|
المعارضه الليبيه وتطلعات المرحله*
منذ وقت ليس بالقريب تشهد الساحة السياسية الليبيه حراكا سياسيا "نشطا" وهو
متعدد الجوانب والاتجاهات فهناك من يريد أن يحافظ على مركز الصدارة والتفوق الذي
وصل إليه نتيجة اعتبارات عديدة , وهناك من يحاول إثبات الذات والبحث عن حلول
لمشكلات بلدنا الحبيب !!
سواء كان هذا البحث داخل أطر التنظيمات الليبيه الرسمية أو من شخصيات وجهات
مستقلة من أبناء الوطن كل بحسب ما يرى .
ويكاد الجميع يتفقون حول الديمقراطية , والتعددية السياسية , وبسط الحريات
والعدالة , ومن قبل ذلك اسقاط نظام القذافى الديكتاتوري ولكن ثم ماذا ؟!
لقد عول الرأي العام الليبي كثيرا على المعارضه , خاصة بعد تلك المعطيات والفرص
الثمينة التي وجدت للمعارضه فى الخارج , ولكن حسب رأي الشخصي ــ لم تستثمر
الاستثمار الحقيقي ومع ذلك ما زلنا نعول على اقتناص ما تبقى من الفرص قبل
فوات الأوان .
ولكن قبل هذا وذاك لابد من تحديد ما الأهداف والغايات والمقاصد التي يفترض بحثها
فى المؤتمر الوطنى للمعارضه؟ لأن تحديد الهدف وبوصلة الاتجاه ستعين كثيرا في نجاح
المهمة التي يراد الوصول إليها , فأنا استبشر به , ولكن بقلق وحذر شديدين , لما
قد يتمخض عنه من معطيات وواقع جديد قد يعيد المعارضة إلى المربع الأول!!
ما يجب إيجاده قبل الحوار الرسمي المرتقب :
1- توحيد الرؤية حول أبعاد المشكلة الليبيه بكل تعقيداتها إذ المشكلة ليست
القذافى الديكتاتوري فقط وإنما المشكلة أكبر من ذلك فيجب أن يحدد أطرها ومن ثم
الاتفاق على طرق التناول والبحث ومن ثم الوصول للحلول المرضية لكل أطراف المشكلة
.
2- ضرورة وجود الإرادة والعزيمة والمصداقية من الجميع وأن نعلم يقينا بأنه لا أحد
يمكن أن يحل مشكلتنا واذا عجزنا نحن عن حلها فالاخرون أولى بالعجز .
3- ضرورة الاتصال بكل الفعاليات سواء كانت ضمن إطار التحالف أو خارجه وذلك
استجماعا لأكبر قدر من الرؤى والأفكار ومن قبل ذلك لمعرفة توصيفهم للمشكلة
الليبيه.
4- فتح العديد من قنوات الاتصال والحوار الفكري والثقافي بين أبناء ليبيا
في مختلف أماكن تواجدهم , وقيادة منتديات وحلقات نقاش جادة ومسؤولة لتقريب وجهات
النظر وكسر الحواجز النفسية لدى الجميع.
5- إرساء مبدأ أحقية طرح الرؤية السياسية مهما كانت ما دامت هناك فئة
من أبناء الشعب تؤمن بها .
6- عدم تجاوز ما تم الإتفاق عليه في السابق بحسبان إنه يمثل برنامج
الحد الأدنى الذي توصل إليه الفرقاء بعد قطيعة طويلة وأعتقد أن تجاوزه قد يعيدنا
الى مرحلة ما قبل البداية .
7- ضرورة إعداد دراسات علمية واقعية تعتمد على الاحصاء وتعالج قضايا ليبيا في
إطارها السياسي والثقافي والاجتماعي لتكون هادية للجميع في المراحل التالية .
8- الاتفاق على صيغ للحكم وإدارة البلاد في إطار قسمة تقوم على العدل في السلطة
والثروة .
ما ينبغي أن تتضمنه أجندة الحوار أو المؤتمر:-
إن مما ينبغي أن تتضمنه أجندة المؤتمر هو الرؤية الكلية والتوصيف الدقيق
للمشكل الليبي وما هو برنامج المرحلة المقبلة التي يجب أن تجيش كل الأمة
لتحقيقها, على أن يعقب هذا الملتقى عمل دؤوب يصل الليل بالنهار فقد كفى الشعب
تنظيرا وسفرا غير قاصد , ويريد أن يرى ما هي الثمرة التي توصل اليها هؤلاء
المثقفون والنخب الليبيه جميعا , على أنني أرى أن يكون حضور هذا الملتقى بصورة
مدروسة ,وليس بالضرورة حسم كل قضايا البحث والنقاش في هذا اللقاء إذ إن قضايا
الفكر الانساني متشعبة وتحتاج الى مزيد من الحوارات والمناقشات خارج الأطر
الرسمية , ولكن ليكن هذا الملتقى هو المنبر الجامع لكل ألوان الطيف السياسي
وفعالياته , وليعقد بصورة دورية على أن لا يأخذ الطابع الرسمي بل يكون على شكل
مؤسسة مدنية عامة تشرف عليها القوى الوطنية الليبيه المثقفة والنخب المقتدرة
والجادة والفاعلة في الساحة الليبيه .
ما بعد الحوار أو الملتقى:ـ
والذي بالضرورة يعني التحول والاستعداد النفسي أولا لتقبل ما يتمخض عنه الملتقى
بصدر رحب ما دام قد أخذ في عين الاعتبار كل معطيات الواقع الليبي , ولم يكن ملتقى
تهضم فيه الحقوق أو تصادر فيه الحريات أو تقصى فيه أطراف بعينها , خاصة الطرف
الذي أكتوى كثيرا بظلم نظام القذافى وزمرته والتجاور والتحاور, والتنافس في إطار
الممكن والمشروع , فهذه في نظري أول الثمرات التي ينبغي أن نخرج بها ومن بعد ذلك
ليكن كل مشارك في ذلك اللقاء الموعود رسولا إلى من ابتعثه شارحا ومبشرا وواعدا
بالخير الوفير لأبناء ليبيا الوطن , وليبيا الشعب , وليبيا الثقافة, وليس ليبيا
المنقطعة الصلة عن محيطها الجغرافي والثقافي السابحة في خيالات القذافى وحماه
الدماغية يتجه بها تارة يمينا وتارة يسارا دون تحديد بوصلة الاتجاه.
ومرحبا بليبيا العضو الفاعل والعامل الايجابي في محيطه الثقافي والجغرافي
والسياسي ومن القضايا التي أرى أن تشهد تحولا بعد اللقاء:
أولاً: على صعيد الذات والأفراد النافذين وأصحاب المواقع في الانترنيت ,
والكتاب والصحفيين وكل المبدعين من أبناء بلادنا أن يكونوا عوامل بانية ومقربة لا
عوامل تفريق وتشتيت طالما أننا قد اتفقنا على الأرضيات المشتركة والكليات العامة
, فليوقفوا كل أنواع الهمز واللمز , والتجريح والتشكيك , ونسعى جميعا لزرع الثقة
فيما بيننا , ونطور ما تشهده الساحة السياسية من حراك في الاتجاه الصحيح .
وبهذه المناسبة لست منزعجا من كثرة التنظيمات والتشكيلات التي تظهر على الساحة
حاليا , والعبرة عندي بخواتيم الأمور وليس بمبدئها مهما تكن الدواعي والمبررات ,
إذ لا أحد يملك الحق في منع أي فئة أن تتواضع على انشاء كيان خاص بها ما دامت قد
آنست في نفسها رشدا ومقدرة وتعلم مطلوبات وقواعد اللعبة السياسية , وتتحمل تبعات
ولوازم العمل الجماعي .مع إنني كم وددت لو لم ننجرف جيمعا وراء العمل السياسي
اليومي , وتتخصص فئة من أبناء الوطن للعمل
الاستراتيجي والدراسات العلمية والبحثية وتقديمها للساسة , لأن مراكز الدراسات هي
التي توجه الرأي العام , وهي التي تضع وترسم الاتجاه للساسة التنفيذيين وسواء كنا
منظمين داخل تنظيمات وأطر حزبية أو كنا غير ذلك فالمطلوب من الجميع في هذه
المرحلة الجدية والمصداقية والارادة الراشدة والقاصدة , وبذل أقصى درجات العطاء ,
والارتفاع فوق الذات والأنا وتقديم العام على الخاص أخذا وعطاءا .
ثانيا: أما على صعيد التنظيمات السياسية فإنه مطلوب منها ضرورة العمل
بجدية منقطعة النظير وفق الرؤى الهادية والراشدة , وعدم تفويت الفرص كما هو حالها
الآن , ويجب أن يحترم الجميع ما يتم الاتفاق عليه من المواثيق والعهود والعقود ما
دامت قد أبرمت بإرادة الجميع ووفق خياراتهم وعدم الالتفاف عليها ما دامت محل
اتفاق رضائي.
ثالثا: وأما على صعيد الرأي العام الليبي أرجو أن لا يكون واقفا على
الرصيف بل ينبغي أن يقول كلمته وبصوت عال نريد أن نرى أعمالا لا أقوالا وتصريحات
أو مهرجانات واجتماعات ثم ماذا ؟ كما يقول المثل العربي "أسمع جعجعة ولا أرى
طحينا" نريد أن نرى حقبة جديدة في تاريخ العمل الجماعي الليبي كما ونوعا أداءا
رابعا: وإعلاميا أن يكون هناك ميثاق شرف عام يضبط من خلاله العمل
الاعلامي بشكل عام , وتكون مهمة الإعلام تهيئة الرأي العام وقيادته نحو معالي
الأمور وكلياتها لا الاستغراق في جزئيات الأحداث أو تحقيق مكاسب رخيصة .
خامسا: اعتماد ميثاق شرف وعقد اجتماعي يحفظ لكل ذي حق حقه سواء كان ضعيفا
أو قويا . فالحقوق تقوم على المشاحة كما يقول الفقهاء ولا تسقط بالتقادم أو
الضعف.
سادسا: أن تتحول كل الرؤى والأفكار التي ظللنا ننادي بها الى برامج عمل
واقعية وجاذبة للرأي العام لا أن تظل في طور الأفكار دائما أو حبيسة الأدراج ,
وليفتح باب مناقشة تلك الأفكار من قبل الجمهور العام ليقول كلمته فيما يحمل
الجميع من أفكار ورؤى , لا أن يتم مصادرة الفكرة في غرف القيادات ولا تجد طريقها
للرأي العام , فقد تكون محل تقدير واحترام وقبول ما دامت تنطلق من ثوابت الأمة
وقيمها وواقعها.
فالحذر الحذر من القفز فوق الواقع والالتفاف على الجهود الموجودة حتى لا
يضطر من يعتقد بأنه مظلوم أن يطالب بحقوقه وفق رؤيته وبطريقته الخاصة
زماناً ومكاناً ، ومن ثم لا يتحقق للمعارضة الإجماع الوطني إذ لا إجماع مع الظلم
وإنتهاك حقوق الآخرين وسرقة جهودهم .
اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info
*
نشر المقال فى العدد الثاني عشر من مجلة الحقيقه
|