
30/05/05
|
إلى أصدقاء الوطن الغالي (1)
صديقي طيار مقاتل .. ( 1-2)
محمد علي الكرغلي
كنا مجرد تلاميذ نشعر بالبهجة والسرور والفرح والجهل أي جهل الأطفال و براءتهم المعهودة, كنت وأصدقائي بعد خروجنا من المدرسة وفي طريق عودتنا إلى البيت نحكي ونحلم معا بأوقات قضيناها واوقاتا سوف تأتي وهي ركيزة حلمنا الوردي الطفولي البريء وكان كلا منا يحكي عن أحلامه البريئة وماذا يمكن أن يكون بعد أن يكبر ويصبح رجلا يشار له بالبنان .
قال احدنا وهو على الدوام يذكر حلمه الجميل بكثير من البهجة والتفاؤل وانه عندما ينظر إلى السماء ويرى الطيور والعصافير تنطلق وتطير وتسبح بكل حرية وسلاسة , ويرى أيضا تلك الخطوط البيضاء التي تشق السماء وبمقدمتها ذلك الشئ الصغير جدا والذي كان دائما يتساءل كيف له أن يرسم ذلك الخط الأبيض في تلك السماء الزرقاء وبهذا الشكل المذهل وهو شئ لا يكاد يذكر لصغر حجمه , فكان كثيرا ما يحدق بالسماء عندما يمر ذلك الشيء الصغير ويكمل حديثه مستفسرا ماذا يكون ومن أين جاء ولماذا لا ينزل إلى الأرض , كان حديثه طويلا عن السماء والطيور والطائرات وأيضا كانت ألعابه ورسوماته كلها طائرات وطيور وسماء وسحب , وكنا عندما نلعب بهذه الألعاب يصر على أن يكون هو كابتن الطائرة المقاتلة , وكلا منا له لعبته المفضلة والتي تجسد حلمه.
كبرنا وأصبح حلمه هو هاجسه مستوليا على عقله وتفكيره فقرر أن يحقق هذا الحلم الكبير وان يكون طيار مقاتلا يطير ويحلق ويقاتل في تلك السماء العظيمة ولكن كيف له ذلك ومن أين يبدأ مشواره في البحث عن هذا الحلم وتحقيقه, ولكن من حسن حظه لم ينتظر طويلا فقد جاءه مبتغاة على طبق من ذهب وهو جالسا ببيته يشاهد قناته الوحيدة آنذاك وهي إذاعة الجماهيرية القذافية الخضراء حيث أوقفت بث برامجها المعتادة وبثت إعلانا طويلا مفاده أن القوات المسلحة الليبية تعلن عن قبول طلبات لطيارين وفنيين ليبيين ومن يجد لديه المؤهلات المذكورة يوافينا بها بالعناوين التالية وان يصطحب معه كل المستندات المطلوبة على أن يمنح الطالب أو الطيار وعند التخرج المزايا التالية .... , فلم ينتظر صديقي نهاية الخبر بل انطلق مسرعا إلى والده ليعلن رغبته الجامحة بالالتحاق و أن يكون احد طياري القوات المسلحة الليبية حتى يحقق حلمه , فذكر له والده بأنه سوف لن يكون له التمتع بالحياة المدنية و أن حياته سوف تكون على المحك أي عسكرية تتبع أوامر وضبط وربط أي أن حياته سوف تنقلب رأسا على عقب وفق هذا الاختيار المصيري الحاسم , ولكن حلمه وفرحته بهذا الخبر أو الإعلان أنساه كل المحاذير والنصائح ولم يعد يلوي على شي إلا المضي قدما نحو هذا الحلم وتحقيقيه.
يحكي لي صديقي ألان مختصرا آلامه وجروحه وغصته عن حلمه وحياته المنهارة بعد مضي أكثر من خمسة وعشرون سنة قضاها طيارا مقاتلا للطائرات الميغ الروسية 21, 23, 25 والصوخوي والنقل وغيرها قد زج به و بزملائه الطيارين بعمليات جوية فاشلة من حرب تشاد إلى أطراف السودان ومصر ثم إلى مواجهات غير مخطط لها وغير متكافئة مع الأسطول الأمريكي بطائراته المتقدمة, او الاشتراك باستعراضات جوية بالأعياد الوطنية والثورية, ويحكي عن هذه العمليات بشديد من الأسى والحزن الممزوج بالحسرة والغضب ذلك لأن تلك الأوقات هي ركيزة عملهم العظيم للدفاع عن سماء وطنهم من كل الأعادي كما قيل لهم , والحق يقال كما ذكر على قلة الإمكانيات وتلك الطائرات العجوزة المتهالكة كانوا وبشهادة طياري الأعداء والأصدقاء بان لهم من البراعة والشجاعة ما تفوق حتى طياري القوات الأمريكية المدللين ..!
طيار مدلل .. تعني ولما لهذه المهنة الخطيرة من أهمية كبيرة لدى أي دولة بالعالم فهناك ترتيبات خاصة وحياة أكثر خصوصية , فناهيك عن حياتهم العامة والتي تتعلق بالراتب والسكن والحوافز والصورة الاجتماعية المحترمة و أماكن قضاء أجازاتهم السياحية وغيرها من تلك الأشياء فهناك حياتهم والتي تتعلق بعملهم الهام وكيفية القيام به على أكمل وجه والمتمعن يرى بان كلا منها مرتبط بألاخر ارتباط وثيق ولندع صديق يكمل غصته.
قيل لنا وعند تخرجنا سوف ننال سكنا مريحا ( فيلا) مؤثثه وسيارة جديدة وراتبا كبيرا وأجازات نقضيها في أي مكان نختاره وأشياء ومميزات كثيرة وعدنا بها ولكن كل ذلك كان مجرد أكاذيب وأبر مخدرة ووعود فارغة قد فرضت علينا فيما بعد حياة بائسة حيث أصبحت رواتبنا المتواضعة جدا في مهب الريح فقد كنا نتقاضاها بعد اشهر مريرة من المعاناة والصبر, والسكن فحدث عن هذا الأمر ولا حرج فقد سكن البعض منا بشقق متواضعة جدا قد تم شرائها بمدخرات الزمن الغادر وسيارة قديمة قد تعمل يوما وتنتحب أياما فلم يكلفوا أنفسهم حتى بتوفير المواصلات للوصول إلى عملنا بل اضطررنا في الكثير من الأوقات من استجداء هذا وذاك لتوصيلنا , فكانت جيوبنا خاوية وبطوننا فارغة وأرجلنا متألمة وعقولنا مجهدة مما اضطرنا ذلك إلى العمل الإضافي حتى نسد احتياجاتنا فمنا من عمل ميكانيكيا للسيارات وليس للطائرات ومنا من عمل تحت قسوة الظروف كسائق لسيارة أجرة وآخر لتركيب صحون الستالايت والكثير من الأعمال والتي كنا نخجل أمام الناس من ذكر بأن عملنا الأصلي قادة لطائرات مقاتلة, قلة التفرغ وسوء الحياة المعيشية وقلة التركيز تسبب كل ذلك في الكثير من الكوارث المفجعة الحزينة لأصدقاء ذهبوا عنا ولم يعودوا فهذا يجبر تحت الأوامر الغبية على قيادة طائرته وفورا بدون أن تعطى له تلك الوجبة الرئيسية عند قيامهم بالطيران وما يسببه ذلك من تغير الضغط على الجسم والدورة الدموية مما ينتج في الغالب فقدانا للوعي ويؤدي بسقوط الطائرة والطيار بكارثة لا يذكرها إعلامنا ولا جرائد القائد ابومنيار وكأن من سقط ومن انتقل إلى رحمة الله لا قيمة له بل يعاني أهله الأمرين فقدانه من جهة وسوء حالهم المعيشي من جهة أخرى حيث لا مستحقات تدفع ولاهم يحزنون بل مجرد قطرات تصب لا تكفي شخصا لمدة أسبوع, أو الأخر قد فقدناها لسبب وجميعنا يعرفه هو طيرانه فوق السحاب و حياته تحت الأرض فكان يعاني كثير من المشاكل واحدها جيبه الفارغ وانتظار أبناءه عله يعود إليهم محملا ببعض الرزق والحلوى حيث فارقت محياهم الجميل تلك الفرحة منذ زمن لأن الوالد لم يستطع تلبية حتى القليل من تلك الاحتياجات , فكيف له أن يركز بقيادة تلك الطائرة الضخمة والعنيفة والخطأ القاتل يقدر الزمن فيه بأقل من الثانية , لم يعد إليهم محملا بالحلوى بل محمولا على نعش مودعا حياته البائسة الحزينة. سكت صديقي وهو يحدثني ....
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()