
11/05/05
|
المؤتمر الوطني: محاذير وتحديات وآمال وطموحاتبقلم: عبدالمنصف البوري
لعله بعد هذه العقود الثلاثة العجاف ، وبعد كل السنوات الشداد ، تقف القوى الوطنية المعارضة والرافضة على أعتاب مرحلة مهمة فى مسيرتها الطويلة ، وهى تستعد لعقد مؤتمرها الأول .
هذا المؤتمر لم يكن إختياراً عشوائياً ، وأنما دعت إليه ضرورات عديدة لعل من أهمها الشعور المتزايد لدى معظم الليبيين ، بالخطر المحدق بالوطن من جراء إستمرار حكم القذافى الذى غذته أكثر من ثلاثة عقود من الظلم والقهر والإستبداد والتفريط فى ثروات البلاد ، كما أن هذا المؤتمر يفرضه الشعور المتنامى بأنه لم يعد من الممكن الرد على تحديات الوضع الليبي الراهن بالاستمرار فى العمل بالمنطق الذى ساد لسنوات طويلة ، وهو منطق التفتيت السائد بين القوى الوطنية الليبية .
إن الحاجة أصبحت فى هذه المرحلة أكثر الحاحاً وأقوى من أي مرحلة أخرى لتقريب وجهات النظر بين جميع القوى الفاعلة من تنظيمات سياسية وشخصيات وطنية وثقافية ونقابية وحقوقية واجتماعية على مختلف مشاربها الفكرية لتوحيد نشاطها وزيادة فاعليتها فى إطار لقاء وطني ديمقراطي واسع .
وفى هذا المجال يشكل المؤتمر إطاراً مفتوحاً لتداول الآراء والأفكار والارتفاع بمستوى العمل السياسي ليكون بمثابة تحولاً نوعياً فى الممارسة السياسية الوطنية ، وبالطبع لن يستطيع هذا المؤتمر أن يحقق أهدافه إلا بقدر ما ينجح فى جمع أكبر عدد من القوى الوطنية الحية والفاعلة ودفعها للعمل المشترك من أجل القضية الليبية .
وبالنسبة لبقية الأطراف الليبية التى قد تتغيب عن هذا المؤتمر تبقى عنصراً مهماً وداعماً ـ مهما كانت اجتهاداتها ـ فى المعادلة الليبية ، ومصدر ثقة وتعاون فى المسيرة النضالية ، لايمكن تجاهلها أو تهميش دورها .
وفى سياق المؤتمر يجدر التنبيه إلى أن هذه المرحلة تحمل معها مخزوناً من المحاذير والمعوقات ، كما تحمل كماً من التحديات ، ولكنها أيضاً مرحلة ستكون ، بإذن الله ، مشبعة بالآمال والطموحات .
فى مخزون المحاذير والمعوقات التى على المؤتمر أن يطوى صفحاتها للأبد باب يكشف عن طرائق أستمرت لسنوات عديدة تضطلع بوظيفة بث الفرقة والخلاف بين مختلف القوى السياسية والشخصيات الوطنية ، باب كان يدعو إلى تصفية الحسابات بين الخصوم، ويقوم على إفتعال المعارك والشطحات الفكرية وإختراع تصنيفات وهمية .
وفى هذا المخزون كان لدى البعض ركام من الأحساس بالقدرة على الانجاز الوطني أكثر من الآخرين ، مما دفع البعض إلى الحط من قدرة الغير على البذل والعطاء الوطني مهما كان هذا البذل والعطاء ضئيلاً .
وفيه أيضاً جملة من الطقوس والأوهام التى تركز على تحويل اهتمام الليبيين عن جوهر المشكلة الليبية وجرها لإنشغال بقضايا ثانوية وصراعات شخصية لا تخدم فى محصلتها النهائية لا ليبيا ولا شعبها .
أننا نستطيع إذا أردنا جميعاً أن نحول أخطاءنا وما يبدو لنا أحداث سلبية عرفتها المعارضة والقوى الوطنية الرافضة فى السابق إلى فرصة لتجديد البناء ومراجعة الأسس التى يقوم عليها عملنا فى هذه المرحلة .
وفيما يتعلق بالتحديات ، على هذا المؤتمر أن يدرك ضرورة إعادة التفكير فى الرؤية السياسية وفى الخطاب السياسي والإعلامي ، فالمتتبع للمرحلة السابقة برمتها يقف على حقيقة المناخ الذى ساد رؤية وعمل المعارضة الليبية والقوى الوطنية الرافضة عموماً ، ويلمس عن قرب أنها لم تفعل الشيء الكثير ـ رغم الجهد والتضحيات الجسام ـ من أجل تطوير مناهجها وخطابها السياسي والإعلامي ، وأكتفت اطروحاتها السياسية والإعلامية فى الماضي بتقديم نصوص تتطابق مع مرجعيتها السياسية والفكرية وتبشر بها . ولم يهتم الخطاب الإعلامي كثيراً بالليبيين فى الداخل سوى فى مجال نقل شكواهم ومعاناتهم .
ومع ذلك فأنه من الإنصاف الإقرار بأن هناك نجاحات وومضات مضيئة شهدتها الساحة الليبية فى الداخل والخارج من جراء عمل المعارضة والقوى الرافضة ، ولا نزعم أيضاً أن الخطاب السياسي والإعلامي السابق برمته لم يكن ملائماً لمراحل الماضي ، ولكنه بالتأكيد لم يعد ملائماً لملامح المرحلة الحالية ، إن الصورة سوف تبدو قاتمة إذا قسنا أحداث اليوم بمقاييس ومعايير سابقة ، لأن ما يحدث اليوم ينبغي له أن يكون بموازين ورؤيا اليوم وليس بقوانين ومعايير ورؤية الأمس .
إن الأمر يتعلق بميدان وبطريقة جديدة تستأنف معها القوى الوطنية المعارضة والرافضة إعادة النظر من خلال تنظيم شامل ودقيق لميدان ممارستها ورؤيتها وخطابها السياسي والإعلامي ، وبشكل ينبىء عن وعى نظري وتطبيقي .
وعي ينطوى على فضاء سيبلور حتماً اطروحات ووسائل جديدة تعبر عن الاجماع الوطني من خلال رؤية سياسية ليبية ، وخطاب سياسي إعلامي مطلوب فى صلب هذه الرؤية يكون المجتمع الليبي هو الركيزة الأساسية للفعل التاريخى وقواه الاجتماعية المختلفة فى داخل الوطن تشكل أرضية وقاعدة الانطلاق ، ولابد لهذه الرؤية السياسية أن تتعرف ـ بصورة دقيقة ـ على التوازنات القائمة فى المجتمع الليبي ، وتلمس واقع هذه التوازانات وتستميل الحليف الأنجح والأقدر عبر خطاب مستمر يحث على التواصل مع مختلف قطاعات الشعب وكسب عطفه .
وبنفس القدر من الأهمية مطلوب لهذه الرؤية أن تحث على المواقف الحركية الشعبية داخل الوطن ، لأن الموقف الحركي هو موقف لتجمعات شعبية واسعة سوف تفرز بمرور الوقت قيادتها وشعاراتها وتبلور مطالبها .
والقيادات الداخلية وحدها هى التى سوف تشكل بادراكها للمتغيرات الدائرة حولها وتعبيرها عنها المحور الأساسي للانطلاق نحو التغيير .
لابد للرؤية السياسية أن تركز فى خطابها على أهمية الزج بالحضور الشعبي على الساحة السياسية الداخلية من خلال تدعيم وزيادة الوعى السياسى الشعبى والقيادى . والسعى بشتى الطرق على تفجير القوى الشعبية فى الداخل ودعوتها للخروج إلى الشوارع والساحات للتعبير عن رأيها ومواقفها تجاه سياسات وممارسات نظام القذافى . إنها وسيلة من أنجح الوسائل لإدارة الصراع مع السلطة ، وبدون مواكبة هذا الحضور والمشاركة الشعبية الداخلية يبقى احتمال بقاء العمل الوطني عملاً نخبوياً تتقذفه الأمواج من حين لآخر .
يواكب الرؤية السياسية مراجعة نقدية للخطاب الإعلامي السابق ، ويتم فى المستقبل الانحياز للعقل وليس للعاطفة وإلى الرصانة لا إلى ردود الفعل العشوائية ، وإلى صوت الحكمة وتغليب المصلحة العامة على أي منطق آخر .. لابد من توفير التحليل العلمى والموضوعى إلى جانب المعرفة ، وابراز الحقائق الموضوعية المتعلقة بالاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الليبي .
ومن المهم أيضاً أن يركز الخطاب الاعلامى على قضايا " المواطنة " باعتبارها ركيزة الانتماء الوطنى وعلى " الانتخاب " باعتباره من اهم حقوق الاختيار الحر للانسان الليبي ، و"حقوق الانسان " باعتبارها جوهر الكرامة الانسانية ومحور الحريات جميعها .
وعلى جانب الآمال والطموحات : إننا نعتقد بأن " نظام " القذافى يعيش حالة إشهار بالعجز أمام تحديات العصر ، وعدم قدرته على التوافق مع متطلبات الاستمرارية والتجديد السياسى فى البيئة الدولية ، وإن عوامل الاختراق الأجنبى والضعف المتزايد فى مواجهة المتغيرات الدولية تفعل فعلها تدريجياً فى بنية " السلطة " حيث تنمو عوامل التفكك والتفسخ الداخلى ، ولعل أوضح صورة لذلك كانت الانبطاحات العديدة والمتكررة أمام القوى الأجنبية التى تجره يوماً بعد يوم إلى استسلام مشين ومخزي .
وفى ضوء الظروف والمتغيرات الراهنة فأنه من الوهم الاعتقاد بامكانية استمرار التناقضات داخل صفوف القوى الوطنية المعارضة والرافضة إلى ما لا نهاية ، فلقد أكدت تجربة السنوات الماضية محورية اللقاء والعمل الجماعى بوصفه شرطاً مهماً لتحقيق الفاعلية ، وإن ذلك العمل الجماعي سوف يستمر يفرض نفسه على هذا الواقع الجديد مهما كانت تحديات "النظام" وأبواقه الدعائية .
ولاشك أن اعادة رص صفوف القوى الوطنية المعارضة والرافضة يتوقف على مدى النجاح فى صياغة عقد جماعى من أجل العمل الوطنى المشترك فى مواجهة " النظام " الدكتاتورى القائم فى ليبيا ، أخذين فى الاعتبار عاملين هامين :
الأول : ان يكون المؤتمر محدداً للمسؤوليات المنوطة بالقضية الليبية بين جميع الأطراف المشاركة به ، وان يكون فى نفس الوقت تأكيداً على الارادة الجماعية ، وان يتمكن الذين يتصدون للعمل الوطنى من المبادرة بافراز عناصر وقيادات جديدة تعمل بشكل جماعى بحيث تجسد وحدة المواقف والمبادرات العملية ، دون تجاهل للاشكاليات التى تطرحها قضايا العمل النضالى ، والنابعة أيضاً من خصوصيات القضية الليبية وتعقيداتها .
الثاني : ان يتمكن المؤتمر من وضع استراتيجية محددة تسعى لتجسيد طموحات وآمال الشعب الليبى فى الحرية وفى الحياة الدستورية الديمقراطية ، والتبشير بتحقيق اللحظة التى تولد فيها شرعية جدديدة فى داخل الوطن تستجيب لتطلعات الليبيين وتتناغم مع مقتضيات العصر . إن المؤتمر سوف يكون ـ بإذن الله ـ إنتصاراً للقوى الوطنية المعارضة والرافضة على اطروحات وسياسات القذافى الوهمية ، تلك الاطروحات والسياسات التى ما فتأ يدخلها فى حساباته السياسية ويصوغ حركته على أساسها والتى أثبتت الأيام ، يوماً بعد يوم ، فشلها وعقمها .
لتصدق النوايا ، وليسعى الجميع لإنجاح المؤتمر دون أن يرفع سقف التوقعات إلى درجة المبالغة والتضخيم ، ولا أن ينزل بالتوقعات إلى مستوى متدنى ومنخفض تفقد معه مصداقيته، وإنما ينبغى لهذا المؤتمر أن يكون واقعياً وموضوعياً فى الممارسة والطرح .
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()