
25/05/05
|
كلمات فوق الرماد!
" الثقافة والإعلام فى نظام ما بعد الجمهورية !! "
كلما رفع الإنسان صوته مطالباً بحرية الصحافة .. وتحرير الثقافة .. والكف عن مصادرة أحلام الناس بغدٍ أكثر إشراقا ومدنية .. ثارت فى وجهه أقلامٌ يجد المرء نفسه مضطرا لوصفها بالمستكينة .. وأول ما يسمعه ـ مباشرة أو من خلال مداخلات لشخصيات ألِفت مجاراة واقع غير محترم ـ هو قولهم : إنكم تعيشون فى المهجر ولا تعلمون شيئا عما يدور فى ليبيا خاصة فى الأونة الأخيرة.. وتبدأ المزايدة من نقطة الحديث عن دوران عجلة الإصلاح الثقافي !.. وأن الشارع الليبي بات يعيش ربيع حرية التعبير !.. ولعل من أمثلة ذلك ما ورد فى مقدمة مقالة الأستاذ / حمد المسماري المعنونة بـ " المشهد الثقافي الليبي وحكاية المزوغي" .. حين يقول [.. ويتمادى المتباكون على ثقافتنا الليبية ، وأكثرهـم صراخاً من لم يكن لهم ذات يـوم نتاج فكري مميز ولم نعرف أنهم كـُتاب إلا حيـن أطلوا علينا عبـر فضاءات الإنترنيـت المثيـرة .. يتباكون على الحريات المغتالة فـي صحفنا المحلية ..] (1).
وكذلك قرأنا محاولات أخرى إجتهدت فى مداراة الواقع الثقافي المأزوم .. وهذه المرة من القاهرة.. وما أدراك ما القاهرة .. أين يصير ظل الشيء مثله .. حيث كتب السيد / على غالب الترهوني تحت عنوان " الإستغراب عن بُعد أو الإستشراق عن قرب فى واقع الأمر " فى معرض رده على وجهة نظر من المهجر حول ما تتعرض له الثقافة فى ليبيا .. يقول [ .. ولكن ينطبق المثل القائل ان مغنية الحي لا تطرب. نحن في الجماهيريه لدينا تكريم خاص للمبدع والإبداع . ولدينا تقليد سنوي بهذه المناسبة..](2).
وإنطلاقا من هكذا تباين فى تقييم واقع الحِراك الثقافي .. وجدت أن أفضل ما يمكن عمله هو الإستماع الى هذه الكلمات التى أضحت فوق الرماد بعد أن كانت تحته .. والتى رددها ـ ويرددها ـ أناس يعيشون ويعملون داخل الوطن.. وهي فى تقديري كلمات لا تحتاج الى قراءة ما بين أو خلف سطورها .. فيكفي لكي تقف على حجم المعاناة أن تقرأ ذات السطور لتكتشف مدى التطابق بين وجهة نظر ليبيو المهجر.. وبين ما يشكو منه كتـّاب وصحفيو الداخل.. ولتتلمس حجم الحصار المفروض على الكلمة فى دولة من المفترض أنها تعيش حقبة ما بعد الجمهورية .
لعله ـ ومن خلال تأمل المقطع التالي من مقابلة أجرتها صحيفة " الخليج الإمارتية " ـ ستتكشف للقارئ المساحة الهزيلة جدا التى تركها مقص الرقيب الثوري ! للصحافة والثقافة في ليبيا ، حيث تم على يد الدكتور على فهمي خشيم تحديد ما أسماه بالمحظورات الخمسة .. بقوله ـ فى زمن العولمة والسماوات المفتوحة ـ [ .. إذاً لابد من وجود رقابة .. ولا أحد يمس أي كتاب ما دام لا يكسر المحظورات الخمس ، وهي الدين .. والجنس .. والنظام السياسي .. والنظام الإقتصادي .. واللغة العربية..] (3) .. ولك هنا أن تضع ما شئت من علامات تعجب وعلامات إستفهام لأن الأمر يستحق ذلك وزيادة .
عموما .. مما يجعل الكلمات التالية أقرب الى وصف " النص فى موضع النزاع " أنها جاءت على لسان كتـّاب ومثقفين وصحفيين يعيشون ويعملون داخل الوطن .. ويحاولون ممارسة حق الكتابة والتفكير بصوت مرتفع وفق الهامش الذى تنتجه أليات أدنى سقف ثقافي / صحافي فى عالم اليوم .. وعلى صفحات مطبوعات حكومية أو شبه حكومية .. فمن هنا جاءت كلماتهم ـ فى تقديري ـ لتضع النقاط على الحروف فى الحكم على واقع أقل ما يقال فيه أنه بدون ملامح ـ حتى نتجنب صفة السواد ـ ورغم ذلك يحاول البعض تسويقه على أنه واقع وردي .. عصري .. غير مسبوق .. ويحاول البعض الأخر التعامي عن مشاهدته .. و التغاضي عن إسقاطاته الخطيره على مستقبل الثقافة فى ليبيا :
ففى لقاء مع الأستاذ ادريس المسماري ـ فى 18 مارس ـ كتب يقول [ .. المشكلة من وجهة نظرى هي عدم وجود صحافة يومية وأسبوعية مستقلة (...) المشكلة مع مسؤولي الثقافة ، الذين لا يريدون الإعتراف بالمثقف المستقل ، فما بالك أن يسمحوا بمجلة مستقلة !..] (4).
ونقل الأستاذ سالم العوكلي ـ فى مقالة له يوم 27 مارس حول إزاحة هيئة تحرير صحيفة الشلال ـ عن أحد المتعاونين مع أسرة تحريرها قوله [ .. لتصبح الثقافة ـ مثلاً ـ في أيدي مجموعة شبه أمية لا علاقة لها بالثقافة أو الصحافة من قريب أو بعيد ولقد عانينا كثيراً طيلة الفترة الماضية من تدخل جهات في عمل الصحيفة وخطابها ، ليس لها أية علاقة بها !..] (5) .
وتحت عنوان " صحافة " كتب الأستاذ محمود البوسيفي ـ يوم 29 مارس ـ يقول [ .. متى يحين عتق رقبة الصحافة الليبية من وجهة نظر تنظيم الإتحاد الإشتراكى العربى ؟!.. متى تتوقف عجلة الجمود عن طحن وسحق طموحاتنا فى صحافة وطنية حقيقية يساندها قانون يسهم فى صياغته أهل المهنة ورجال القانون وربما الإقتصاد ؟! .. متى يصبح القارئ متلهفا على صحيفته ومجلته ودوريته وفصليته تصله بدقة إلى بيته ومكتبه أو يلتقطها من الباعة الجوالين أو من مكتبة تتجاور مع دكاكين الأحذية والأكلات السريعة والروائح ؟! .. صحافة وطنية تناويء التسيب والجهل والتفاهة ونهب المال العام.. صحافة تراعى وجه الله .. وسلامة الوطن ...] (6) .
وفى حوار مع الدكتور محمد المفتي ـ يوم 15 أبريل ـ تحت عنوان " لماذا هدرزة ؟! " .. كتب يقول [.. انطلاقا من أن الإختلاف لا يعني الخلاف .. لا يسعني إلا أن أناشد الجميع بالسعي لإلغاء الرقابة على المطبوعات التي أمست مسلكا لا منطقيا في زمن الإنترنت . كما أنه قد آن الأوان لأن نتمتع بصحافة مستقلة ..] (7) .
أما الأستاذ مفتاح العماري فقد قرأت له مقالا ـ يوم 24 أبريل ـ بعنوان " أوطان طاردة ".. يقول فى أحد فقراته [ .. وكأن الاختلاف في زاوية النظر لا يعد سبّة فحسب .. بل خيانة و مروقا وخروجا.. وهكذا أضحى مشهدنا الثقافي والإعلامي وفق هذه الآلية المختلة أكثر ارتباكا حين يقصي المختلف والمميز والمغامر خارج أروقته ..] (8) .
وكتب الصحفي ضيف الغزال ـ يوم 25 ابريل ـ فى مقالة بعنوان " لذلك لا يشرفني .. إعلان مقاطعة " يقول [.. كما أعلن رفضي التام لعضوية ما يسمى برابطة الأدباء والكتاب ورابطة الصحفيين والإعلاميين .. إستنكارا وشجباً وإحتجاجاً على كل ما ذكرته هنا وعلى غير ذلك من ممارسات وسلوكيات تقشعر منها الأبدان ..!! ] (9) .
وقرأت للأستاذ أحمد بللو ما نصه [.. صحافتنا تحديداً ليست بريئة ?? وليس ثمة مفر من مناقشة هذا الموضوع ولقد طرح الزميل والصديق " منصور بوشناف" في أسابيع موضوع " صحافتنا" وأشار إلى عدة نقاط مهمة ?? ولمس إلى حد كبير جوهر المسألة ?? الذي أدى بصحافتنا إلى هذه النمطية ?? وهذه السكونية ?? والتكرار المخلّ بصورة الحياة وتغيرها ?? والثقافة وتجددها ?? وغير " منصور" هناك الكثير من المقالات التى طرقت هذا الموضوع ولكنها كلها ذهبت " أدراج الرياح" ! ..] (10) .
وأخيرا قرأت تحت عنوان " هل نعلن موت الثقافة " ما كتبه الأستاذ / يوسف الشريف .. ومما قاله [.. نعم أنا يائس من مثقفي بلادي ومن أدبائها. ولي عليهم ما يؤجج الغيظ في صدري. يائس من أمانة كان رجائي منها أن تجمع ولا تفرق ، تحب ولا تكره ، تبشر ولا تنذر ، تنتمي ولا تتنصل ، تنحاز ولا تدين. ولكن سيمضي ما تبقى من العمر في انتظار أمنية هي أبعد من كوكب لم يكتشف بعد . لذلك ، وكما كنت من أول الداعين اليها عندما لم تكن ، فإنني الآن من أول الداعين الى الغائها. .. أنا المواطن يوسف الشريف أدعو الى الغاء أمانة الثقافة..] (11) .
فهل بعد ذلك يقال لنا أن ما يُطرح فى صحافة المهجر عن تردي حرية العمل الصحفي .. وإنتهاك لحرمة المساحة الثقافية هو مجرد إشاعات مغرضة (12) .. أوتقييم خاطئ ناتج عن العيش بعيدا عن الوطن الأم ؟!.. أم أن الوقت قد حان لوقف لعبة "الباب الدوّار" .. والإعتراف بحجم المعاناة التى يعيشها قطاع الثقافة والإعلام .. ولعل زمن الموقف من رجالات القطاع المخلصين (13) قد أزف .. من أجل غد مشرق .. وحاضر مشرّف .
لقد أصبحت الخطط الثقافية المعمول بها فى وزارة الثقافة طاردة للعقلاء.. ومانعة للإبداع .. وخانقة للمبدعين.. وإذا كان تقييم مثقفي الداخل لمشروع الإصلاح الثقافي ـ وهو الأهون ضمن قائمة الإصلاحات ـ بهذا الشكل المفزع الذى قرأناه فى الأعلى .. فكيف سيصدق الناس أن مشروع الإصلاح الإقتصادي أو السياسي الأكثر تأزماً وتعقيداً سيعرف طريق النجاح الحقيقي !!؟ .
ما تحتاجه الثقافة دعوة من نوع خاص .. تتجاوز كل مخلفات الماضي التى لازالت حاضرة فى أذهان بعض المتنفذين اليوم .. دعوة أسماها الأستاذ عز الدين اللواج بـ ( دعوة لإحترام الرأى الآخر والتخلص من براثن العنف الثقافى ) .
وسيبقى المثقف الليبي رهين المحبسين ( الخوف والمجاملة ) حتى موعد الربيع الحقيقي للكلمة الذى سيرفض فيه أحدثهم سنا وخبرة أن يزاول مهنة الكتابة والصحافة بمواصفات الحاوي الحاذق.. وبمعايير الردح على طريقة " هنا القاهرة " !! .
والسلام
عيسى عبدالقيوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1ـ نقلا عن صحيفة " ليبيا اليوم " يوم 27 مارس 2005م . 2ـ نقلا عن موقع" أخبار ليبيا " 21 فبراير 2005م . 3ـ نقلا عن موقع " أخبار ليبيا " 2 مايو 2005م . 4ـ5ـ6ـ7ـ8ـ 9 ـ نقلا عن صحيفة " ليبيا اليوم " فى التواريخ المشار اليها أعلاه . 10ـ نقلا عن المحلق الثقافي لجريدة " الجماهيرية " ليوم 6/5/2005م . 11ـ مجلة الملتقى .. نقلا عن موقع "اخبار ليبيا " يوم 15 مايو2005م. 12ـ وتحت هذا الرابط http://www.aljamahiria.info/Pages/thakafa/sofent.html .. ودائما ضمن أوراق صحيفة الجماهيرية الحكومية 5 /5 /2005م تجد إستطلاعا بعنوان ( ..ما حدث لمجلس تنمية الابداع الثقافي؟ !.. هل هو صراع بين أفراد جاء على حساب ثقافتنا ؟) وفيه تحدث كل من : كامل عراب .. سليمان الأحول .. يوسف بوسميئة .. رجب الماجري .. أمباركة زيدان .. أبوالقاسم المزداوي .. راشد زبير السنوسي .. خليفة حسين مصطفى .. عن المستوى المهين الذى تعامل به الثقافة .. وهي كما ترى أقلاما تعيش داخل الوطن.. وتكتب فى صحف رسمية .. وتتحدث ضمن أقل الأسقف المعروضة لمعالجة الأزمة الليبية .. وهو إستطلاع يستحق تعليقا مستقلا لكونه تطرق الى ما تتعرض اليها البنية التحتية لقطاع الثقافة .. تركته خشية الإطالة رغم انه فى صلب موضوع اليوم . 13ـ أنظر مقالة " نهاية المِيل الثقافي " على موقع " ليبيا وطننا " يوم 24/ أبريل 2005م .
· الأستاذ منصف البوري .. مقالاتك الأخيرة رائعة ومنحازة الى قيم ومنطق العصر .. غير أني أجد صعوبة فى قبول تعميم المسئولية فى المستوى السياسي .. فإذا كنا نقبل بتعدد الأراء والاجتهادات .. فلا بد أن يقابل ذلك إقرار بأن مسئولية كل إجتهاد تقع على عاتق أصحابه فقط فى حالة الفشل .. تماما كما سينفردون بقطف ثماره فى حالة النجاح .. وإلا فما الحكمة من وجود موافق ومخالف ؟! وما الفكرة من وراء حديثنا عن تعدد الأراء ووجود الأخر ؟!.. عموما كنا نأمل أن نتحدث عن حقبة الإستقالات المعللة عقب الجولات غير الموفقة بدلا من إعادة تأهيل ترحيل المسئوليات .. لك التحية والتقدير .
· الأستاذ د. الهادي شلوف : أتصور ـ وأرجو أن لا أكون مخطئا ـ أن ماتطرحه يحتاج الى تكوين مؤسسة تضاف الى قائمة مؤسسات المجتمع المدني لا الى حزب سياسي .. لأن مجمل طرحك أقرب الى برامجها من برامج الاحزاب السياسية التى يفترض أن جديدها قائم على مشروع مميز عما هو مطروح من قديمها على ساحة العمل الحزبي .. عموما أهنئك على جراءة العرض وأرجو لك التوفيق فى مسعاك .
· الإخوة / جماعة الإخوان المسلمين :عندما يقول ـ علنا ـ شخص بمكانة ومستوى ووزن سيف الإسلام القذافي بأن هناك قبولا من طرف جماعة الإخوان للعمل من خلال المنظومة السياسية الحاكمة فى ليبيا أتصور اننا على أعتاب مفصل جديد وخطير . وأن الأمر بات يحتاج الى إيضاح من طرفكم .. فقد أصبح من المحرج للجميع أن يكون المصدر دائما هو النظام .. فلا شك أن وجهة نظركم كأكبر فصيل سياسي على الساحة الليبية مهمة جدا لرسم ملامح الخارطة السياسية .. وفي تقديري أن ترسم بأيديكم أفضل للجميع من ان ترسم بأيدي غيركم .. وأكيد أننا نتفق على أن الغموض لا يخدم القضايا العادلة .. ولكم كل الإحترام والتقدير.
· السيد / شكري غانم : كلمتك لصحيفة الشرق الأوسط ( يجب ان لا نتوقف كثيرا حول ماذا يريد الناس) تعليقا على غضبهم من رفع الأسعار .. كلمة غير لأئقة من رئيس وزراء قيل أنه جاء من أجل الإصلاح .. فالذين لا تريد أن تتوقف عند إحتجاجهم هم شعبك الذي لم يتقاضى مرتباته منذ عدة شهور .. فشتان بين تصريحك وتصريح نظيرك الكويتي الذى بشّر شعبه بزيادة فى المرتبات نتيجة للطفرة فى أسعار النفط !! .. أولسنا من الدول النفطية التى طالتها بركة الطفرة الأخيرة يا سعادة رئيس الوزراء !! .. فهل نقرأ تصريحك على انه فشل فى فهم معاناة الشعب الليبي ؟ .. أم على أنه دليل أخر على انك مسيّر ولست مخّير !! .. ولا أدري لماذا تذكرت فى هذا اللحظة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيركم خيركم لأهله " !!!! .
· السيد / سيف الإسلام القذافي : نشرت لك وسائل الإعلام هذا اليوم تصريحا حول قرب صدور قانون يحرر الصحافة .. فتذكرت بأنه سبق لك وأعطيت وعدا بمثل هذه المواصفات لصحيفة الشرق الأوسط الصادرة فى 16 يوليو 2002م .. وتم تحديد الإنطلاقة على لسانكم فى نهاية ذات العام .. وها نحن على مشارف نهاية العام الثالث بعد التصريح ولم تولد نقطة البداية بعد .. ولعل ما ورد على لسان صحفيي وكتـّاب ليبيا فى الأعلى يدل على ان الأمر يزداد تفاقما .
|
المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
![]()