
د/ جاب الله موسى حسن
07/05/05
|
موت الشعب من أجل القذافى!!
يقول شاعر كوبي من المغضوب عليهم من قبل النظام: من المعقول والمقبول جداً أن يموت رئيس من أجل شعبه، لكن من غير المعقول والمقبول أن يموت شعب ليبقى الرئيس. وهذا الكلام الشعري يلائم وينطبق على حالة واحدة لا تشبه غيرها،هي تلك التي يمثلها وجود القذافي على سدة الحكم ،وسط تكهنات تفضي نهاياتها إلى فكرة "موت الشعب من أجل القذافي" .وهذا طبعاً ليس تفسيراً للشعار البليد الذي ترفعه اللجان الثورية: "بالروح بالدم نفديك يا قذافي" وهو شعار تهريجي أطلق تعظيماً لكثير من الزعماء العرب. من هذا الكلام المفيد سأحاول الدخول إلى الكارثة التي يعانيها شعبنا الجريح في الوطن المكلوم وخاصة بعض الزيارات التي قام بها بعض الزعماء الأوربيين لخيمة العار مكافأة لنظام سرت الشر على دورة ألتجسسي لصالح المخابرات الغربية والتي كان أخرها مساعدة المخابرات الليبية في القبض على ما يسمى "أبو فرج الليبي" الهارب من العدالة الدولية، ممارسات تنقسم حولها الاجتهادات من قبل عدد من رجال المعارضة الليبية،التي تفضل حملة استمرار الضغط السياسي والاقتصادي حتى سقوط القذافي ،كما تقول بعض التخريجات!!
هناك بعض حالات تدفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع الصعب ، الشائك والمفجع ،والذي يحسب وقته بالموت أكثر مما بالأمل بالخلاص من حكم القذافي، الذي لا يعرف أحدّ حتى الأن كيف سيتم من خلال الضغوط الدولية ومنظمات حقوق الإنسان . الحالة الأولى الموحية بموضوع "شراء الوقت وفق منظور "نظرية شراء السلام " هي حالة المؤتمرات الثقافية والشعبية المدفوعة الثمن والتي تعقد في مناسبة وبدون مناسبة!! وفيها نسمع كلاماً يدعو إلى :التعالي على الجراح ، وإلى تجاوز المحن، وإلى تصافي النوايا، لكي تنقشع الغيمة الحالكة التي كدرت صفو سماء الوطن . والتي جاءت من جراء قتل الشرطية البريطانية عام 1984 وتفجير طائرة البانام فوق قرية لوكيربي عام 1988،وبعدها بتسع شهور تم تفجير الطائرة الفرنسية فوق صحراء النيجر عام 1989 . والتي مازال يدفع ثمنها الشعب الليبي من قوت أطفاله حتى كتابة هذه السطور.أما القذافي وجرائمه والتي من بين أهمها حصار الوطن وتشريد أهلة فلم يأت أحد على ذكرها في هذه الملتقيات الثقافية والشعبية التي تعقد على أرض الوطن!!فالرؤية العربية تتطلب أن نتهم أعداء العرب، وهم أعداء ليبيا، بينما،نترك القذافي صاحب الفضل في الفقر والعار الحصار والدمار !!
الحالة الثانية، تشرحها صورة المرأة الليبية التي تسأل ودموعها تغطي وجهها وصوتها المكروب، وهي تشير إلى أطفال مستشفى بنغازي وهم يموتون بمرض نقص المناعة "الإيدز" ولم يجدون لقاحاً ولا دواء يمنع عنهم الموت . وامرأة أخرى تكتب في مجلة عربية على لسان امرأة تتمنى وتدعو لكي تتحقق أمنيتها في دخول البحرية الأمريكية للأراضي الليبية لتحرير الإنسان من دنس الظلم والطغيان!!
الحالة الثالثة تتعلق بموقف المعارضة من هذه الظروف الموضوعية، وترتيب برامجها السياسية غير المعلنة على نتائجه. فحين يسقط القذافي نتيجة له فإن هذه المعارضة سوف تضع في التنفيذ برامجها لأقامة الحكم البديل الديمقراطي التعددي التحرري حسب الظرف الذي سيسود بعد السقوط!!
ويرى فريق أخر من المعارضة بأن الضغوط الدولية وفى مقدمتها ضغوط منظمات حقوق الإنسان هي الفرصة الوحيدة الممكنة لإسقاط نظام القذافي، ويتمحور عمل هذا الفريق و يتكثف عند هذا المسعى الذي يجد في حليفه العالمي القوى سنداً وقدرة على جعله ممكناً ،مع استمرارية التوجه والتفكير بهذه الفكرة، التي تؤكد على أن أية إمكانية تواصل دبلوماسي مع القذافى من قبل الدول الغربية ستعني حسب تفسيره، استحالة سقوطه، وأنه سيعود قوياً، وسيقلب طموحاتها السياسية رأساً على عقب، وهذا الفريق يعول على الدور الأمريكي في كل أسباب حضوره المعارض. ويرى فريق أخر وهو الأكثرية أن من الممكن لأفكاره أن تجد طريقا لتحقيق تلك الأفكار حول مد الجسور الاقتصادية والسياسية،على اعتبار أن التطبيع الاقتصادي مع نظام سرت الشر يعني إعادة الحياة إلى الشعب الليبي دون أن يعني هذا في حساباتها خوفاً من بقاء القذافي وزيادة قوته. ويرى هذا الفريق أن هذا الأمر لا يحول دون مواصلة العمل من اجل إسقاط النظام والبحث عن النظام البديل. فيما يرى فريق ثالث وهو الأكثر عقلانية أن مسالة التطبيع السياسي والاقتصادي تدخل في مجال قوانين وأفكار والدعوة إلى احترام حقوق الإنسان، لأن العزل الاقتصادي مفروض على الشعب وليس على القذافي، وهو يتصف بأبعاد تجعل من إمكانية تأكل وموت وخراب هذا الوطن وشعبه أمراً قابلا للتحقق وهو ما يحدث ألان فعلاً . ويقول هؤلاء المعارضون ،أن الحصار السياسي والعزل ينبغي أن يُطبق على القذافي وحكمه، لأن الحصار لم يقم بالأساس من أجل حماية الشعب الليبي من القذافي وانما من أجل إخضاع نظام سرت الإرهاب للقوانين الدولية نتيجة ممارسته للإرهاب الدولي. وقد أتيح للقذافي أن يستمر بممارسة القمع وارتكاب الجرائم بحق الشعب الليبي عبر أجهزته القمعية ،وبقى القرار الدولي حول احترام حقوق الإنسان في ليبيا يتيماً ودون رعاية كافية . كما يرى هذا الفريق أن العزل الاقتصادي لم يؤثر على حكم القذافي، وان الشعب الليبي وحده هو المتضرر من بقائه فقط، ولذلك فان إمكانية إسقاط هذا النظام بعد التطبيع الاقتصادي هي الإمكانية الأوفر من تحقق ذلك في ظل العزلة، حيث ينشغل الناس بالبحث عن أيام إضافية للعيش!!
ووسط هذه الآراء يسود تخبط تفرضه في الغالب مشاعر اليأس والإحباط غير انه بات من المؤسف أن نرى ونسمع الكثير من الشعارات لأطراف عربية ، وكأنها لا تدعو للتطبيع الاقتصادي من أجل أن يعيش الشعب الليبي حياة إنسانية تليق بحياته، وانما لكي يتحرر القذافي من ضغط هذه العزلة لينصرف إلى نضاله القومي ضد الإمبريالية الأمريكية، وتلح بعض هذه الأصوات المأجورة على أن الرؤية التي تنطلق منها هي وحدها الصحيحة لأنها تؤكد على الدور الصحيح لليبيا في المعركة القومية ضد الإمبريالية والصهيونية أيضا!! عجبي!!
ويمكن الزعم، أن بعض فصائل المعارضة وبخاصة تلك التي تعول على بقاء العزلة كسبيل لإسقاط القذافي لا تعرف أي شيء عن الخطط الأمريكية بهذا الصدد، ولا بكيفية تفكير الأمريكان في إمكانية النظام البديل ،ولا عن ردود الفعل التي ستعقب سقوط القذافي على صعيد الصراعات المحتملة في ليبيا ومن حولها!!
أن استمرار عزل الوطن عن المنظومة الدولية حتى بهذا الشكل الجزئي وبهذه النتائج سوف يترك أثارا مدمرة على بنية ليبيا بلدا وشعباً، وتلك الآثار تتراكم وتعمل على الأضرار بمستقبل هذا الوطن الذي تخلف عن الحضارة الإنسانية بأشواط بعيدة. وكرأي شخصي فإنني أتمنى أن تباشر الدول الغربية تطبيعها الاقتصادي والسياسي مع ليبيا ويتنحى القذافي عن الحكم، لأنني لا أؤمن على الإطلاق بأنه من المعقول والمقبول أن يموت الشعب ليبقى القذافي ، كما بات من الضروري أن يرفع كل الخيرين والذين يدافعون عن حقوق الإنسان صوتهم من اجل شعب ليبيا وسيساهموا بمنع موته المتسارع. وبالنسبة إلى من يفكر إنسانيا دون حسابات سياسية ومصالح خاصة ،فأنني أرى و أدعو إلى قراءة إنسانية مسئولة لفكرة العزل الاقتصادي والسياسي وكل التفاصيل المحيطة بنتائج تلك العزلة وعل كل الصعد. وستبقى مسئولية المعارضة بكل أبعادها رهنا بالموقف الإنساني والأخلاقي وتغليب ما هو حاجة ملحة للشعب الليبي، وإلا فسيكون من الممكن حتما أن نصدق كل الكلام الذي يقال عن كون المعارضة الليبية لا تعرف من الشعارات التي ترفع اكثر من الفائدة التي تجنيها من ورائها، وهذا ينطبق أيضا على رؤى دول الجوار لعزل الوطن وأسراره و كواليس القرارات التي تعمل على أدامته!!
د/ جاب الله موسى حسن
أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()