|
دور المثقف الليبي
للمثقف تعريفات كثيرة وتقسيمات تناولها الكتاب والمفكرون وما يعنينا هو معرفة
المثقف من خلال دوره في المجتمع حيث يقول المفكر المصري جمال حمدان صاحب كتاب (
شخصية مصر) معرفاً المثقف الحق بأنه "الإنسان الذي يتجاوز دائرة ذاته، ليصل إلى
المجتمع الأكبر كله ، هو الإنسان القادر على أن يجعل مشاكل الآخرين هموماً شخصيةً
له ، هو ضمير عصره في إدراك الخطر المستقبلي والحلم بالمستقبل ، هو برج
مراقبة للعالم من حوله يرصد ويحلل، يتوقع ويتنبأ،يحظر ويخطط ، لا يضيع في
التفاصيل وان تابعها بكل تفصيل ، يحول الشجار إلى نهاية ، والتكتيك إلى
الاستراتيجية ، انه مفكر استراتيجي ، كلى شمولي نبؤى... "
من هذا التناول يبدو إن وظيفة المثقف لا تقف عند مجرد الإسهام والمشاركة
المحدودة، وإنما تتعداه إلى دور القيادة والتوجيه ، والتقييم والتقويم لمسيرة
المجتمعات ، فهو صوت الحق والضمير فيها ، صوت المظلومين والمهمشين والمقهورين،
صوت العدالة الغائبة ، مصدر الفضيلة والوعي،هو داعية بناء ونهضة ، هو الاقتصاد في
محاربة الفقر، و الطبيب في محاربة الوباء, والصحفي في جلاء الحقيقة ، والمعلم في
محوا لامية وتمكين المعرفة ، والقانوني في بسط العدالة ، والسياسي في النضال
لتحقيق الديمقراطية وسيادة القانون .
المثقف إنسان يتملكه الإحساس بمن حوله .وفى اعتقادي ليس في ذلك علاقة بالشهادات
والدرجات الجامعية, والاستمتاع باللوحات التشكيلية, ونثر المفردات الغريبة
والغربية ، المثقف قد يكون إنسانا بسيطا مبدعا, يحس بمعانات من حوله يحمل أمالهم,
ويعيش قضاياهم.
إذا كان هذا هو المثقف فأين موقعه في دائرة التفاعل الاجتماعي والسياسي .؟
من المستحسن أن نثبت هنا أن للمثقف الليبى مشاركات عديده ولازال حاضرا في مجريات
الأحداث سلباً وإيجابا.ًوالساحات المختلفة تشهد له بالحضور المتميز على ندرته،
مقاتلاً وسياسياً وكاتباً وقائداً ، ومن اشراقات المثقفين في مرحلة ما بعد
الاستقلال تصديهم من خلال المنابر السياسية لمتطلبات الدولة الحديثة، وبناء
المجتمع الديمقراطي المتكافل، حتى وان بدت مشاركتهم خجولة وخاصة ان اعداد
المثقفين كانت قليله إلا أنها كانت مهمة لكثرة القضايا العالقة .
كما أن حضور المثقفين تنامى في برامج وأنشطة المعارضة، حيث برز دورهم في مؤسسات
المجتمع المدني في شكل اتحادات وجمعيات ومراكز بحثية وإعلامية . كما أن
المواقع الليبيه في الشبكة الانترنت تبرز مشاركات فكرية وثقافية قوية. ولكن
إلى جانب تلك الإشراقات فهنالك الجزء الأكبر لدور المثقف الليبي تظل غائبة
، وذلك لان تمثيل المثقف لدوره في توجيه المسارات وتفعيل الرؤى الجادة لتطوير
مدخلات الحياة, أصبح ضعيفا إن لم نقل سالباً؛ لتخليه عن وظيفته الحقيقية،
ومن ثم اختياره الأدوار والمواقف الهامشية والسهلة، والمشاركة الكسولة، وتبنى
الرؤي الفضفاضة والسطحية .
وهنا قد تتوسع دائرة الاتهام للتأكيد بأن المثقف الليبى لا يزال مثقفا
مجازاً ـ إذ انه متردد أحيانا وسلبي وذاتي في كثير من الأحيان ، تقوده
المصلحة الشخصية الضيقة في تفاعله مع الأحداث وقضايا الوطن المصيرية،
فهو قبلي حين تلوح تحت راياتها المصلحة, وحزبي وشعاره في ذالك ليتني
كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما. فقد تحول الكثيرون من ساحات الثقافة والإبداع
والمشاركة الحرة إلى كوادر سياسيا همها امتهان التصفيق والتزين ,تتقاذفهم يوميات
الصراع السياسي، وقد تعطلت لديهم حاسة النقد والبناء ,حيث صار البعض مداحا في
حضرة السياسيين ,يزينون الأخطاء ,مطورين عقلية التبرير ,وتحليل الفشل ,وإدمان
محاربة الأفكار والرؤى و المقترحات الجديدة, وقد احتوتهم الذات السياسية فقتلت
روح التطلع للمستقبل والإحساس بالآخر لديهم .. ولذا اخفق الكثيرون في تطوير
تنظيماتهم,وجعل آلياتها قابلة للتواصل مع الحاضر, والتعاطي مع المستجدات بعقلية
طموحة ومتجددة.
من ناحية أخرى؛ فقد التواصل مع النخب السياسية الليبيه، خاصة وان الصراعات
السياسية السابقة ألقت بظلالها القاتمة علي واقع الحوار السياسي والاجتماعي مما
جعل تفاعل الفئات الحديثة ومشاركتها ضعيفة ومشوشة. وقد عصفت هموم الحياة اليومية
ومتطلباتها المتسارعة بالكثيرين وأقعدتهم عن تعاطى الشأن العام ، كما أن الهجرة
،وازدواجية الهوية ، وتباعد المنافي والخوف من تكرار أخطاء الماضي القريب ، جعلت
آخرين يعيشون لأنفسهم مغلقين، كل النوافذ القديمة والحديثة،رغبة في السلامة
والعيش الهادئ.
إن الهدف من هذا التناول ليس هو مجرد التعرف على (الحالة), ولكن المرتجى أن
تتعامل قطاعات المثقفين والمستنيرين بتطلع ايجابي مع قضايا الوطن ,وذلك لأهمية
دورهم في التنمية الاجتماعية وتطوير اليات المجتمع المختلفة .وللخروج من
حالة اليأس والإحباط لابد من التنادي على برنامج وطني شعبي يهدف إلى دفع وتطوير
مكونات المجتمع المدني .
وفى رأيي إن أهم ملامح هذا التنادي هو الانفتاح على الفئات الحديثة,ودعوة
المهنيين والمبدعين لاستلهام دورهم وإيجاد أوعية ومساحات تستوعب وتنظم مشاركتهم
في البناء الاجتماعي .ولتعميق الإنتاج الواعي والمساهمة الراشدة لابد من إقامة
وتشجيع المؤسسات البحثية والاستراتيجية والإعلامية المستقلة ومراكز رعاية حقوق
الإنسان.إن قيام الفنان المبدع بتلوين وإبراز آيات الجمال وتوثيق تفاعلات الحياة
اليومية يؤكد دوره في رسم ملامح المستقبل. كما أن لرعاية الواعية للتعليم عبر
مؤسسات خاصة وشعبية ودعم أنشطة الاتحادات الطلابية، وفتح الأفاق لتأهيل كوادر
متخصصة في مجالات مختلفة سوف يضمن تواصل الأجيال المدركة لوجباتها تجاه الوطن
والمجتمع.
وحتى يقوم المثقفون بدور فعال في التغير الاجتماعي عليهم الانخراط في العمل
السياسي الواعي والتواصل مع الشرائح الاجتماعية والتعبير عن همومها,وتنمية
التفكير العقلاني وممارسة النقد الذاتي ,حتى يتحرر العمل السياسي من قيود الولاء
التقليدي .إن تطوير آليات المعارضة والحكم في المجتمعات النامية لهى من
واجبات المثقف المدرك لدوره ,ولذا لا بد من تحديث وتنمية التنظيمات والأحزاب
وتطوير وسائلها ومنطلقاتها عبر نقد ذاتى واع ,وضخ قيادات شبابية مؤهلة تجدد
مسارات التحول السياسي وتخرجنا من حلقة العجز وتخلف المعارضة وطغيان
الحاكمين.
اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info
|