الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منتدى الكتّاب


12/05/05


 

 

 عصفور واحد لا يصنع الربيع !!

 

نسجا على منوال العلاقة التبادلية بين التأثير والتأثر بالبيئة والمحيط .. بدأت العجلة السياسية فى الدوران بحثا عن ربيع ليبيا.. وسعيا للحاق بمسيرة التغيير التى نجحت دول بحجم لبنان وبمستوى موريتانيا فى الإستفادة منها .. وحتى تكون المقدمة منسجمة مع النتيجة (لاحقا) لابد من التأكيد على أن تنوع أشكال الحِراك.. وتعدد وسائل التدافع فيه .. سمة إجابية وظاهرة صحية .. وحتما سيخدم بعضها بعضا ـ بصورة ما ـ فى حال تفهمها لخيارات ومسارات بعضها البعض . ورفض أي مظهر من مظاهر التدافع بحجة عدم توافقه مع مستوى فكري معين .. أو عدم تناغمه مع رؤية ما ( ولو كانت رؤية الأغلبية ) قصة هزيلة من المفيد أن تنتهي ليحل محلها القبول بمبدأ حق الممارسة.. مع الإحتفاظ  بحق الإختلاف معها.. وفق منطق مدني .. (*) .

 

ولكن يبدو أن هناك لغة تحاول أن تتسلل بشكل ما  لتغلق باب الإجتهاد.. وتصادر حق الأخرين فى الممارسة تحت ذرائع شتى .. لغة تبشيرية تشير الى أن الربيع القادم سيصنعه طائر واحد !.. وهذا لعمري خلاف المعهود.. فلا يمكن أن تصنع بهجة الربيع إلا أسراب متنوعة من الطيور.. وإلا فما سبب هذا الخريف المستوطن فى بلادنا لأكثر من ثلث قرن ؟! .. وما مبرر وجود هذه الأرتال السائحة فى أصقاع الأرض تكابد الغربة وأسقامها ؟!.

 

فلم يعد مُـتصورا  أن تكون سياسة الخوف من الرفض أو القبول .. أو حتى التعقيب على الأحداث جزء من المستقبل .. ولا يمكن أن يكون مشهد المثقف أو السياسي المرتعب من إبداء وجهة نظره جزء من الغد .. إنها صور من الماضي .. هكذا كانت .. وهكذا يجب أن يناضل المثقفون من أجل أن تظل .. فلا إقصاء تحت أي مسمى .. ولا تهميش تحت أي ذريعة .. وعبارة " لا صوت يعلو على صوت المعركة " شيء من الماضي الفاشل .. وغلق " باب الإجتهاد " خطيئة مشيخية يجب ألا تحظى بأي إحترام.. فمن أراد أن يحدثنا عن ليبيا المستقبل ويطمئننا على وضعيتها فليفعل ذلك منذ اللحظة .. فلا إستثناءات فى ممارسة قيم ومبادئ دولة القانون .. فالعمل على تفعيل تجمعات ليبية فى الداخل والخارج .. أو السعي لتطوير صيغ الإجماع الوطني.. أو التنافس فى تحقيق مكاسب سياسية .. والى ما هنالك !! .. من المفترض أنها حقوق مكفولة للجميع ـ بدون إستثناء ـ ما لم تتحول الى صنم يُطالب بأن تكون حقوق الأخرين جزء من قرابينه.

 

أعود للصوت النشاز صاحب النبرة المجترة من أزمنة " تجيير الخوف " لأشير الى احدى الظواهر التى رافقته ـ بالتوازي ـ بل وفاقته رعبا.. ألا وهي ظاهرة " التصنيف الإبتزازي " ـ إن جاز التعبير ـ .. فلا يمكن لعاقل أن يقبل أن تكون الممارسة الإجتهادية معيارا لتقييم الناس ( مع أو ضد).. لقد كان نضالا جماعيا تراكميا لمدة زمنية طويلة.. تعددت فيه الإجتهادات.. وإختلفت فيه الأراء.. وكنا نقول حينئذ هذا هو الحراك الطبيعي .. وصفقنا كثيرا عندما أصبحت عبارة " لا تخوين ولا تجريم فى الممارسة السياسية " جزءً من خطاب المهجر.. وكان مكسبا سياسيا كبيرا ؛ لاشك أن التفريط فيه ـ تحت أي مسوغ ـ سيعتبر تراجعا عن قيمة أساسية من قيم الغد .. ولعل عقلاء القوم يعلمون أن ما يتم هدمه فى ساعة قد يستغرق بناؤه سنين طويلة.. وفى تقديري أن هكذا قلق  لا يتعارض بتاتا ـ كما قلت ـ مع ظهور مناشط يتفق عليها مجموعة من الناس .. يؤمل أن يتم دعمها مِن مَن وافق على أجندتها ، ومِن من لم يوافق بطريقة حضارية تنزع الى التعاطي الإيجابي موافقةً أو رفضاً.. ولكنه يشير الى أنه لا حاجة لأن يؤصد باب الحِراك الليبي.. وتتحول ممارسة بعينها الى معيار لتصنيف الناس بطريقة متخلفة.. ولا أتصور أننا سنكون سعداء بمشاهدة من يضع خاتمته ( أو خاتمه).. ويصرخ : هنا نهاية التاريخ !!.

 

فالرغبة السادّية فى تصنيف الناس الى وطني وغير وطني ـ وفق معايير غبية وخطاب ديماغوجي ـ من المفترض أنها من الفرقعات التى إنقرضت مع إنتقال سكان الكوكب الى حقبة العولمة.. فالوطنية ـ كما النية ـ يا سادة .. متوفرة فى جل الأعمال .. ولكن لابد من الإعتراف بتعدد مظاهرها.. ولقد شاهدنا من كان ينزع الى اليمين وقد صار ينزع الى اليسار.. ومن كان ضمن الأغلبية الصامته داخل الوطن وإنتقل الى الأقلية النشطة خارجه .. ومن كان محسوبا على الخط الإشتراكي وتحول الى الخط الليبرالي ، وراقبنا جميعا كيف تحركت وسائل التغيير على سلم الأولويات.. فشاهدنا من كان سقفه بالأمس عاليا فأصبح اليوم منخفظا.. ومن كان سقفه بالأمس منخفظا فأصبح اليوم عاليا.. وهكذا هي طبيعة الحِراك السياسي السوي عندما يخلو من بهرج المزايدة.. لكون هكذا تحّول فى حجم ونوع ومستوى المطالبة سمة بشرية.. ونزعة إجتهادية لا تقدح فى وطنية ، ولا نية ، ولا ذهنية أحد.. وغالبا ما تنتج عن إختلاف فى زوايا القراءة للأحداث والمعطيات والإمكانيات.. وتجريمها يقع ضمن دائرة تجريم ما لا يُجّرم.. ومحاولة ربطها بالوطنية ـ صعودا أو هبوطا ـ يقع ضمن سلة أحاديث الإفك .

 

أيها الأصدقاء .. إننا سنفقد كل شيء عندما نفقد القيمة.. وسنخسر أنفسنا قبل أن نخسر بعض المكتسبات عندما نغمض أعيننا عن الفرق الشاسع بين محاربة الخوف وإستخدامه.. وسنفقد إحساسنا بعدالة قضيتنا عندما تتساوى خطايانا وخطايا خصومنا.. ولن نكون أوفياء لشعاراتنا إذا ما إنتهكت عند الصدمة الأولى .. وسنصاب جميعا بخيبة أمل إذا ما حلت الإنتهازية والوصولية وطأطاة الرؤوس .. محل قيم ومعايير التنافس الشريف .

 

أيها الأصدقاء .. إن من أوجب الواجبات السياسية حماية مناخ التعددية الفكرية .. والحفاظ على مساحة النقد البنـّاء قبل مساحة التصفيق .. هذا إذا كنتم تعتقدون بوجود فوارق جوهرية بين ما تطرحونه وبين ما يطرحه النظام .. ومن هنا فليكن حق الإختلاف مكفولا لكل ليبي سواء طلب ذلك ممن هم على منصات الشرف.. أو ممن هم فى الكواليس .

ومن كان بينكم لا يفرق بين الخلاف والإختلاف.. ويساوي بينهما فى النتيجة .. فلا مناص من تذكيره بدلا من مجاملته أو إستخدامه !.. ولا بأس ـ بعد ذلك ـ من الحديث طويلا عن كيفية إدارة الإختلاف فهذا مما أتصور أننا فى حاجة إليه.

 

ولنتذكر أن عصفور واحد لا يصنع ربيعا .. إذا كنا  نبحث عن الربيع الليبي المفقود .

 

والسلام

 

عيسى عبدالقيوم

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ـ شعرت بإفتقادنا  للدكتور عبدالرحيم صالح وأنا أرصف كلمات تلك العلاقة .

 

 

المقالات المنشورة بالموقع  تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع