزمن الحاضر ، وتؤكد على أنه يعيش خارج عن أبعاده المعقولة .

 

والحقيقة التى يعرفها الجميع ويتغاضى عنها البعض أن العقيد يهرب بغرابة أطواره وإنعدام معاييره العقلانية والمنطقية ويعيش مطارداً من تحديات العصر الممثلة فى قضايا الديمقراطية والحرية والعدل .

 

ولعل القذافي وقف في قمة الجزائر نتيجة لمواصفات سياسة الطبطبة العربية التى تسمح بالمجاملات والترضية لكى ينسب لغيره كل القصور والعيوب دون أن يلتفت إلى أنه في  الواقع يشكل سبباً جوهرياً وأساسياً من أسباب الانتكاسة العربية .

 

إن تصريحات القذافي تثير العديد من التساؤلات في ذهن القارىء العربي حول حقيقة دوره في المنطقة العربية ، وهو الدور المسكوت عنه بين الأنظمة العربية .

 

أسئلة حادة واستفزازية تقول إلى أي حد مازلنا نحن العرب شعوباً وقادة نتقبل ونسمح بتصريحات وأقوال تتصف ببداهتها وتلقائيتها المفرطة في الغباء والجهل ؟ .

 

بل إن هذه التصريحات تعبر عن الطفولة السياسية اللاواعية والمحاصرة بالوهم البعيد عن العقل المنظم والحكيم الذى يقوده الواقع ويوجهه التاريخ .

 

إن تصريحات " الزعيم " الليبي ـ كما يحلو للبعض أن يطلق عليه ـ ليست فقط مخلة بالذوق السليم والمعرفة الخالصة الواعية ، بل تدخل في دائرة أوهام جنون العظمة التى يعانى منها ، وهى في حقيقتها أوهام مبتذلة ومشوهة لحقيقة الواقع العربي وغافلة عن استحضار وجدان الأمة .

 

إن وهم القذافي يرتبط بالغفلة التى يعيشها بين شعبه في ليبيا وبقية الشعوب العربية ، الأمر الذى يضعه على طرفى نقيض مع الواقع العربي ويشكل حاجزاً بينه وبين هذا الواقع . وما يهمنا هنا هو الصورة السلبية التى يحاول القذافي أن يرسمها في مخيلة الذاكرة الجماعية العربية من خلال أوهامه المريضة ، بحيث يصبح الفصل بين الوهم والعقل مجرد هراء أجوف لا يعنى شيء سوى السقوط .

 

إن استشراف سجل هذا " القائد ـ الأممي " هو غني عن التعريف وهو أيضاً أكبر دليل على حقيقة دوره . ولكن الأغرب من ذلك هو أن هذا " الزعيم الفذ " عندما وضعت سلطته موضع اختبار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بعد غزو العراق ، لم يتوان في الركوع المهين وتقديم التنازلات والسماح بإستباحة كل شيء في بلاده لصالح القوى الأجنبية .

 

وصف القذافي في خطابه الذى ألقاه في مؤتمر القمة العربي بالجزائر الفلسطينيين والإسرائيليين بالغباء ، ولا ندرى أي معايير أرتكز عليها لتقييم تضحيات الشعب الفلسطيني التى أمتدت لأكثر من نصف قرن ، الأمر الذى يدفع إلى التساؤل عن ما قدمه القذافي للقضية الفلسطينية منذ أن جاء للسلطة في ليبيا على ظهر دبابة . الواقع يكشف أنه لم يقدم للقضية الفلسطينية سوى الشعارات الكاذبة والمؤامرات التى تؤدى إلى زرع الشقاق بين الفصائل الفسلطينية والتى ساعدته فى حباكتها أموال النفط الليبي الطائلة ، فزرع الفتن وأشعل فتائل الحروب والقتال بينها .

 

ولم يستطع هذا " القائد العظيم " أن يرفع ولو قضية واحدة على إسرائيل أمام القضاء الدولي رغم أنها أسقطت طائرة مدنية ليبية دون مبررات .

 

والقذافي " الذكي " الذى لم يشترك ولو في مناورة عسكرية واحدة طوال حياته يصدر أوامره ويطلب من المقاتلين الفلسطينيين الشرفاء الإنتحار أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان .

 

وقد طرد هذا " الزعيم الإنساني " العائلات الفلسطينية المقيمة في ليبيا بأطفالها ونسائها وشيوخها فى عراء الصحراء المتاخمة للحدود الليبية المصرية .

 

ولعلنا نتسأل ويتسأل معنا كل العرب ، لماذا لا يطرح القذافي على نفسه ـ إن كان يمتلك ذرة ذكاء واحدة ، أو ذرة شجاعة واحدة ـ التساؤل البديهي : ماذا أصاب الشعب الليبي الذى يئن تحت وطئة سياساته الغبية وممارساته المجنونة وأجهزته القمعية ؟ .

 

إن هذا القائد لم يعِ ويُدرك بذكائه المفرط والخارق بعد مضى أكثر من 35 عامٍ من إستيلائه على السلطة في ليبيا مدى حجم وضخامة الدمار والفساد والخراب الذى الذى لحق بليبيا وبشعبها ، وما آلت إليه حالة الليبيين من الافقار والتجويع والتشريد وإهدار الثروات ، وكيف أصبحت البلاد في قمة التردى والانحطاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

 

ولما لم يتسأل هذا العقيد عن دوره الإرهابي في تصفية الليبيين في الداخل والخارج ، وعن الآلآف الذين قتلوا أو اعتقلوا وشردوا على يد أجهزته في السجون والمعتقلات وفي كل بقاع الأرض .

 

ولما لم يتسأل هذا " الذكي " عن عمليات الخطف التى مارستها أجهزته بتعليمات مباشرة منه ضد عدد من الشخصيات العربية والليبية فى داخل ليبيا وخارجها . ولم يعِ حجم المؤامرات والدسائس ومحاولات الاغتيال التى مازال يحيكها ، ولعل آخرها ضد الأمير عبدالله ولي عهد المملكة السعودية .

 

كيف يكون الإرهاب بعيداً عن القذافي ودوره بعد إعترافه بمسئوليته في إسقاط الطائرة الأمريكية فوق لوكربي والفرنسية فوق النيجر .

 

وهل نسى " العقيد الذكي " دوره الإرهابي في أحداث مصر 76/1977 وأحداث قفصه ، وحروبه التخريبية في تشاد وليبيريا وغيرها من الدول الأفريقية .

 

ولكن ، وكما يقول المثل الليبي : الجمل لا ير إعوجاج رقبته .

 

إن المتأمل في التاريخ السياسي لهذه الأمة لابد وأن يصطدم بأحد المتسكعين الذى فقد قيمه ووعيه ووجوده فى الواقع وأخذ يبنى لنفسه واقعاً آخراً من الأوهام .

 

*****

 

 

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.