غسل النفوس و هدر الفلوس
إحدى الأمسيات إجتمعتُ بأحد الأصدقاء،
وبعد أن تجاذبنا أطراف الحديث، قال لي وبصوتٍ كله إنشراح و إنبساط .. أنى ذاهب
لأغسل .. وللحقيقة أني تأثرتُ كثيراً لهذا القول وشعرتُ بالأسى لحال هذا الصديق،
مع أنه لم يكن يشكو من شيئ وصحته على أحسن حال، والحقُ يقال أن شكله الخارجي نظيف
وليس بحاجة الى أي نوع من التنظيف، والذي يحتاج فقط للغسيل هو ماله الذي جمعه على
مبدأ الغاية تتبرر الوسيلة.
ومن باب التعاطف معه ومع وضعه المزري، سألته وأنا مهموم، منذ متى وأنت تغسل؟ وهل
من بديل لهذه العملية المتعبة والمكلفة في نفس الوقت؟ فردَ على سؤالي بنبرة حادة
وإنفعال شديد وقال:" لا يا رجل، فال الله ولا فالك .. أنا قصدي ماشى هذه السنة
لأغسـل ذنوبي في مكة وأتوكل على الله وأحج ".
ولهول المفاجئة قررتُ أن أسأله عن عملية الغسيل هذه وماهيتها؟ ولماذا يغسل كل
عام؟ وكم تكلف الغسلة الواحدة؟ وكم تستغرق عملية الغسيل هذه، ومن يضمن له أن يرجع
بعدها نظيف؟
ودار الحديث وتشعّب، وقال لي أنت تعرف أن الواحد منا يعمل الكثير من الموبقات،
وبعضاً من المحرمات والممنوعات، وأصبحت حياتنا معقدة جداً يشوبها الكثير من
التجاوزات الدينية والكثير من الفتاوى المتضاربة، وأصبح السباقُ محموماً على
تفصيل الفتاوى من هنا وهناك وأصبح الواحد فينا محتاراً ومشوش في كل ما يفعل وما
لا يفعل، وما يجوز وما لا يجوز، وما هو حلال وما هو حرام، ومع مرور الوقت تتراكم
علينا الذنوب كتراكم الوسخ على الجربان، ولأنني أطمع بالفوز في الجنة وحتى أكسب
الدنيا والآخرة، فلا بد من الغسيل والرجوع كما ولدتُ ناصع البياض، وبعد الغسيل
يُصّفر عندي عداد الذنوب وأصبح كمن لا ذنب له.
وكما تعمل فالأنسان بطبعه مجبول على حب الشهوات، وحب المغامرة والنزوات، البريئات
منهن والمحرمات، فلا بد من غسلة أو عدة غسلات، حسب الكشف السنوي لأعمال كل واحد
فينا. وأنت تعلم والكل يعلم أن هناك الكثير من أمثالي – ممن فتح الله عليهم وأوسع
عليهم من فضله وبكل السبل - يذهبون للحج بمناسبة وغير مناسبة، ولأكثر من مرة
واحدة في العمر.
وقبل أن يسترسل حديثه، قلتُ له مقاطعاً .. أليس من الأفضل والأعظمُ أجراً والأنفع
لك ولأمثالك ممن عنده المقدرة المادية، أن يبذل وينفق هذه الأموال الطائلة –
والتي قد تكون في حد ذاتها مغسولة والله أعلم – لمن يستحقها من مسحوقي هذه الوطن
وخاصة أننا نعيش زمناً نسبة من هم تحت خط الفقر المدقع من الليبيين يتجاوز
الخمسين بالمئة، ونسبة كبيرة ممن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ونسبة أكبر من
الشباب العاطلين عن العمل، ونسبة لا بأس بها ممن دارت عليهم دائرة الليالي ومصائب
الأيام، يعيشون مع الألم ومن الحرمان، الكثير – أطفال و نساء و شيوخ .
وتخيل معي لو أنك وغيرُك – ممن ذهب ولا زال يذهب ليغسل، فقط لانه عاش سنته يتنقل
بين الحلال والحرام وينفق أمواله تارة هنا وتارة هناك، يشبعُ هذه اللذة ويطفئ ظمأ
ذاك الجسد وتلك الحواس – راجعَ نفسه قليلاً وخفَفَ من ذنوبه السنوية كثيراً،
وتذكر أو ذُكر أن هذه الأموال - المستخلف بها من الله و غير المغسولة - التي كان
من الممكن بها ومن خلالها رفع الظلم والمعاناه عن الكثير - على إمتداد هذا الوطن
- أقول لو تذكر هذا كله لما إحتاج أصلاً لغسيل ذنوبه بل على العكس لشعر بنقاء
روحه وعظمة نفسه وهو ينفق هذه الأموال ليغسل ويمسح بها دموع المعذبين المقهورين
ويرفع بها الظلم عن المظلومين و يبلسم بها جراح المكلومين ويواسي بها أنّات
المحرومين.
وقلتُ لصديقي إن الحج فريضة على من إستطاع إليه سبيلا، ولكن ليس سبيلاً لغسل
الأرواح العاصية دينياً والمقتدرة مادياً، وأنما لمن وجد في نفسه وفي مقدرته
القيام بهذه الفريضة – لمرة واحدة فقط - دون أهدار أو أسراف في الذنوب والأموال،
ودون تبيت النية لعمل الذنوب طوال العام ومن ثم غسلها، لانك قادر على تكاليفها.
وحسبي أنني إجتهدتُ، فإن أصبتُ لي أجران، وإن أخطأتُ لي أجرٌ واحد والله أعلم.
لم يقتنع هذا الصديق بمثل هذا الهراء وهذه المثالية الزائدة وفي هذا الزمان
بالذات، وقال لي أنه سوف يذهب ليغسل ذنوبه – كما كان طوال العام يغسل أمواله في
بنوك سويسرا، ويغسل معدته من فضلات الأكل الزائد، ثلاث مرات كل شهر، و يغسيل
دماغه كلما شعر بالمحرومين والمظلومين حتى لا يشعر بهم أبداً –
ويستغفر ربه، ويلعن إبليس – لأن هذا الملعون هو السبب في كل المصائب والذنوب
والمعاصي، التي إرتكبها صاحبنا وغيره، وهم حرام مساكين، غرَرَ بهم ذاك اللعين –
وسوف يرشقه بالحجارة – وهذه الأيام الوحيدة واليتيمة في السنة التي يتساوي بها
جميع العرب و المسلمين مع أخوانهم الفلسطينيين في عملية رمي الحجاره .
وكما فهمتُ منه، أن عملية رمي الحجارة هي تدريبات فعلية شبه عسكرية، على أساليب
المقاومة في وجه الظلم والقهر والطغيان. وطالما أننا لم نقدر على الشيطان الأكبر
وإبليس الأصغر و القذافى الارعن فإننا بهذا العمل نكون قد أسقطنا واجب ثقيل عن
كاهلنا – نتعب شوية ولا يقولوا علينا مقصرين – وفرض عين لمحاربة الأعداء، فنكون
بذلك قد ثأرنا لأنفسنا من هولاء الأشرار، وأمطرناهم بوابلٍ من حجارةٍ من نار.
بعد هذا الواجب سوف يقوم – كما قال صديقنا – بالذبح والنحر، ولا بد من ذبح ونحر
بعض الحيوانات وجعلها عبرة لكل من سوّلت له نفسه – من الفصيلة ذاتها – بالأعتداء
علينا و على مقدراتنا والعبث برحياتنا ولن نرحم أحد من هؤلاء الأعداء وسوف يسيل
الدم للرُكب في حالة عدم إنصياع هذه الحيوانات لقدرها المحتوم و يومها المشؤوم.
وبعد الذبح والنحر وسيل الدماء - طبعاً لإرهاب الأعداء - لا يبقى لنا في النهاية
سوى الدعاء على أولئك وهؤلاء، بأن يشتت الله سعيهم ويفرق جمعهم وينصرنا عليهم –
فهم على حد علمي ما زالوا منتصرين علينا وفي كل شيئ - ويحفظ لنا دجالنا وولى
امرنا و يديم عليه الصحة والعافية – مش الزيت – وعلينا الفقر والجوع والمرض، حتى
نعيش في ضله و حسه خاضعين، خانعين، مسبحين ومبجلين له و لأولاده من بعده ولأولاد
أولاد أولاده من بعدهم وحتى تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها.
و بعد أن ينتهى خطيب الديار من قصفه العائى الحار وبعد خطبته النارية على أعداء
هذه الأمة الأبية، وبعد لعن الإرهاب والإرهابيين من المتدينيين غير الخاضعين
للطواغيت بعدها مباشرة تفيض عيون الملايين بالدمع الغزير كالسلسبيل لتغسل ذنوبهم
وتُطهر أروآحهم وتشفي صدورهم.
وبذلك يُتم صدقينا غسيله السنوي ويحصل على صك غفران، عما إقترفت يداه من عصيان.
وليبدأ عيدهُ السعيد و يُعيد "الغسلة" من جديد والله على ما أقول شهيد، وكل عام
وأنتم عبــ.
سمير حسن