|
دعونا نرقص
دعونا نرقص ؛ فغيرنا يرقص للمتعة ؛ للسحر؛ ونحن نرقص حتى لا نسلم وجداننا
للخواطر، ولساننا للكلام، ففي بلادنا كل وسائل التعبير ماتت سوى التعبير بتحريك
الجسد . دعونا نرقص ؛ ففي الرقص أُختُزل روح الانتصار ، وضمير الأمة ، وجرح الشعب
العميق ، وعليه تمثلت غضبة الثائر المقلوب ، وفيه ظهر صبر الفقير المعدم .
دعونا نرقص لعلنا نبدد الخوف الذي يلازمنا ، الخوف من هراوات البوليس ظلام السجن
الدامس حيث الجوع والتعذيب والقمل والبراغيث ، الخوف من الكلاب البشرية ومن حاشية
القائد ، الخوف من المخبرين والعيون ، ومن رجل الدين الذي ما فتئ يشيد بحسنات
الرئيس ، ويعدد مناقبه الحميدة ، ويدعو له بطول العمر ، ويعظنا نحن البائسين
الخائفين مِن علي منبر رسول الله صلي عليه وسلم بأنَّ منكرا ونكيرا ينتظروننا
بهراواتهم التي لو ضربوا بها الجبل \" الأخضر\" لاستحال إلي رماد ، وأن عقارب
كالبغال تنتظرنا في القبور لتملأ أجسامنا الهامدة سما زعافا ، يريدنا أن نعيش وفي
نفسيتنا الكثير من عناصر الخوف ، في حين يطلب منا من منبر آخر أن نواجه أعداء
سيده ومولاه مواجهة الأسود .
دعونا نرقص ولا تقاطعونا ، فقط صفقوا لنا بحرارة بعد كل دورة من دورات جنوننا ،
وبعد كل تمويجة مع ضربة الطبل ، وفي كل تحريكة لصدرونا العارية المرتجفة .
دعونا نرقص للذل ونقبل يد الجلادين ، ونستقي الحكمة من أفواه الطفيليين
المدَّاحين ، ونستفتي الخمارين والمدلسين ، وننتزع القيم التي تصرخ في دواخلنا ،
ونخبئ كبريائنا العاري في أعماق أعماقنا ، ونشطب من علي ذاكرتنا كل المبادئ دعونا
نرقص ، فالكل يرقص علي أنغام وطبول الوطن التي لا تهدئ ، بعضهم علي إيقاعات دائرة
النار المعولمة ، وبعضهم علي إيقاعات النجع ، وبعضهم لا يجيد هذا ولا تلك ، ومع
هذا نصر علي الرقص ، لنلقن العدو درسا لن ينساه ، ولنقضي علي الإيدز الذي تجرأ
علي اقتحام مستشفى الأطفال ، والفقر الذي يصفق دون خجل في كل بيت من بيوتنا ، قد
يختلف السبب لكن الكل يرقص حتى الشيخ !!فالليبيون بكل أطيافهم لا تجمعهم هذه
الأيام إلا هذه الدائرة ، دائرة الرقص .
دعونا نرقص فالرقص حق مقدس يضمنه الدستور في بلادنا ، ويجب أن نمارسه جميعا ،
الفارق الوحيد الذي نقر به هو أنَّ رقص القائد والسادة الأمناء يجب بثه في
التلفزيون علي مدى ثمانية ساعات لا يقطعه شيء ، ونشر صور منه في الصحف دون تعليق
، مع تمجيد حركات القائد العبقرية في الإذاعة المسموعة ، علي أن تتولى أمانة
\"التعبئة\" إحالته إلي إنجاز يصغر أمامه كل ما سواه ، بينما يظل رقصنا الذي لم
يتوقف مجرد هزَّ أكتاف يجوز بثه إن كان علي إيقاع عزف القائد ، وإن لم يكن فيجب
بث أصحابه في القناة الأرضية .
دعونا نرقص دعما لإنجازات القائد العديدة الداخلية منها والخارجية والتي منها
داخليا بناء عشرات السجون ؛ وقضاؤه علي أوكار التخلف الضارة مثل : الخلاوي
القرآنية والمعاهد الدينية وبعض المساجد العتيقة المتهمة بتفريخ عناصر إرهابية
دولية،والقائمة تطول .
دعونا نرقص فأننا نحمل أحزان الملايين ، ودموع الثكالى والأرامل ، وآهات السجناء
من خلف سياج الشوك ، وأنات صبايا في سوق بغاء ينشدنا الحياء ، وأتقيأ في كل لحظة
وحين عصارة القهر والبؤس والمرض والجهل ، ونتجرع مرارة التهميش والحرمان ، هذه
صورنا كما أننا وإن صورتها فضائيتنا للمشاهد البعيد علي شكل صورة فردوسية ، أو
طلاها الطبالون بمساحيق الأفراح الوردية ، فكل ما ترونه وما حكيته لكم وما لم
أحكه ما هو إلا تعبير عن الهروب عن الواقع الأليم إلي جنان الجنون أو قل جنان
الطفولة ، ونسأل اللهالعافية ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info
نشر المقال فى العدد الثاني عشر من مجلة الحقيقه
|