دبلوماسية الحلم .....والسراب
في إحدى الندوات في الآونة الأخيرة
سئل الأمين العام لما يسمى بجامعة الدول العربية..يا حضرة الأمين: هل العرب
جاهزون للديمقراطية ؟ فأجاب حضرته وبكل غبطة ..نعم ..نعم جاهزون.
هنا إذا كان الأمين يقصد ما يقول فهذه مصيبة...وإذا كان الرد نوع من الاستهلاك
الاعلامي فهنا مصيبتان. بالطبع لا أحد ينكر على شعوب المنطقة العربية حقها في
ممارسة الحياة الديمقراطية..ولكن ليس بجواب كلامي على محطة تلفزيونية..وإنما
يحتاج الأمر إلى وقفة جادة وحقيقية إذا ما أريد لهذا المبدأ أن يطبق.
الآن وبعد نصف قرن من الاستقلال عن الاستعمار المباشر لهذه المنطقة والانضواء
تحت مرحلة جديدة من الاستعمار غير المباشر والتي بكل تأكيد أصعب وأطول...باعتبار
تلاشي مبدأ المواجهة الحقيقية بين الشعوب ومن يقودها..فمرحلة الاستعمار المباشر
فيها من الوضوح والشفافية ما يمكن الفرد من تحديد موقفه..
وبالتالي أهدافه.
نجد وبالتحديد لهذه المنطقة من العالم نوعين من التحليل:
الأول: إما أن يكون هناك عقدآ إجتماعيآ بين المستعمر السابق والحاكم
الحالي يقضي بضرورة إستمرار المنطقة في هذا التخبط وعدم إعطاء الفرصة لقيام
الدولة بالمفهوم الصحيح لها.وبالتالي إستمرارية المنطقة بالكامل كسوق إستهلاكية
للمستعمر السابق.
الثاني: إرتياح الديمغرافية السياسية للمنطقة حكامآ وشعوبآ لهذا النوع
من الأقاليم وإختبائها تحت حجج الفقر...الأمية.....إتساع الرقعة الجغرافية
للمنطقة الأمر الذي يصعب قيام تنمية حقيقية ومؤثرة.
يعني... في الحالتين المستعمر المباشر سابقآ هو الفائز وبكل المقاييس.
وفي هذا السياق من المخجل حقآ أن نتحدث عن الديمقراطية وممارستها.. في مرحلة
ماقبل الدولة...ببساطة كيف لك أن تتذق الطعام وأنت بدون فاه, إلا بالارتجالية
التي تحدث الأن..فيما عدا ذلك فالأمر غير ممكن... وما السبيل للديمقراطية ؟
الجواب هنا يتلخص في كلمة واحدة فقط ومع ذلك عجزت عن هذه الكلمة 21 عاصمة عربية
مجتمعة...النفطية منها والفقيرة..ألا وهي: الإنتــــــاج
....
ما لم يكن لديك قاعدة صناعية...أو زراعية ....أو خدمية ..فلن تكون لك قاعدة
ديمقراطية...فالعملية مرتبطة ببعضها البعض كاءرتباط الوليد بأمه..فالديمقراطية
هي وليدة الإنتاج.
وهنا لم أتي بجديد وإنما للتذكير..( وذكر )..فالقاعدة الاءنتاجية يتولد عنها
النقابات العمالية التي ينتمي لها العمال لتدافع عن حقوقهم أمام أرباب
الأعمال..الأمر الذي يترتب عليه سن القوانيين والتشريعات ذات العلاقة..
ومن ثم يأخذ هذا التدرج الهرمي طريقه إلى أن يصل للمثلين في البرلمان
والثقل المطلوب للتصويت على هذا القرار أو ذاك...وتلتقي فيما بعد كل المجريات
في صندوق الاءقتراع الذي يمثل الحكم الرئيسي في إختيار الوزير الفلاني من عدمه...إنتهاء
برئيس الوزراء وما في جعبته هو حكومته من برامج لكافة شرائح المجتمع إبتداءآ
بالطفل وإجازة الراعي له..وإنتهاءآ بملف الضرائب...
فرص العمل... سعر الفائدة....
إلخ من أمور الحياة اليومية للمواطن الحقيقي الذي يؤدي 8 ساعات عمل
يومية حقيقية ويؤجر عليها بالسعر المرضي أقل ما يقال فيه.
إنتهى نصف المشكلة الأن والطريق للديمقراطية أصبح معبدآ..وما هي إلا إجراءات
شفافة وواضحة لممارسة حق الانتخاب للمواطن ومشاركته في إختيار من يحكمه للفترة
القادمة والتي يحددها الدستور وليست الأهواء والرغبات الشخصية.
ومن هنا مازال الطريق طويلآ وشاقآ أمام شعوب المنطقة العربية للوصول
للديمقراطية الحقيقية وممارستها ....فالديمقراطية ستبقى بالنسبة لهم سرابآ
مادامت الدولة نوع من الحلم..الأمر الذي يتطلب منهم أولآ وقبل كل شئ السعي وبذل
كل ما هو غالي ورخيص للفوز بمكسب الدولة العصرية.. التي تقوم على الاءنتاج لا
على الاءستهلاك... وعندئذ فالديمقراطية لن تمانع في زيارة كل العواصم العربية
والتعايش معها بكل ود إحترام.
تحياتي.....
مراد بلحاج - لندن