
24/05/05
|
رسالة مفتوحة من مواطن ليبي إلى قادة دول المغرب العربي
السادة الأفاضل : قادة دول المغرب العربي . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
هناك كلمات تعبر عن نبض الشعب الليبي وتترجم أحاسيسه ، يجب أن تقال في وقت ما ، ورفض أنظمة المغرب العربي الإستماع إليها همساً أو تلميحاً في مرحلة معينة ، يجعلها تفرض نفسها على الأسماع جهراً وعلانية في هذه المرحلة ، وذلك لاعتبارات عديدة لم تعد تسمح بالوقوف على حاجز الحيرة بين الديمقراطية واللا ديمقراطية .
وقبل أن تمتد أصابع الإتهام بالإشارة إلى القوى الخارجية المتربصة ، أو إلى هذا النظام أو ذاك ، أو إلى الزعامات السياسية المتحكمة ، أو إلى تخلف الجماهير والشعوب وجهلها ، يجب الإشارة إلى أن الحديث عن أزمة الديمقراطية في دول المغرب العربي ، ينبغى أن يكون تعبيراً منصفاً ورؤية واعية وتحليلاً عادلاً وتذكرة تحيل الأمل إلى عمل ، وتدفع إلى سعى دؤوب من أجل تقدم وتطور ورفاهية شعوب المنطقة وتوحيدها .
ومن منطلق الإدراك والوعي بمبادىء الديمقراطية التى لا خلاف عليها فإن الديمقراطية كنظام سياسي تسعى إلى تحقيق حريات المواطنين وكفالة حقوقهم لأنها ترجع أصل السلطة السياسية ومصدرها إلى الإدارة العامة للأمة ، مما يعنى بإختصار شديد إستبعاد سيطرة الفرد وتحكمه . كما أن الديمقراطية قد رأت بأن حل التناقض بين السلطة والحرية يقوم على أن الغلبة دائماً للحرية ، وبالدرجة الأولى حرية الإنسان ، لأنها تعتبر أن الغاية من وجود السلطة هو المحافظة على حقوقه الطبيعية التى يمكن ردها إلى مبادىء الحرية والمساواة والعدل وصيانة كرامة الإنسان .
والمتتبع لتاريخ معظم أنظمة المغرب العربي التى أخذت نسبياً بالنظام الديمقراطي يجد أنها تتجه للقضاء على السلطة المطلقة التى كان يتمتع بها أفراد الفئة الحاكمة ، وما كانت تقوم به من إعتداءات على حقوق المواطنين وحرياتهم ، حيث سارعت هذه الأنظمة الشبه ديمقراطية إلى رد بعض الحريات والحقوق الأساسية لشعوبها ، من حرية الاعتقاد والفكر إلى حرية الرأي والصحافة ، ومن حرية العمل النقابي إلى حرية العمل السياسي ضمن أحزاب سياسية ، فضلاً عن حقوق التنقل والسفر والهجرة وحق التجارة والعمل الحر ، وحق التمتع بحماية القانون في ظل محاكم عادلة . لكن المستغرب أن هذه الأنظمة ذاتها التى أتجهت إلى التخلص من الدكتاتورية والسلطة الفردية المطلقة وإيقاف إعتدائها على الحقوق والحريات في أوطانها ، بينما تتجاهل ـ إن لم تكون تتنكر ـ لنفس هذه الحقوق والحريات في ليبيا التى ترزح تحت الحكم الفردي الدكتاتوري ، بدعوى التعامل مع الأمر الواقع ، هذا على الرغم من أن الإستبداد لا يمكن تبريره فى أي مكان أو زمان وتحت أي شكل من الأشكال في ضوء المبادىء والقيم والمعايير التى اعتنقتها وأقرتها معظم أنظمة المغرب العربي " الديمقراطية " .
يقال أن شعوب وأنظمة الشمال الأفريقي تبحر في قارب واحد ، والبحر من حولها صاخب هائج والأمواج عاتية ، ولكنها جميعها تحتمى بالرباط المشترك والمصير الواحد لمواجهة أمواج البحر . ويقال أيضاً أن الديمقراطية قد ربحت جولة كبيرة على امتداد الشمال الأفريقي من البحر الأحمر شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً ، ولم يبق في هذا الشمال الأفريقي سوى بؤرة واحدة موبؤة بالحكم المطلق وهى ليبيا متمثلة فى نظامها السياسي العجيب .
لقد ظلت قضية الشعب الليبي تعيش على امتداد أكثر من 35 عاماً وسط عواصف وأنواء عاتية ترفعها موجة وتهبط بها أُخرى من دون توقف ، وبين كل موجة وأُخرى تتبدل حسابات التفاؤل والتشاؤم . وعندما بدأت مظاهر الديمقراطية تأخذ طريقها في مصر أستبشر الليبيون خيراً لأنهم أعتقدوا بأن تأثير هذا التغيير سيصل إليهم عاجلاً كما وصلت إليهم موجة المد القومي العربي ، وبعد أن قام نظام التعددية الحزبية في السودان قبل الإنقلاب العسكري الأخير ، تصور الشعب الليبي بأن رياح الديمقراطية الهادرة سوف تهب باتجاهه لأن أصواتها وأصداءها العالية بدأت تسمع في القارة كلها ، ثم كانت التغييرات الديمقراطية في تونس والجزائر وحتى في موريتانيا فضلاً عما هو موجود فى المغرب بارقة أمل كبيرة عززت الاعتقاد بأن المحطة القادمة لابد وأن تكون ليبيا ، لكن خيبة الأمل أصابت الشعب الليبي ، فقد ظلت الأوضاع الظالمة على ما هى عليه تزداد سوءاً يوماً بعد يوم حتى بعد أن سقطت أعتى الأنظمة الشمولية وتحطمت الدكتاتوريات في الإتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية ، وكأن الأمر فى هذا البلد الصغير المسمى ليبيا يقع ضمن نطاق " نظرية المؤامرة " أو مرهون بقوى دولية خفية تحرك الأمور في كافة أنحاء العالم ولا ترغب فى أن ترى أي تغيير ديمقراطي حقيقي فى ليبيا ! .
ومع أننا نستبعد مثل هذا الاعتقاد إلا أن هناك جملة من الأسئلة التى تدور على ألسنة الليبيين وإستفسارات عالقة بأذهانهم باعتبارها تساؤلات مصدرها مظاهر التناقض الدائرة حولهم في العالم عموماً ، وفى دول المغرب العربي على وجه الخصوص .
· إذ كيف تقدم أنظمة تدعى الأخذ بالمبادىء الديمقراطية ، أو حكام على رأس أنظمة تبنت الديمقراطية منهجاً لها فى الحكم على التعامل مع نظام قمعي متخلف على أساس إقرار سياسة الأمر الواقع متجاهلة حقيقة ممارسته وأساليبه الموغلة في الدكتاتورية ؟ .
· وكيف تستقيم قيم ومبادىء وشعارات وعلاقات هذه الأنظمة الديمقراطية مع ليبيا وحكامها الذين يمارسون جهاراً نهاراً ازدواجية تخل بكل معايير الديمقراطية وأبسط قواعدها ؟ .
· وكيف يمكن للخطاب السياسي والإعلامي لهذه الأنظمة الديمقراطية وحكامها أن يحتفظوا بمصداقية أمام الشعوب وهم يتعاملون فيما يخص ليبيا بازدواجية مفرطة تهدم كل أسس خطابهم السياسي والإعلامي ؟ . · وكيف تقبل هذه الأنظمة الديمقراطية حاكماً يرفض رفضاً باتاً المبادىء والقيم والأسس الديمقراطية شكلاً وموضوعاً ويسخر منها ويستهزىء بها ويزعم بأنه سيقضى عليها ؟ .
هل المشكلة لدى هذه الأنظمة وهؤلاء الحكام تكمن فى تجاهل قيم الحق والعدل والحرية وإسقاط مبادىء الشرعية عندما يتعلق الأمر بالعلاقة السياسية مع دولة وشعب آخر حتى لو كان هذا الشعب عربي مسلم ، ولذا يتم غض الطرف عما يجرى فى ليبيا وضد شعبها ! .
أم أن الأمر يتعلق بالإستهانة بأهمية المسألة الديمقراطية ومبادئها بالنسبة للشعب الليبي ، مما يطرح علامات إستفهام كبيرة حول حقيقة المكانة التى تمثلها أصلاً الديمقراطية ومبادئها في واقع هذه الأنظمة ؟ .
من الواضح أنه ليس من شأن هذه السطور الوقوف على متعرجات وتضاريس صيغ الديمقراطية في كل نظام من أنظمة المغرب العربي على حدة ، يقيناً منا بأن هذا يعد جزءاً من الواقع القائم ، ويقيناً منا كذلك بأن التجربة الديمقراطية تمر عبر أطوار لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تخلو من هزات وكبوات ، ذلك إن ممارسة الديمقراطية ليست مجرد شعارات سياسية ، بل هى بالدرجة الأولى تطبيقات حقيقية لها .
إن الإجابة على الأسئلة المذكورة في رأي بعض المحللين السياسيين ربما تكمن في عدم قدرة هذه الأنظمة وهؤلاء الحكام على خلق فكر سياسي متجانس يتعلق بالقيم والمبادىء والممارسة الديمقراطية ، يمكن أن يشكل استجابة واعية وفاعلة للوضعية القائمة فى المنطقة . فلقد شيدت العلاقات السياسية بين الأنظمة العربية على الكثير من المجاملات السطحية أو ما يعرف فى كثير من الأحيان باسم النفاق السياسي ، ولعبت سياسة الترضية والطبطبة الشخصية المرفوعة تحت شعارات المصالحات العربية بين الأنظمة ـ للأسف ـ دوراً خطيراً في تدمير أي اتجاه حقيقى لإرساء قواعد وأسس سليمة وموضوعية وحضارية للتعامل والتعايش والعلاقة فيما بينها .
واستخدمت الأنظمة سياسة الترضية المشفوعة بالأمر الواقع في إصباغ الشرعية على بعضها البعض ، بما فى ذلك إصباغ الشرعية على الأنظمة الفاشية والحكام الديكتاتوريين ، ومن جراء هذا الخلل الخطير تحملت الشعوب العربية نتائج خطيرة بالضغط والتهديد تارة ، وبالابتزاز والإرهاب تارة ، وبتخريب مقدراتها وتدمير امكانياتها تارة أُخرة .
ويضيف هؤلاء المحللون قائلين بأن هذه الأنظمة قامت بترتيب علاقاتها السياسية بين بعضها البعض دون أن تكترث بالخلل الحقيقى الكامن فيها أو بعض منها ، واندرج على هذا الأساس ترتيب أولوياتها التى أنحصرت في الحرص على البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة مع تجاهلها لأبسط حقائق العصر المتعلقة بتحقيق مصالح الشعوب كأولوية قصوى .
وفى محيط هذه العلاقات الهشة خلعت الأنظمة رداءها الأخلاقي والقيمي والمبدئي ، وبدت عارية بدون سلوكها الإنساني الحضاري ، وبدون منطقها العقلاني أو حتى بدون موضوعيتها العملية ، ولعل ما يدعو للسخرية أن هذه الأنظمة مازالت حتى اليوم تقصر جل اهتمامها على أمنها الداخلي أو الخارجي دون أن تلقى بالاً واهتماماً بما يدور في أرض بعضها البعض من اختلالات خطيرة تمس الشعوب في كل مناحي الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية .
وحيث أن هذه الأنظمة تعطى أولوية حاسمة لأمنها الخاص بالمقارنة بما يدور حولها ، وهى خصوصية بالغة الإستثناء ، فإنها تنجرف من حين إلى آخر إلى تناقضات وصراعات مدمرة على حساب الاهتمام ببناء العلاقة بين الشعوب والعمل على تقدمها وتطورها.
ولا شك بأن هذا الوضع قد لعب دوراً بالغ السلبية في خلخلة القوى السياسية الشعبية في المنطقة لتبقى بهذه الوضعية أعجز من أن تقوم بأدوارها الحقيقية لخدمة المنطقة وشعوبها.
وفي إطار هذا السياق يأتى الحديث عن الديمقراطية الوليدة في دول المغرب العربي ، وهى التى وقعت في محظور الانحصار ، فالمبادىء الديمقراطية إذا ما تقوقعت داخل نظم حكم قطرية أصبحت مجرد شعارات لتجربة أو تجارب منفردة بدون قواعد جماهيرية على امتداد المنطقة ، وإذا ما حوصرت الممارسة الديمقراطية داخل كل نظام فإنه من طبيعة السياسة الداخلية أن تعمل على تدجين الديمقراطية ذاتها.
لقد أصبح من الواضح من خلال التمعن فى المرحلة الماضية أن الأنظمة التى تبنت الديمقراطية في المغرب العربي تنكفىء على ذاتها أكثر فأكثر وتنشغل بأمورها الداخلية مما جعل الوعي السياسي فيها يعبر عن محليته وعن خصوصيته مما أصاب هذه الدول بكثير من الانفصام الذى يخلخل حتى الثوابت التى استقر عليها المنطق السياسي فى الأخذ بالمبادىء الديمقراطية.
ويزداد الأمر فداحة إذا ما تعرضت مبادىء الديمقراطية إلى تفسيرات متناقضة وإلى خلط متعمد أو حتى غير متعمد بين الأهداف والوسائل ، فإذا فسرت كل دولة فهمها للديمقراطية ومبادئها وفق مصالح الفئة الحاكمة أو الشخص الحاكم ، لم تعد هناك ديمقراطية بل تصبح التجربة في حد ذاتها مجرد أداة لتحقيق مكاسب أو مصالح أُخرى لا علاقة لها بالديمقراطية.
إن التطور المعزول لكل قطر من أقطار المغرب العربي قد صاغ على مر السنين صفات ثلاثة متلازمة للوضعية القائمة الآن في المنطقة وهى على النحو التالي :
الصفة الأولى : تتعلق بتعدد التحالفات بين الأطراف وبتغيرها وتبدلها بسرعة وفي فترة وجيزة .
الصفة الثانية : خاصة بتعمق الاتجهات الاقليمية حيث يعتقد كل نظام بأن تجربته السياسية هى أفضل من غيرها .
الصفة الثالثة : تدور حول إتباع سياسة التعتيم الاعلامي والسياسي على ما يجرى في دول الجوار من تطورات سياسية ذات تأثير على شعوب المنطقة ، وغياب المنهج النقدي الموضوعي في النظر إلى القضايا السياسية التى تهم الشعوب .
وفى ضوء هذه المعطيات وغيرها استمرت العلاقة بين الأنظمة التى تبنت الديمقراطية ونظام القذافي .
· فرغم أن نظام الحكم القائم الآن في ليبيا قد أتسم منذ إستيلائه على السلطة في عام 1969 بتمزقاته بين المحاور والتكتلات السياسية والاقليمية ، وفي أحيان أخرى بالتشرذم التام ، وتحويل خلافاته وتناقضاته العربية إلى خصومة شاملة في مختلف الميادين والمجالات ، حيث وصلت قمة عدوانيته فى خصوماته إلى حد إستخدامه وممارسته لكافة الأدوات المتاحة من امكانيات مادية وبشرية للاضرار بالأطراف الأخرى التى يخاصمها . إلا أن الملاحظ أن أنظمة دول المغرب العربي عجزت باستمرار عن وقف مثل هذا التطرف ، وعن تقدير المخاطر الداهمة والتحديات الراهنة التى مازال يمثلها هذا النظام الأهوج على استقرار وأمن المنطقة ، وما قد يفضى إليه وجوده من تدهور وإنهيار على المدى البعيد .
· وفى نطاق تعميق الاتجهات الاقليمية فإن رأس السلطة فى ليبيا رفض أن يقود منذ البداية حياة سياسية دستورية ديمقراطية ، وكانت خياراته السياسية منذ البداية خاطئة ، فقد اختار أكثر الممارسات السياسية تخلفاً وأشدها إرهاباً وتطرفاً وقسراً واضطهاداً للحرية والانسان ، وخلق في ليبيا مناخاً أكثر انغلاقاً وتكبيلاً ، ويكفى هذه الأنظمة الديمقراطية أن تلقى نظرة بسيطة على أساليب الحكم فى ليبيا ، وعلى الممارسات السياسية لكى تكتشف حجم المأساة التى يعيشها الشعب الليبى من خلال أساليب بعيدة كل البعد عن معايير الاقناع والتسيس ، وتندرج تحت ما يسمى بالديموغوجية السياسية .
· ومع ذلك فإن القذافى لا يتردد فى أن يقدم تجربته كأفضل نموذج للحكم ، ليس فى المنطقة الأفريقية أو الوطن العربي فحسب ، بل فى العالم أجمع ، ويؤكد بأن نظامه يفوق ويتفوق على كل الأنظمة والتجارب الديمقراطية ، ويصر على أن أفكاره قد تجاوزت التجربة الإنسانية برمتها وسبقتها بمراحل عديدة ، وعلاوة على ذلك فأن القذافى يعمل على تصدير نظامه الجماهيرى الموغل فى التخلف إلى دول الجوار الجغرافى وبقية العالم ، ومع ذلك لا يجرؤ أي نظام عربي آخر على تصدير تجربته السياسية إلى ليبيا ، وكانت نتيجة هذا الوضع أن حصرت ديموقراطيات دول المغرب العربي تجاربها داخل حدودها فعقمت اقليمية التجربة الديمقراطية ، وأوضحت عدم قدرة هذه الأنظمة على تجاوز هذه الوضعية القائمة إلى ما يمكن أن يمثل مشروعاً نهضوياً للمنطقة كلها ، لكى يبقى التساؤل الرئيسي الذى يواجه حركة الديمقراطية فى هذه الدول هو فى الكيفية التى يمكن أن تضع بها إطار له جدوى حقيقية لشعوب المنطقة وقدر كبير من المنعة ضد عوامل الاستبداد التى مازال يشكلها نظام القذافى واحتمالات الانهيار مع كل تمزق فى علاقات الأنظمة العربية .
· وبخصوص التعتيم الاعلامى والسياسى فى دول الجوار على امتداد الشمال الأفريقى كله ، فهو بمثابة التستر على استمرار العلاقات العربية المشوهة بين الأنظمة ، وعلى هذا الخلل الهام بنى مظهر خارجى زائف تحكمه المصالح الأنانية الذاتية الضيقة للأنظمة ، وربما لبعض الحكام شخصياً دون إعطاء أدنى إعتبار لحقوق الشعوب ومصالحها الحقيقية .
إن ما يسجل على أنظمة دول المغرب العربي التى تبنت المبادىء الديمقراطية أفكاراً أو أسلوباً للحكم ، أنها بسكوتها وقبولها لنظام القذافى الفاشي وممارساته الفجة تشكل جزء من العصر الرث والمهلهل الذى الذى تعيشه المنطقة العربية والموروث بالتعاقب منذ العهود الاستعمارية .
ومن الغريب إن الوضع فى ليبيا يزداد كل يوم تأزماً وتبرز فيه كل مظاهر التحلل والانحطاط، ومع ذلك فإن هذه الأنظمة الديمقراطية مصممة ومصرة ـ على مايبدو ـ على غض الطرف وتجاهل كل أوجه الاستبداد والقمع والتخلف السياسي القائم فى ليبيا . صحيح أن تلك الأنظمة قد تكون مشغولة بأولويات داخلية أو اقليمية أو حتى دولية تمنعها مؤقتاً من الاهتمام بالشأن الليبي ، ولكن هذا لا يعنى أنها تستطيع أن تنفض يدها مما يحدث في ليبيا إذا أرادت حقاً علاقة حقيقية مع الشعب الليبي وليس فقط مع حاكم ليبيا .
إن ما يقوم الآن من علاقات بين هذه الأنظمة ورأس السلطة فى ليبيا قد ينظر إليه البعض بأنها يتجاوز قواعد المنطق ومقتضيات السياسة العقلانية ، فالافتراض بأن القذافي له الدور الأول والأخير فى تقرير العلاقة مع دول المشرق والمغرب العربي ينطلق من وهم امكانية تحقيق ذلك بالاستناد إلى مقدمات خاطئة ، ترى العلاقة مع ليبيا مجرد ترتيب أوضاع سياسية أو اقتصادية لا علاقة لها بالمسألة الديمقراطية ، غير أن قضية الديمقراطية فى ليبيا تُعد من أبرز المسائل الحيوية بالنسبة للشعب الليبى ، وبدون الوصول إلى اتفاق حولها وإيجاد أرضية صلبة لها والدفع والاسراع بتطبيقها وممارستها عملياً ، فأنه سيصعب الحديث عن علاقات عربية وتحديد عناصر تقارب حقيقي بين شعوب المنطقة ، وحتى لو افترضنا أن بعض هذه الأنظمة نجحت فى تحقيق بعض المكاسب أو المصالح العاجلة لنفسها من خلال علاقاتها بنظام القذافى ، فإن مجموع هذه المكاسب القطرية لا تكون بالضرورة مكسباً لصالح شعوب المنطقة وعلى الأخص الشعب الليبى .
بقلم : عبد المنصف البوريباحث سياسي ومحاضر سابق في جامعة بنغازي
|
المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
![]()