27/03/2006


 

جاب الله مطر ... وعزات المقريف في ذكرى محنتهما المستمرة

 

بقلم: إبراهيم عبدالعزيز صهّد

 

بعد مضي ستة عشر سنة على محنة المناضلين جاب الله مطر وعزات المقريف، ما زال السؤال يطرح: هل كانت عملية اختطاف؟ أم أنها كانت عملية تواطؤ؟ وما هو حدود هذا التواطؤ؟.

الأمر الذي ليس فيه أي شك، هو أن الأخوين جاب الله وعزات هما رهن الاعتقال في ليبيا. هذا أمر ثابت، فقد شوهدا في أكثر من معتقل وسجن في ليبيا، وبقيا فترة طويلة في سجن "بوسليم" في طرابلس، ثم نقلا منه إلى مكان مجهول.

المناضل عزات يوسف المقريف


أما كيف وصلا إلى ليبيا وقد كانا يقيمان في جمهورية مصر العربية، بعلم السلطات وبموافقتها وتحت حمايتها، فهذا هو الأمر الذي يقدم الإجابة على السؤال.

يأتي اختفاء الأستاذ منصور الكيخيا الذي حدث في القاهرة أيضا، ليزيد من مشروعية التساؤلات التي تطرح عن دور السلطات المصرية في مثل هذه الحوادث، خاصة وأن الأستاذ منصور كان ضيفا يحضر مؤتمر المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كان أحد أعضائها المؤسسين.

وإذا كانت المعلومات تفيد بأن الأستاذ منصور الكيخيا قد اختفى بعد أن خرج من الفندق الذي كان يقيم به منفردا أو بصحبة شخص آخر (ليس من الأمن المصري)، إلا أن الأخ جاب الله مطر قد غادر منزله في القاهرة بعد أن تم استدعاؤه إلى مبنى المخابرات المصرية بصحبة رجل من رجال المخابرات المصرية، وكذلك كان الحال مع الأخ عزات المقريف الذي استدعي في نفس اليوم إلى نفس المبنى وصحبه رجل من المخابرات المصرية. ومن حينه لم يعد أي منهما إلى بيته.

وإذا كان نظام القذافي قد استطاع – حتى الآن – أن يخفي أية شواهد تربطه بعملية اختفاء الأستاذ منصور الكيخيا، إلا انه لم يستطع أن يخفي وجود الأخوين جاب الله مطر وعزات المقريف في سجونه.

المناضل جاب الله حامد مطر


صمت السلطات المصرية حينا، وغضبها أحيانا من إثارة مواضيع اختفاء مواطنين ليبيين من على أراضيها، لا يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدا ويزيد من مشروعية الأسئلة المثارة.

فإذا كان اختفاء الإخوة جاب الله مطر وعزت المقريف ومنصور الكيخيا نتيجة لعملية اختطاف، فكيف تصمت دولة مثل مصر أمام جرائم تنتقص من سيادتها؟، وكيف تعجز أجهزتها الأمنية -المتعددة والمشهود لها بالكفاءة- عن فك طلاسم هذه الجريمة؟، وكيف تغضب إذا ما أثيرت هذه الجريمة أو جرى الحديث عنها، وإذا من غضبة مقبولة للسلطات المصرية، فكان يجب أن تكون على الجهة التي ارتكبت هذه الجريمة، وهذا ما لم نره.

لكن شواهد التواطؤ لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، فهي شواهد قائمة ودامغة على الأقل في حالة الأخوين جاب الله وعزات. شواهد رفضت السلطات المصرية –في حينه- التعامل معها، وفضلت تجاهل المسألة برمتها، وأوقفت بالكامل التعامل مع هذه القضية.

الأخوين جاب الله وعزات كانا يقيمان في مصر بموافقة السلطات، وبإقامة رسمية معتمدة. وكان الأجدر بالسلطات المصرية –إذا كانت لا تريد منهما الاستمرار في البقاء على أرضها لأي سبب كان- أن تطلب منهما الرحيل.

حتى بين الدول التي تتشابه أنظمتها السياسية، فإن مسألة التسليم تتطلب إجراءات قضائية معقدة وتتطلب قرائن وإثباتات، ولا تتم عادة بترتيبات بين أجهزة الأمن، بل لا بد للقضاء أن يقول كلمته وبصورة معلنة. بل إنه حتى مع توافر القرائن والإثباتات، نجد الدول تمتنع عن تسليم أي مطلوب إلى دولة يُظن –مجرد الظن- أنه سيواجه فيها تعذيب، أو أنه لن يحظى فيها بإجراءات قضائية عادلة.

العالم كله يعرف، مدى شراسة نظام القذافي تجاه معارضيه، شراسة لم تمارس فوق الأراضي الليبية فحسب، ولكنها مورست حتى فوق أراضي الغير. وشراسة شملت القتل، وتزوير الوقائع، والتهديد. مصر لم تكن استثناء. السلطات المصرية تعرف تمام المعرفة شراسة نظام القذافي وطبيعته الدموية، وما يمارس في سجونه من تعذيب وقهر، وتعرف ما ينتظر أي معارض ليبي يتم تسليمه لنظام همجي مثل نظام القذافي. تعرف أيضا أن نظام القذافي لا يعبأ بأية معايير للعدالة، ولا يمتلك منظومة قضائية تسمح بتوفير محاكمة عادلة. والسلطات المصرية تمتلك من الشواهد على شراسة هذا النظام أكثر مما تمتلكه حكومة أخرى، بحكم ممارسات نظام القذافي -فوق الأراضي المصرية- التي استهدفت الأمن القومي المصري نفسه في أكثر من مناسبة، كما استهدفت حياة معارضين ليبيين يقيمون في مصر في أكثر من مرة. لسنا في حاجة للتذكير بمحاولة اغتيال الأستاذ عبد الحميد البكوش رئيس وزراء ليبيا الأسبق، ولا بمحاولة اغتيال عدد من قيادات الجبهة في مزرعة بضواحي الإسكندرية، ولا بغيرها من المحاولات التي لم تعلن عنها السلطات المصرية.

ولنترك التعاملات الدولية جانبا، فربما هذا أمر يصعب على دولنا أن تتماشى معه، فكيف بأخلاقنا الإسلامية والعربية التي فيها الشيء الكثير من معاني وقيم إغاثة الملهوف، ونصر المظلوم، وإكرام الضيف وصونه وحمايته. هذه المعاني والقيم لم تغب حتى عن المجتمع الجاهلي الذي عرف بخصال ومنكرات كثيرة، ولكن عرف عنه التواصي والاعتراف بإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم، وإجارة الملتجئ؛ هذه كانت أمور مقدسة في مجتمع جاهلي، فلا المجير يسلم من استجار به، بل يقدم أولاده ونفسه وعشيرته لحماية المستجير، ولا يستطيع عدو المستجير أن يخل بحقوق الجوار فيعتدي، بل إنه يراه أمامه ولا يستطيع يمسه بسوء أو حتى أن يطلب - مجرد الطلب – بتسليمه أو التوقف عن حمايته. وفي المجتمع الجاهلي، لا تنتهي إجارة الملتجئ إلا بعد أن يعقد اتفاق يقوم فيه المستجير "برد الجوار على صاحبه"، ويعطى مهلة يتدبر فيها أمره، ويبلغ مأمنه.

ستة عشر سنة شكلت محنة متواصلة للأخوين جاب الله مطر وعزات المقريف ولأسرتيهما. محنة لم تتوقف عند حدودها الإنسانية بغياب رب الأسرة .. الزوج والوالد والأخ والابن...، ولا عند حدود معاناة مستمرة في سجون القذافي المعروفة بوحشية ما يمارس فيها من تعذيب وقهر، ولكنها محنة فاقت كل الحدود الإنسانية والمادية والمعنوية. محنة قائمة وحقيقية تحاول كل الأطراف إنكارها، إنكار حتى وجودها. ومعاناة إنسانية يتم تجاهلها. ولكن لا الإنكار ولا التجاهل يمكنهما محو هذه المحنة من ذاكرة التاريخ ومن ذاكرة رفاق جاب الله وعزات.

فإلى الله الواحد الأحد، نجأر بدعائنا وبشكوانا ...
ومنه وحده نستمد العون ... نلتجئ إليه جل وعلا ...
ونفوض أمرنا إلى الله ... إن الله بصير بالعباد …. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 


أرشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com