
16/05/05
|
السجين المنسى
جلست على الكرسى المستطيل الذى تبرع به مصرف القرية التى أعيش فيها لتلك الحديقة (الشعبية) المطلة على بحيرة صغيرة.
كان اليوم دافئًا، فذكّرنى بأيام ربيع ليبيا الحبيبة، وكان الجو صحوًا، فتمكنت من أن أرى ما وراء البحيرة، أما خيالى فقد سرح إلى أبعد من ذلك.
وقطع حبل أفكارى رجلٌ مسنّ حيّانى بلغة أهل البلد وجلس إلى جانبى، فرديت عليه التحية بفتور وقلت فى نفسى: اللعنة، ألا ترى أن المكان مليئًا بى وبأفكارى؟ إنهم يقولون أن فى هذا البلد حرية، ولكننى لا أستطيع أن أقول لهذا العجوز: اذهب وابحث لك عن كرسى آخر، يا لها من حرية!
إن الحرية أيضا موضوع نسبى، قال العجوز بصوت خافت. فإستغربت لقدرته على قراءة أفكارى، وشعرت أننى أعرف نبرات صوته من قبل، فإستدرت قليلا لكى أنظر إليه، وكدت أن أُصْعق، فهو يشبهنى تماما!
وبطريقة تلقائية، حاولت بسرعة أن أخرج نظّارتى الطبية من جيبى، لكى أتمكن بمساعدتها من التفرّس فى قسمات وجهه بشكل أفضل، فقال لى: دعك من إستخدام النظارة الآن، فإنها ستساعدك فقط على التأكّد من أننى أنتَ، وبالتالى فإنك ستشعر بالمزيد من الوِحدة.
أسقط فى يدى، فقلت للعجوز، أو لنفسى: يا إلهى! أهذا ما أحتاجه فى هذا اليوم الجميل؟ وذلك على أمل أن يتركنى ذلك العجوز وشأنى، فآخر ما كنت أحتاج إليه فى ذلك اليوم هو الدخول فى حوارٍ مع حسين الفيتورى، ولكنه كان عنيدا كعهدى به، فلكزنى بمرفقه وقال: هل أصبحت رومانسيًا إلى درجة تتغنّى فيها بجمال الطقس وترفض جلوسى وحديثى معك؟
فقلت له: ولمَ لا؟ فلم يبقى فى العمر الكثير، والجلوس معك أصبح من الأشياء التى مللتها، أما التمتع بقسط من جمال هذا اليوم فقد يساعدنى على إنجاز عمل مثمر.
قال لى: دعك من ذلك، فعن أى عمل مثمر تتكلم، لقد أطلّعت مؤخرا فى صفحات الإنترنت على محاولتك الشعرية الأخيرة، وقد كانت مليئة بالأخطاء...
قلت على مضض: نعم، أعترف بأن بها أخطاء أوزان وقوافى، ولكننى لست شاعرا على أية حال، وسيبقى ذلك العمل مجرد محاولة، وأفضل من لا شئ...
ولكنك بدل الحديث فى تلك المحاولة عن الطقس الجميل، وهو أسهل، فقد تكلمت عن أبا القوانين...
فقاطعته قائلا: يا إلهى! لقد تكلمت كثيرا، وعن أشياءٍ كثيرة...ولكن...، ونهضت بسرعة البرق من مكانى وبدأت أجرى فى إتجاه البيت الذى أسكنه، وبسرعة لا تتناسب مع سنّى وقدرتى على العدو، تاركًا ورائى ذلك العجوز العنيد، جالسًا على الكرسى المستطيل، وهو يصرخ خلفى: إلى أين؟ ماذا دهاك؟
قلت له دون أن ألتفت خلفى: إلى البيت، أريد أن أكتب مناشدة عاجلة للإفراج عن سجين!
فصرخ قائلا: أهو سجين جديد؟ هل هناك حملة إعتقالات جديدة؟
قلت له بصوت عالٍ أزعج زوّار تلك الحديقة (الشعبية): لا، إنه سجين قديم، حبسه القذافى منذ عام 1969 ونسيَه المعارضون!
فصرخ مرة أخرى، وكأنه أحد المدافعين عن حقوق الإنسان: وما إسمه؟
ولأننى كنت قد إبتعدت عنه، فقد صرخت بصوت أعلى: إسمه دستور ليبيا، وهو من مواليد 1951 ... !
حسين الفيتورى
|
المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
![]()