الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

06/05/05


 

جنسية الحدّودى (1)

 

رحم الله سيدى فرج حيا أو ميتا، فقد فقدت الإتصال به منذ زمن بعيد ولا أدرى ماذا فعل الله بأمره، غير أن صورته فرضت نفسها على ذهنى فى الفترة الأخيرة بشكل مكثّف، ربما بسبب ما عرفته عنه من إكتسابه لمهارات وقدرات، لا يتم تدريسها فى أى جامعة، وتحطمت كلها، كما تحطم غيرها، بعد (الفاتح من سبتمبر).

 

وربما كان بروز صورته فى ذهنى الآن بسبب رغبة دفينة لدّى فى الإستعانة بمهاراته لإنجاز عمل هام، طال تأجيله، وأخشى أن لا ينجز قريبا على الوجه الأكمل.

 

كان سيدى فرج أول رجل أراه يتحدى سلطة والدى، والتى كنت أعتقد أنها لا تقهر، عندما كنت فى التاسعة من عمرى وأرافق الوالد فى رحلاته المكوكية بين مدينتى بنغازى وتوكرة.

 

حدث ذلك فى دكان فى شارع الجطلاوى المتفرع من شارع (بو غولة) قرب الفندق البلدى بمدينة بنغازى، وعلى واجهة الدكان كانت هناك يافطة تحمل إسم (مكتب شركة الحافلات البرقاوية) وأمامه تقف حافلة ضخمة كنا ننوى ركوبها لتقلنا إلى توكرة ثم تواصل رحلتها إلى المرج، وقد حدث جدل بين والدى والسيد فرج حول قيمة تذكرتى، فسحبنى الثانى فجأة من ذراعى و(لطعنى) على الحائط الداخلى لذلك المكتب حيث كانت توجد مسطرة لقياس طول الركاب من أمثالى، ومن ثم تحديد قيمة تذكرة كل منهم، ففى ذلك الوقت فى ليبيا كان (كل شئ بميزان)، وهو أفضل حتما من ثقافة العراك السائدة فى حياتنا الآن.

 

ولقد حاولت لحظتها أن (أنكمش)، وذلك ليس فقط لدعم وجهة نظر والدى (فقد كنت من النجباء الذين تعلموا فى ذلك الوقت مقولة: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فما بالك بالوالد؟)، ولكننى حاولت (الإنكماش) لتفادى تقريعه لى بعد ذلك وإتهامى بأننى لم أعمل ما فيه الكفاية من أجل الحصول لى على تذكرة مخفضة!

ولا يهمنى الآن نتائج محاولتى (الإنكماش)، فقد نسيت ذلك.

 

وفى أوائل الستينات إستقر المطاف بأسرتى فى مدينة بنغازى، وتجددت علاقتى مع سيدى فرج، ولكن بطريقة أخرى، فقد أصبح هو (الزبون) عندى، وذلك عندما بدأت العمل فى مقهى (خيرالله) حيث يجلس السيد فرج، بعد إنقضاء يوم عمله الشاق، فأقدم له قهوته (القد قد) وشيشة بالتبغ (المعسّل) الذى كنا نستورده من مصر، أو نصنعه محليا فى بعض الأحيان عن طريق خلط التبغ الليبى بالعسل الأسود الذى كان يأتينا من مصر أيضا!

 

كان مقهى (خيرالله) يقع فى الجهة المقابلة لمكتب شركة الحافلات البرقاوية، والذى تحول إلى وكالة سفريات عامة، أى (جنسيّة) كما نقول بلهجتنا الليبية، وبما أن السيد فرج كان هو الذى يديرها، فقد أصبح إسمها (جنسيّة الحدّودى)، وإكتشفت فيما بعد أن بعض الإخوة من منطقة درنة ينطقونها (جنسيّة الحدّوثى)، وذلك بغض النظر عما تحمله اليافطة المعلقة على واجهة ذلك الدكان من أسماء وصور لوسائل النقل المختلفة.

 

وقد أتاح لى موقع ذلك المقهى فرصة مراقبة عمل السيد فرج عن كثب، لقد كان الرجل بارعا فى جمع الركاب من كل نوع، بدو وحضر، رجال ونساء، متعلمين وأميين، صغار وكبار، وربما كان بينهم يهود ليبيون أو أمازيغ أو أناس من أصول تركية أو يونانية أو إيطالية، أو من مواليد إحدى دول الجوار لأب، أو أم، من الليبيين الذين هاجروا من ليبيا إبّان فترة الإحتلال الإيطالى لها.

 

المهم أن كل مجموعة من الركاب قد وحّد بينها نقطة الوصول التى يرغب كل مسافر فى الوصول إليها، وكان دور السيد فرج هو التوفيق بين عددهم ورغباتهم، وقدرتهم أو إستعدادهم للدفع، ثم حجم ونوع السيارة أو الحافلة التى ستقلهم، وأخيرا العمل على إيجاد السائق وإقناعه بأخذهم فى الرحلة، والتى قد تكون فى بعض الأحيان غير مناسبة للسائق لأنها ليست فى إتجاه محل إقامته، أو أن عدد الركاب أقل من العدد الذى تستطيع مركبته إستيعابه، وبالتالى تتم عملية (مقاصة) غير عادية، إذ يدفع الركاب بالتساوى بينهم قيمة تذاكر الكراسى الشاغرة، وذلك لكى تنطلق الرحلة بدلا من تضييع الوقت فى إنتظار راكب أو إثنين قد لا يحضرا.

 

ولم يكن العمل فى جنسيّة الحدودى يخلو من العراك فى بعض الأحيان، ولكنه كان عملا ناجحا، فالركاب وسائقوا السيارات يأتون إلى الجنسيّة، ويتفقون (برعاية السيد فرج) على الهدف والتفاصيل، ثم تنطلق الرحلة.

 

وفى منتصف الستينات، حيث تركت العمل فى مقهى خيرالله، إنقطعت علاقتى المباشرة بسيدى فرج، غير أننى كنت أسمع عن أخباره من حين لآخر، فقد طور الرجل عمله وإنتقل بجنسيّته من شارع الجطلاوى إلى ميدان فسيح خلف الفندق البلدى وبدأ يتخصص فى تسيير الرحلات إلى جمهورية مصر.

وعندما كنت مع إثنين من زملائى ندير ورشة لإصلاح السيارات فى أحد الشوارع الجانبية المتفرعة من شارع عمرو بن العاص فى بنغازى، جائنا سيدى فرج طالبا منا إصلاح سيارته المرشيدس بعد أن ترجل منها وأصلح من وضع معطفه (الكشمير)، فتغامز ثلاثتنا على مظاهر النعمة التى كانت بادية عليه، إلا أن الرجل كان غاية فى التواضع المعهود فى الليبيين فى ذلك الوقت، مهما بلغوا من ثراء أو جاه، فقد ذهب بمعطفه (الكشمير) إلى أقرب مقصف أحظر لنا منه سندوتشات للإفطار، وجلس بمعطفه (الكشمير) فى مكتب الورشة المتواضع وأعد لنا الشاى عندما كنا منهمكين فى إصلاح سيارته (المرشيدس)!

 

وعندما تم إصلاح السيارة وتجربتها بنجاح، طلب منا السيد فرج أن نمنحه تخفيضا فى أجرة الإصلاح مقابل أن يوصى بورشتنا لدى سائقى السيارات الذين يترددون على (جنسيّته)، فنظرنا ثلاثتنا إلى بعضنا وتبادلنا إبتسامات متفق عليها فيما بيننا، وكان له ما أراد، ثم كان لنا ما أردنا، دون مؤامرات أو دسائس.

 

وفى السبعينات، أى فى فترة (وحدة ما يغلبها غلاّب) بين مصر وليبيا، وسّع الرجل نشاطه وإتخذ له مكتب سفريات بمنطقة (الشّابى)، وقيل أنه فتح مكتب سفريات بميدان العتبة فى القاهرة، وبالرغم من إنقطاع إتصالى المباشر به فى تلك الفترة، إلا أننى كنت أتذكره من وقت لآخر، وأحاول تصور ما حققه من نجاح فى عمله على تسيير رحلات (الروميس) بين ليبيا ومصر، وكنت فى كل مرة أقول لنفسى: إنه عصامى مكافح، زاده الله خيرا.

غير أن تلك الصورة الوردية التى رسمتها لحالة السيد فرج، إنقلبت فى ذهنى إلى صورة مناقضة لها تماما، وذلك عندما سمعت بوقوع الحرب بين مصر وليبيا وإغلاق حدود ومطارات البلدين فى وجه المسافرين وإضطرار أغلبهم إما لإلغاء فكرة السفر، أو محاولة التنقل بين البلدين عن طريق اليونان وتحمل ما يتطلبه ذلك من دفع مبالغ طائلة لشركة (أوليمبيك)، إضافة إلى إرغام كل ليبى ينزل بمطار القاهرة على (التبرع) بعشرة جنيهات لصالح المعارضة الليبية فى مصر، ثم الخضوع بعد ذلك لتحقيقات أمن الدولة المصرى، وعلى الجانب الآخر، فكل ليبى يصل إلى بلاده قادما من مصر، يخضع أيضا لتحقيقات أمنية ليبية.

 

مسكين سيدى فرج! قلت فى نفسى، عليه الآن أن يكتفى بتسيير رحلات (الروميس) داخل ليبيا، والقناعة بما يحققه ذلك من دخل متواضع، غير أن هذا العزاء الذى تطوّعت بإختياره للسيد فرج لم يكن فى الواقع سوى ذلك النوع من التخدير الذى تعود عليه الليبيون منذ ذلك الإثنين الأسود*، وقد أكّد لى صحة هذه الفكرة ما سمعته بعد مدة، من أن السيد فرج قد ترك مكاتب السفريات وأصبح سائق تاكسى!

 

سبحان الله والحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه! فالليبيون يتساقطون، ومنذ (الفاتح من سبتمبر)، فى هوة سحيقة، وبسرعة رهيبة، وكل منهم يقول لنفسه، أو للآخر: انظر تحتك تستريح، أى قارن مأساتك بأكبر منها، وستجد العزاء!

فمن فقد عمله، مثلا، يقول الحمد لله لأنه لم يسجن، ومن كان سجينا، يقولون عليه، الحمد لله لأنه لم يعدم، ومن فقد عزيزا عليه، يقولون له: البركة فى الباقين، وهكذا، أو كما قيل: يا نفس لا تراع!

 

كنت غارقا فى تلك الأفكار عندما جلست فى مكتبى المغلق أثناء تأديتى لعملى بأحد أكبر مصانع ليبيا، الذى تم تأسيسه بجهود وأموال القطاع الخاص**، وحولته (الثورة) إلى قطاع عام يعج بالبيروقراطية والثوريين وحملة الكلاشينكوف!

 

وحاولت ساعتها الربط بين مصير سيدى فرج (فى مجاله) ومصير تلك النخبة من رواد ليبيا الأوائل الذين أقاموا ذلك المصنع وما آل إليه حال كل منهم، غير أن الأصوات التى تعالت فى الممر أمام مكتبى قطعت حبل أفكارى، فقد سمعت سائلا يقول: أين مكتب الفيتورى؟ وإعتقدت أننى أعرف صوت السائل، غير أننى لم أستطع أن أتذكر صاحبه! ورد عليه صوت آخر: إنه الثانى على يمينك!

 

وفى جزء من ثانية لم أنتبه إلى طوله، تم طرق وفتح باب مكتبى بتوالية ميكانيكية لم ينتظر فيها الطارق الإذن بالسماح له بالدخول، ولم يكن ذلك غريبا علىّ أثناء تأديتى لذلك العمل، غير أن الغريب، أو المفاجأة، هو أن الطارق الداخل كان سيدى فرج!

 

وبعد السلام بالأحضان والسؤال عن الصحة، وبقية المجاملات التى تعودنا عليها فى ليبيا، قمت، وبدون أن أسال ضيفى، بطلب قهوة (قد قد) له من مقهى إدارة المصنع، مع علمى المسبق بأن تلك القهوة ليست فى مستوى القهوة التى كنت أقدمها له فى (مقهى خيرالله)، وكان عزائى أن كلانا يعرف أن الجودة فى ليبيا قد هبطت منذ سنوات طويلة، وفى كل المجالات، بما فى ذلك القهوة الـ(قد قد).

 

فما الذى كان يريده سيدى فرج من زيارته لى فى المكتب؟ ولماذا أكتب عنه الآن؟

هذا ما سأقوم بتوضيحه فى الحلقة القادمة، وأرجو من القراء الكرام ألا يعتبروا أن هذا الموضوع مجرد قهوة (قد قد)، كما فسّر بعضهم مقالى السابق على أنه مجرد (فاصوليا بالكرشة) أو (كرشة بالفاصوليا)!

 

فإلى لقاء قريب

 

حسين الفيتورى

Feitouri@Hotmail.info

ــــــــــــــــــــــــــ

*) الموافق 1 سبتمبر 1969.

**) (الثورة) تريد بيعه الآن للقطاع الخاص، بعد خراب مالطا الذى دام ستة وثلاثون عاما!

 

 

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.