|
صديقي طيار مقاتل .. (2-2)
محمد
علي الكرغلي
سكت صديقي وهو يحدثني ووجهه تعلوه مسحة من حزن عميق وغصة قد أوقفته عن سرده
لمعاناته وهمومه, ولكن أحببت أن يكمل تلك المعاناة حتى يخرج ما بقلبه ويرتاح فهذا
نوع من أنواع العلاج النفسي لتلك الأنفس المرهقة والتعبة والممزقة, بعد إلحاحي
عليه بالاستمرار هز رأسه علامة الإيجاب وقال تعرف يا صديقي وعلى وجهه مسحة أخرى
لم أعهدها عليه ففيها من ذلك الحلم الجميل فقال لم احكي لك من معاناتي ولا حياتي
البائسة الا القليل لأنني قد نظرت حولي فوجدت كل الناس لديها من الهموم والمتاعب
ما تنؤ بحمله الجبال في دولة عصر الجماهير والقهر , بل مع كل هذه الآلام
والمعاناة كنت من أسعد الناس عندما تصدر الأوامر القيام بعملية طيران أو
الاستعداد لـتأدية الواجب والدفاع عن سماء الوطن الغالي حتى أنسى كل همومي
ومتاعبي وحياتي على الأرض وأنسى حتى حياة القهر والإذلال من النظام الظالم وقائده
المأفون ابومنيار ... نعم أنسى كل ذلك ولا تهمني إلا غاية واحدة هي سماء بلدي
الحبيب.
حسرتنا الكبيرة وفاجعتنا الأكبر هي تلك الأوامر العليا الكارثية وأقصد العليا هنا
أنها جاءت من قبل من دمر بلدي وقتل شعبي سيادة العقيد المبجل , هذه الأوامر عندما
قررت أمريكا في عصر ريجان ضرب ليبيا سنة 1986 أو ما يسمى بالغارة الأمريكية على
ليبيا , لن أننسى ما حييت هذه الأوامر وكنا نعلم علم اليقين بأن أمريكا سوف تضرب
ضربتها الجوية وكنا نعرف حتى الوقت وبالتحديد ولكن تلك الأوامر المدسوسة قد
قيدتنا وألجمتنا وأقعدتنا مع القاعدين لن نطير لن نتحرك لن نتكلم بل اعتقد الكثير
منا بأن إصدار تلك الأوامر وبهذا الشكل يؤكد عدم ضرب أمريكا لليبيا في تلك الليلة
بالذات وكان اعتقادنا خاطئا ومفجعا ومفزعا لأن أوامر وبهذا الشكل لا تأتي إلا من
العدو نفسه لأن من فعل ذلك أراد ذلك أي أراد هذه الضربة وهذه التضحيات وكأن كل
ذلك مرتب له بليل حالك مع خونة وعملاء وعلى رأسهم العقيد معمر ابومنيار ألقذافي ,
تم ضربنا بقواعدنا وطائراتنا جاثمة على الأرض وأكثرنا كان يغط في نوم عميق فكانت
الكارثة والذهول .. صمت صديقي الطيار ليلتقط أنفاسه متحسرا متألما حزينا ..., كنا
نهرب من القذائف والصورايخ والنيران , فوضة عارمة و رعب شديد لم أشهد مثله والتي
ارتسمت على وجه احد الضحايا في تلك الليلة الكالحة المفجعة, كنا نجري متجهين نحو
أماكن الاختباء الأرضية و لشد ما أغضبني بان طائرات العدو كانت قريبة جدا ما يسهل
عملية ضربها ولو برشاش ولكن كيف وتلك الأوامر الفاسدة قد أفسدت علينا حياتنا وحتى
دفاعنا عن أنفسنا فكان الضرب في كل مكان قتل من قتل وعاش من عاش ودمرت قاعدتنا
وطائراتنا وكرامتنا وثقتنا , لنكتشف هول الدمار المعنوي والمادي فهي جراح لن
تندمل فسوف تبقى على مر الزمن لتذكرنا بأننا عشنا أحلاما ما كان لنا أن نحلمها بل
أصبحت حياتنا كلها كوابيس وألم نتجرعه ونجترعه, توقف عن الحديث وشرد بعقله المجهد
ليكمل حديثة عن كارثة أخرى فكأنني أحسست بأنه يتهرب من ذكر المزيد عن تلك الغارة
والتي تمثل فاجعة حقيقية في ذهنه وكأنه كالمستجير بالرمضاء من النار فتكلم عن حرب
تشاد والتي زج بهم وبالكثير من شباب ليبيا فيها والتي تمثل محرقة كارثية ولا يظن
من لديه فكرة عن هذه الحرب الفاسدة أنها حرب للدفاع عن النفس أو استرجاع حقوق من
العدو والذي يمثل دولة تشاد والذي يقطن معظم سكانها بيوتا من القش والطين , ولكنه
قرار الغرض منه إدخال ليبيا والشعب في دوامة لتدميره وإلهائه لأغراض أخرى ليس لها
بالحروب الحقيقية أي صلة , يعود صديقي الطيار ليذكر بأنه علينا نحن الطيارين
الفتك حتى بالجماعات العزل أو تلك القبائل التشادية الفقيرة والمعدمة فكنا وهذه
شهادة للتاريخ نرمي حمولة طائراتنا من الصورايخ الفتاكة بالرمال عند عودتنا
لقواعدنا لأننا وحسب تلك الأوامر الظالمة لم نرى ذلك العدو حسب زعم قيادتنا
التاريخية بل سكان وقبائل متفرقة في تلك الصحاري فهل كان لزاما علينا وتبعا لتلك
الأوامر الظالمة والمدسوسة قتل تلك الأرواح البريئة وبالآلاف أم نرسل وندفن تلك
الصواريخ وتلك الذخيرة القاتلة برمال الصحراء.. استطرد صديقي حول تلك الأحداث
الدراماتيكية المأساوية بكل المقاييس حول نقل الجنود واللذين أصيبوا إصابات بالغة
وإعاقات جوا ليرمى بهم في البحر حتى لا يكونون شاهدا حيا لتلك المأساة في تلك
الحرب ولا اللذين ماتوا ولم يبلغ أهلهم وذويهم بهم حتى اليوم ولا اللذين ضاعوا في
تلك الصحراء القاحلة وهم بالآلاف , أو كارثة وادي الدوم والتي أفرزت تلك الحقيقة
المرة بأنها حرب مصنوعة ومعدة للنيل من خيرة شباب الوطن , بل الانكى هي لغة
التعتيم الكاملة من قبل النظام الفاسد عن تلك المجازر ليصف تلك الحرب بعد وقت
بأنه لا يعلم الكثير عنها وكأنه آخر من يعلم, فكيف لنا أن نحارب بعد ذلك ومن
نحارب هل هو العدو أو الصديق, صديقي لا أخفيك سرا بأن الجراح كبيرة وعميقة ولن
تندمل ولن تشفى ألا بظهور الحقائق كاملة ومحاسبة ومعاقبة الجناة عن تلك الأفعال
الشريرة ولنعلم بعد فوات الأوان فيما بعد بأن عدونا الحقيقي هو من يحكمنا.
أستطرد صديقي الطيار منهيا كلامه بدعاء لله بأن شكره وحمده لبقاء عقله سليما حتى
ألان وأشار بكلتا يديه للأعلى متوجها ببصره للعالي بقدرته والجبار بفعله أن ينتقم
له ولشعبه وللذين ماتوا واستشهدوا.. من جبابرة الأرض وعلى رأسهم من تسبب بتلك
الماسي والأحزان .
والى اللقاء مع صديق آخر وحلم آخر ومأساة اخرى.
Mohammed_jhw@yahoo.com
|