" معصية الإحرام من سرت "
خلال
شهر رمضان .. وفى ختامه .. وقبله .. وبعده .. أصبحت ظاهرة البث المباشر
من سرت .. وتكركير الناس من المدن الى القرى .. لتصوير البرامج الثقافية
.. أو المقابلات .. والمسلسلات والافلام .. بل وحتى البرامج الكوميدية
التى لا حظ للمزاج السرتاوي فيها .. وقبلها تم إنتزاع مهرجان الشعر
الشعبي بخيره وشره .. أي محاولة سحب البساط الثقافي من كافة مدن ليبيا
وطرحه لتتمرغ عليه نياق وبعارين الصحراء عقب كل محفل يُحشر إليه الناس
على وجوههم .. لقد أصبحت تلك الظاهرة مقلقة وتحتاج الى تفسير.. وهنا أرجو
الإنتباه الى أنني لا أسخر من سرت كقرية أو كمدينة ليبية صغيرة .. ولا من
أهلها .. ولا أستنقص من قدرات مثقفيها.. ولكنني بكل تأكيد أود أن أشير
وبشكل واضح ـ وغاضب ـ الى أنه لدينا عاصمة إسمها طرابلس لها قصب السبق
والأحقية فى إحتضان هكذا مناشط .. ولدينا عاصمة ثقافة بوزن بنغازي التى
لا منازع حول دورها الريادي فى هذا المجال .. ولدينا مصراته بما تزخر به
من أسماء وبما قدمته وتقدمه من إنتاج غزير على الساحة الثقافية .. ولدينا
درنه صاحبة المشوار الطويل فى عالم الثقافة والفنون.. ولدينا مدن الجنوب
العريقة منبع الأصالة .. ولدينا .. ولدينا .. ثم تأتي سرت .
ولا
أتصور عاقلا يختلف معي فى أنه عندما كان مسرح درنه ـ مثلا ـ يعرض مسرحية
" خليفة الصياد " فى بدايات القرن الماضي لم تكن سرت شيئا مذكورا ..
وعندما كان الشلطامي ينثر قصائده أشك أنه كان ضمن قراءه شخص من سرت ..
فلماذا يتم القفز فوق كل تلك المدن الكبيرة والعريقة التى ينتسب اليها كل
مبدعو ومنتجو ومحركو المشهد الثقافي.. سواء أتفقنا أو لم نتفق مع بعض
منتجاته من حيث الجودة والمضمون ؟!.. وهل بات هاجس التفرد والسيطرة و
خصلة " صناعة الماضي" تسيطر على نفوس البعض الى درجة تبرر هكذا سلوك ؟!
.. وهل ظن متشاطرو بدو الدوائر الأمنية أن ظاهرة إستغلال لقمة العيش
لإجبار المثقفين والمبدعين على شد الرحال الى صحراء سرت إذا ما أرادوا
لأطفالهم أن لا يتضوروا جوعا .. أو أرادوا البقاء على قيد الحياة فنيا ..
باتت خافية ؟! .
وأود أن
أغنتم هذه السانحة لإرسال تهانينا بالعيد المبارك الى أهالي سرت عموما ..
والى مثقفيها على وجه الخصوص .. وأرفق تهنئتي هذه بسؤال : لماذا تقبلون
بهذا الوضع الشاذ؟!.. اليس من المنطقي أن تحّجوا أنتم بإعتباركم فى
بدايات مشواركم الثقافي والفني الى طرابلس أو بنغازي من أجل الدخول فى
تصفيات حقيقية لإنتزاع هكذا حق !!.. لأن التاريخ أيها الأصدقاء لن يعترف
لكم بالريادة مهما بذلتم من جهد .. ببساطة لأن فضيلة التاريخ سيعتبر أن
إحرامكم من سرت معصية ليس لها كفارة .. فى الوقت الذى لم تـُعرف فيه
بأنها ميقات ثقافي.. وسيرفض فضيلته إعتبار الأصل السرتاوي لبعض متنفذي
الوسط الثقافي ـ ( من الذين جيروا نفوذهم السياسي الذي وهبته لهم
السماء!! للتكويش على بقايا المشهد الثقافي ) ـ بمثابة الضرورات التى
تبيح المحظورات.
وأتصور
أن الشعور بعدم الأحقية فى إنتزاع ريادة المناشط الثقافية أو الفنية بهذه
الصورة المخلة التى نشاهد .. قد يتملك منكم من مازال لديه ضمير إنساني
وحّس مهني .. ويفصل بين إستحقاقات المسرح السياسي والمسرح الفني .. وإذا
كانت " فتلوكة " ولاية المتغلب قد مُررت لتكون أحد مفردات المسرح السياسي
.. فلا أخالها صالحة للتداول على المسرح الثقافي بحال .
قد تكون
فضاضة مني أن أخاطب سرت بهذه الطريقة وهي التى إعتادت الدلال .. واستمرأت
أن تـُحمد بما لا تفعل.. وقد يشعر بعض فراعنتها ـ ولكل مدينة فراعنة ـ
بالحَسوفة لأني أقيم خارج مرمى الكالشو .. وبعيد عن صلاحيات أصغر مركز
شرطة فيها .. وقد يعّض مقص الرقيب ـ المدلل من قبل أمين الثقافة ـ على
يديه لأن الصحافة الالكترونية فى المهجر لا تقع بين شفرتيه المتحفزتين
لقضم كل ما لا يروق لقداسة الباب العالي .. وهذا لا يهمني كثيرا.. فمن
هنا حتى تسلمني أحد الدول الصديقة .. أو ترتخي حبالي وأنجر منكس الرأس
الى سفارة العزيز الزوّي طالبا إستمارة (أ) الخاصة بالتوبة من حقوقي
والبراءة من إنسانيتي .. سأتحدث عن كل ما أعتبره حقا يستوجب الصراخ .
وعلى أي
حال فأنا هنا لا أخاطب الدوائر الأمنية ولا فطاحلة المد الثوري ..فتلك
أمة إعتادت على أن لا تـُسأل عما تفعل.. إنما أخاطب من سرت عقلائها
ومثقفيها خاصة الشباب منهم .. وأحشر أنفي ـ رغم أنفه ـ فى قضية أتصور
أنها باتت تقلق الكثير من المراقبين للشأن الثقافي داخل الوطن (
التراتبية الثقافية ) .. ولكن لظروف غدت لا تخفى قد لا يستطيعون المكاشفة
بضرورة إحترام تاريخ البلاد والعباد .. وضبط وتيرة طوابير المنافسة لمنع
ممارسة هواية تجاوز عباد الله تحت ذريعة أن مرتكبها من نسل أصحاب الشرعية
الثورية " تستور " .. أو أنه من حملة بطاقة هوية صادرة عن المنطقة الوسطى
(سرت) التى أصبحت بمثابة كلمة السر لفتح مغارة علي بابا.
ربما
يكون هكذا تصرف ( التكويش ) قد نُصح به .. أو مارسه من لا ينتمي الى
الأسرة الثقافية .. من أصحاب الفكر البدوي المتخلف الذين يظنون أنهم
يستطيعون شراء كل شيء .. أو أن يخلقوا شيء من لا شيء .. وهؤلاء عادة ما
تثبت الأيام أنهم يسيئون الى أنفسهم أولا .. والى من يتوهمون خدمته ثانيا
.. وهم شركاء فى جريمة قتل الثقافة .. ولو مشوا فى جنازتها !!.. وهؤلاء
كانوا وسيبقون ضمن الفقعات الطارئة .. ولكن المقلق هو صمت الثلة المحترمة
.. وأرجو أن لا يزعجكم وصف البعض لصمتكم بأنه من علامات الرضا فى مجارة
الخطيئة ومحاولة إستحلابها .. وهو بكل تأكيد رضا فى غير محله .. ولا
ينسجم مع سمت وفيض الشخصية الثقافية المدنية بالأصالة .
فأن
تتحول بقعة ما ـ أيها السادة ـ الى منارة ثقافية .. أمر يحتاج كما قلت
الى الدخول فى منافسة شريفة .. والى تاريخ .. والى أسماء .. وقبل ذلك الى
مدينة !!.. نعم مدينة .. فلا يمكن بحال أن تكون قرية .. أو حتى شبه مدينة
صحراوية مهدا للثقافة فى رمشة عين .. ولا يمكن بحال أن تتحول معاطن الإبل
الى ميقات مقدس لحاجة فى نفس يعقوب أو حتى شارون .. فلا تشاركوا فى
الجناية على تاريخ ليبيا الثقافي كما جُني على تاريخها السياسي .. وكفى
عبثا .. وأتركوا سرت تأخذ دورها الطبيعي كغيرها من قرى ومدن ليبيا ..
وإلا فسندفع جميعا ثمن ظاهرة الهرم المقلوب ثقافيا .. كما دفعناها
وندفعها سياسيا .
وأنا فى
طريقي الى الخاتمة تذكرت صديقا عزيزا من مدينة سرت جمعتني وأياه ظروف
العمل فى أحد مناطق صحراء ليبيا .. منذ 20 عاما تقريبا .. وكان يحب الشعر
الشعبي .. ويقرضه ..وسمعت منه حينها هذه الأبيات .. التى لم أنساها ..
والتى أرجو إن قرأها أن تذكره ببعض الأوقات الجميلة .. ولا أدري لماذا
ذكّرني التشبيه الرائع الذي حوته بالحالة التى أتحدث عنها .
يقول
صديقي ( الجماعي ) والذى أخشى عليه من ذكر إسمه كاملا .. برغم سرتاويته
.. فليس كل سرتاوي ثورجي .... :
من
ماضي مضا .. كنت معاه عايش فى هنا .. ....... (*)
من
مــــــاضي قبّس .... من نيران من كانوا ونسّ
كنت
معاه شارق فى النفس .... شــيخ كبير و العلوا رقا
طال
العلو لاكني عطـــس .... شـال ايديه باكورا إرتما
حتى
الحيط من تحته ملص .... انا وأياه فى النزلة ســوا
وأكرر
إعتذاري الشديد الى أهلنا فى سرت إذا كان فى كلامي ما يفهم على أنه
إنتقاص منهم أو من مدينتهم الصغيرة فى حجمها الكبيرة بناسها.. فما قصدته
بالنقد ممارسة شاذة تحتاج منهم هم قبل غيرهم الى وقفة من أجل وطن ينزف ..
وله علينا حق التطبيب .
والسلام
عيسى عبدالقيوم
* لم
اعد اذكر رأس البيت أو الملزومة كاملة .