منتدى الكتّاب


07/05/05


 

 

الزعامة بين التقديس والتدنيس

 

عبد المنصف البوري

محاضر سابق وباحث سياسي

توطئة :

 

إن أقصى وأوضح صور التقديس للزعامة فى عالم اليوم يمكن رصدها وملاحظتها واضحة جلية فى ليبيا تحت حكم القذافى ، التى تشوهت فيها معايير العلاقة السوية بين الحاكم والمحكوم ، واختلت مقوماتها وأحكامها بالدرجة التى حولت القذافي إلى شبه إله ، لا يجب الخضوع لكافة ما يتفتق عنه ذهنه من أفكار ـ غريبة وشاذة ـ بطاعة مطلقة عمياء فحسب ، بل التمجيد لها بدرجة ترفعها لمرتبة المسلمات التى يُجرم معها كل من يعترض عليها أو ينتقدها .

 

***

 

الاعتقاد السائد لدى الكثير من المحليين والمراقبين للشئون العربية ، على امتداد أكثر من نصف قرن ، إن الأزمة التى تعانى منها وتعيشها الشعوب والمجتمعات العربية تعود ـ إلى حد كبير ـ إلى نوعية الزعماء والقيادات الحاكمة ، وطبيعة الأنظمة السياسية التى أسسها الحكام .

 

هذه الأزمة لا تتعلق بدولة عربية ما ، ولا بشعب عربي واحد ، وإنما هى ظاهرة عامة تشمل كل الدول والشعوب ، تسربت ومازالت تتسرب أبعادها وأثارها جيلاً بعد جيل لتنخر في الجسد العربي ، فتعطل إعمال العقل واستخدام الفكر ، وتعرقل ـ كما عرقلت ـ على امتداد قرون طويلة ترشيد الحياة السياسية فى كافة أنحاء الوطن العربي .

 

هذه الظاهرة تحتاج إلى إعادة فهم وتقويم بصورة مختلفة وبدرجة من الموضوعية والمسؤولية بعيداً عن العاطفة والمغالاة في هذا الاتجاه أو ذاك ، وربما بعيداً أيضاً عن اليأس من أن التغيير قد لا يحدث إطلاقاً .

 

المأزق في رأينا لا يتعلق بالزعماء والقيادات الحاكمة كأفراد ، ولكنه يرتبط من خلالهم بجوهر ومفهوم السلطة السياسية في البلاد العربية ، ومدى شرعيتها ، وبنيتها الأساسية ، كما يتعلق بمدى قدرة الشعوب العربية على تحديد معالم مستقبلها في العقود القادمة .

 

وبما أن تشخيص " الظاهرة ـ الأزمة " قد يتشعب في أكثر من اتجاه أو مسار ، فإننا نود النظر إليه من خلال شقين :

 

الأول : كونه يندرج تحت مسؤولية الشعوب والمجتمعات العربية في استمرار ، بل وفي استفحال ظاهرة الزعماء والقيادات السياسية بالصورة المعيبة والخاطئة ـ بل المدمرة في بعض الأحيان ـ والتى أوصلت الأوضاع العربية على ما هى عليه الآن .

 

الثاني : أنه يتعلق بالزعماء والقيادات السياسية العربية ذاتها والوتيرة والأساليب التى ساروا عليها في سيطرتهم على مقاليد السلطة وممارسة الحكم .

 

ففي إطار الشق الأول :

 

يتطلب الفهم الموضوعي للوجدان العربي الراهن ، ضرورة الغوص والبحث في الذاكرة السياسية للذهنية العربية ، لإزالة ما علق بها في سياق التاريخ والزمن من رواسب مضت عليها قرون عديدة ، وغشاوة بقيت تحجب الرؤية الصحيحة أو الأقرب إلى الصحة .

 

المشكلة تكمن في الأساس في نظرة الشعوب العربية إلى القيادات والزعماء ، وتكمن أيضاً في كيفية تعاملها معها ، وفي اعتقادنا أن انهيار المعايير والمقاييس الموضوعية في التعامل مع الزعامة أو القيادة أو الحاكم قد حدثت في أعقاب وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ونهاية الخلافة الراشدة . فقد غابت الصورة المثلى التى كانت عليها العلاقة بين القائد والرعية أو العلاقة بين الحاكم والمحكوم في المجتمع الإسلامي في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، حيث كان الرسول الكريم رجل فكر وفعل وحركة ، وكان يمثل القدوة الحسنة للآخرين في فكره وسلوكه ، وكان يحرص على أن يكون بين جمهور المؤمنين دون حدود أو حواجز ودون تعال أو نفور ، كان في مقدمة الصفوف تضحية وعطاء وبذل ، وكان مثالاً للصدق والعفة والكرم ودليلاً واضحاً على حسن الخلق ونموذجاً فريداً لقيم التسامح والخير والمحبة والإيثار ، وقبول الآخرين من جمهور المسلمين بمختلف أشكال التنوع والتعدد الجنسي والأصولي . وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يرشد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أول العاملين وأول المضحين بالنفس والمال ، فكان بذلك إنساناً منخرطاً في عموم جماعته ، فأعطى لشخصية القيادة والزعامة بعداً مثالياً لما ينبغى أن تكون عليه شخصية القائد والزعيم والحاكم .

 

وقع الخلل تاريخياً في علاقة الحاكم بالمحكوم والقائد بالرعية منذ بداية قيام الدولة الأموية ، وربما نسبياً قبلها بقليل ، مما أدى إلى حدوث الانشقاق العميق في المخيل الاجتماعي الذى يتصل بالنظر للقيادة أو الزعامة (الدينية السياسية) في المجتمعات العربية والإسلامية .

 

فالبعض رفع القيادة أو الزعامة إلى درجة التقديس فجعل الحاكم طاهراً خالياً من كل الأخطاء والعيوب ، وأوجه القصور الإنسانية ، وبالتالي فلا تشوب أعماله وسلوكه أي شائبة .

 

والبعض الآخر يدنس الحاكم أو الزعيم فينزله إلى درجة الحضيض . فالقائد في نظر هؤلاء لا يتوقف عن ارتكاب المعاصى والأخطاء ، ولا تخلو أعماله من مختلف أوجه القصور ويشوب سلوكه العيوب والخلل .

 

وبالطبع فإن هذا الموقف أو ذاك لم يأت من فراغ ، فلقد دعم حالة التقديس أو التدنيس هذه تلك الممارسات الفعلية التى دأبت القيادات والزعامات العربية على القيام بها حتى أصبحت واقعاً معاشاً نرى جوهره في تخيلات الناس وتصوراتهم للزعامة والقيادة . ولقد استمرت هذه الممارسات كما أشرنا سابقاً منذ قيام الدولة الأموية مروراً بالدولة العباسية وما جاء بعدها إلى يومنا هذا ، اخذين فى الاعتبار بعض الاستثناءات القليلة والنادرة .

 

فالحاشية المحيطة بالحاكم أو الزعيم والعاملين معه وأصحاب المصالح المتعلقة بوجوده على رأس السلطة والمستفيدين منه في مختلف مستويات المجتمع يعملون على رفعه إلى درجة التقديس ، فهو في نظر هؤلاء عين العقل ، أقواله حكمة وأعماله نعمة لا يأت إلا بالجواهر والدرر فلا حساب ولا عقاب ولا رقابة أو متابعة لما يقوم به ، لا معايير أو مقاييس يستند إليها للحكم على مدى صلاحية الممارسات من حيث كونها سليمة أو خاطئة . وهذا لا يعنى عدم وجود المعايير أو الرقابة ، بل يعنى أنها قد تنطبق على أي فرد من أفراد المجتمع فيما عدا الحاكم وأسرته وعائلته وربما بعض المقربين منه .

 

وفي هذا الإطار يصبح مسار الأجهزة والعاملين داخل الأطر الرسمية يعملون عبر الطرق الشرعية أو غير الشرعية وربما غير الأخلاقية على أن تذعن الرعية بأكملها لرغبات الحاكم وسياساته .

فالمطلوب إذن من المجتمع أن يسير في المسارات التى يحددها الحاكم ويرسمها وأن تتراجع المعايير والمقاييس الشرعية والقانونية وأي قيم أخرى تعارف عليها المجتمع الإنساني عبر مسيرته الحضارية من قيم الخير والعدل والمساواة والحرية وغيرها .

 

وعلى الجانب الثاني نجد الرافضين والمعارضين في العالم العربي لا يرون من الحاكم إلا الوجه المدنس ، والإيجابيات مهما كان نوعها أو حجمها تصب في نظر هؤلاء دائماً وأبداً في خدمته ودوام بقائه في السلطة .

 

ولعلنا نجد تبرير هذا الموقف السلبي من الحاكم الذي لا يقبل المساومة أو التنازل عن وجهة النظر أو الموقف العام ويتصف بدرجة كبيرة من الحدة والشدة في صور العنف التى يعامل بها الرافضون والمعارضون أو حتى المخالفين لرأى الحاكم وهى في الغالب تبدأ من الاعتقال والتعذيب ، وتنتهى بالشنق والقتل أو التصفية الجسدية والإلغاء الكامل لوجود الإنسان ، ناهيك عن استعمال أبشع أساليب القهر والقمع والإذلال .

 

هذا الإرث التاريخي الطويل ترسخ في الذهنية بصورة لا واعية وربما لا إرادية ، فالتراوح بين موقفي التقديس والتدنيس مصدره جملة التصورات والمشاعر والعواطف وردود الفعل العفوية ، وهى انفعالات ليست بالضرورة ثمرة تفكير عقلاني متأنً ، كما أنها في معظم الأحيان تتحكم بمواقف الناس وتؤثر في سلوكهم وأفكارهم .

 

لم يستطع المواطن العربي واقعياًً في ظل هذا الإرث التاريخي الذى يحمله على كاهله وحتى بعد خروج الإستعمار الأجنبي وإلى يومنا هذا أن يقبل القائد أو الزعيم الحاكم كما هو ، ولم يستطع أن يرفضه كما هو ، ولم يستطع أن يجبره على التغيير أو يحوله بأي أسلوب حتى يتمكن من قبوله بالصورة التى يريدها . لقد أصبح المواطن العربي في ظل الزعماء والحكام والقيادات السياسية الحاكمة ـ سواء التى جاءت منذ نصف قرن أو التى جاءت بعدها واستمرت حتى الآن ـ يعيش بين الخضوع الكامل أو الاحتجاج الشامل ، يعيش بين تعظيم الزعيم أو القائد أو الحاكم ، أو بين تجريح ذاته وتسفيهها ، يعيش بين تقديسه أو إنكاره وتدنيسه ، بين قبوله بدون اعتراض وبين رفضه بالكامل .

 

في إطار الشق الثاني :

 

يمكن تحديد بعض الملامح العامة للقيادات والزعماء والحكام العرب على النحو التالي :

أولاً : النخب الحاكمة ، جميعها بدون استثناء في العالم العربي تعبر من الناحية الواقعية والفعلية عن مصالح فردية أو عائلية بالدرجة الأولى ، أو تعبر عن مصالح عشائرية أو قبلية أو طائفية ، وفي أضعف الحالات تعبر عن مصالح شريحة صغيرة في مجتمعاتها ، وهى الشرائح المستفيدة من بقاء الوضع الراهن ـ ممثلاً في الحاكم ـ على ماهو عليه .

 

ثانياً : الزعماء والقيادات السياسية ، تضع نفسها منذ اليوم الأول ـ إن لم يكن من اللحظة الأولى لاستيلائها أو وصولها للسلطة ـ فوق مستوى القانون أو الشرع الذى يجرى تطبيقه على بقية المجتمع ، أي أنها فوق مستوى أفراد المجتمع ، مما يعنى أنها بعيدة عن أي نوع من أنواع المساءلة الدستورية والقانونية وأنها لا تتعرض لأي نوع من أنواع المحاسبة أو الرقابة .

 

ثالثاً : دأبت القيادات الحاكمة على تهميش أو إلغاء دور القوى الاجتماعية مهما كان حجم وطبيعة دور هذه القوى مالم تصب مباشرة في خانة الحاكم وتخدم بطريقة مباشرة سلطته وتدعمها .

 

رابعاً : يصر الزعماء والحكام العرب على عدم وجود البديل السياسي ، أو ضعفه أو فساده إذا وجد ولذا يرفضون مبدأ التداول السلمي للسلطة ، فهؤلاء الحكام يعتبرون أنفسهم الفلك الذى تجرى من حوله ومن خلفه بقية الأقمار .

 

خامساً : كافة المسائل الأساسية والجوهرية وصناعة القرار هى من احتكار الحكام والقادة ، والمشاركة السياسية منعدمة أو شكلية عديمة الفاعلية والتأثير ، الأمر الذى يجعل من المسألة الشرعية للحكم أزمة أبدية قائمة في صميم البنية السلطوية لهذه النظم .

 

سادساً : وضع الزعماء والقادة والحكام العرب مجتمعاتهم في ظروف تجعلها غير قادرة على إدارة مشكلاتها المطروحة عليها وإيجاد الحلول لها ، الأمر الذى قاد إلى مصادرة وطمس أي تغيير جوهري وجدي نحو التطور .

 

هذه الملامح أدت إلى خلق وضعية يمكن أن نطلق عليها تجاوزاً "حالة الذهول العربي" أو "حالة التيه العام" في المجتمعات العربية حيث فقدت المعايير والمقاييس مضمونها ومن ثمة فقدت جدواها كأساس يتم الاستناد إليه للحكم على الأشياء والأشخاص مما أفرز ومازال يفرز حالتي التقديس والتدنيس ويكرسهما .

 

وبقدر ما يجسد هذا النمط أسلوب وطريقة التعالم السياسي في المجتمعات العربية بقدر ما تنحصر حركة المجتمعات العربية بين غريزتي التسلط والخوف بدلاً من الإبداع والتطور والإنجاز .

 

كما أدت هذه الملامح وغيرها مما لم نشر إليه إلى أن فقدان القادة والحكام والزعماء العرب شيئاً فشيئاً لصلتهم بالواقع وبمجتمعاتهم التى يحكمونها فقدوا معها مصداقيتهم ، وتجاهل هؤلاء الحكام معاينة الواقع باعتباره الوسيلة الأجدى لمراجعة ممارساتهم وتمادوا في النظر إلى أنفسهم على أنهم " مبعوثي العناية الإلهية " . لقد أعفوا أنفسهم مشقة مراجعة النفس مما حرمهم من ميزة الرؤية الواضحة ودفعهم أكثر فأكثر إلى الغرق في الحالة النرجسية التى يعيشون فيها .

 

وفي النهاية ، فإن هذه الوضعية حرمت كل الزعماء والقادة والحكام العرب من الاستفادة من النقد البناء والمراجعة الموضوعية والعلمية للأفكار والممارسات ، بل وللتجربة السياسية برمتها في أوطانهم ، وفقدت المجتمعات العربية بدورها من أدناها إلى أقصاها فرصة تطوير الآلية السلمية لإدارة الحياة السياسية .

 

هذه الإشكالية ستظل قائمة في الوطن العربي مالم يتم تغيير الفهم العام تغييراً نهائياً حول النظر إلى مسألة الزعامة أو القيادة ، بحيث توضع جملة من الضوابط والمحددات التى تضع هذه المسألة في إطارها الصحيح والموضوعي وضمن إطار السلوك الطبيعي الراشد .

إن إعادة البناء تستلزم الاصطدام المباشر والمستمر بالخيال الواهم حول الزعامة والقيادة خاصة إذا أردنا أن نتمشى مع مواصفات العصر الذى نعيش فيه وليس على أطرافه ، لا ندرك منه سوى ملامحه السطحية .

 

إنه من الضروري الشروع في إعادة بناء الذات العربية بعيداً عن طقوس التقديس وأوهام التدنيس ، وبعيداً عن الحلم الواهم بانتظار البطل أو الزعيم أو الرمز المنقذ ، والتعامل مع الحكام والقادة والزعماء في صورتهم الإنسانية التى تخطىء وتصيب وبالتالي لابد وأن تخضع للمساءلة والحساب وحتى العقاب إذا أخطأت ، مما يخرج مسألة الزعامة من معادلة التقديس والتدنيس .

 

وقد يكون المحور الذى ينبغى أن تدور حوله الإسهامات هو كيفية البحث عن الوسيلة أو الأسلوب الأفضل لإحداث حالة التغيير المطلوب في الطرفين ، الزعماء والحكام والقادة من ناحية ، والمجتمعات العربية من ناحية أخرى .

 

غير أن الأمر يتعلق في النهاية بقدرة قوى التغيير العربية على فهم الوضع القائم فهماً موضوعياً وتطوير الوسائل الكفيلة بتغييره وقلب توازناته الفاسدة وإقامة توازنات جديدة وعادلة مكانه .

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.