|
بسم الله الرحمن
الرحيم
يعتقد كثيرُ من
القُرّاء أن الكتابة أمرٌ هين ليِّن... فما على المرءِ إلا أن يسجل الفكرة..
ثم يبدأ في صياغتها بأسلوبه الخاص محاولاً جَهده أن يخرج مقاله في ثوب قشيب
... وبعد تجربتي المتواضعة في الكتابة... وقفت على أن الكتابة مَلَكة و
قُدُرات يجب توافرها في الكاتب .. فليس كل ما يلمع ذهبا... فالكتابة فن في
الإنشاء على نحوٍ غير معهود... فلا يغتر أحدنا وسمه بالكاتب الليبي ( .... )
من قِبَل بعض أصحاب الصفحات الليبية الإلكترونية.
وإن كنت أنسى...
فلا أنسى زيارتي للدكتور (أحمد نوفل) في الجامعة الأردنية عندما صدمني بعبارة
: سعيد حوى ليس بكاتب.. بل هو "مُجَمِع " فقلت له متعجباً: إن لم يكن سعيد
حوى – رحمه الله – كاتباً !! فمن هو الكاتب إذن ؟! فرد مبتسماً : سيد قُطب هو
الكاتب بحق.
إنَّ أخطر ما في
عملية الكتابة.. هو جهل صاحبها بأبعاد ما يُسطره من كلمات .. وتداعيات كل لفظ
يختاره طواعية دون إجبار .. فإذا كانت سورة ( ق ) تزجر المتكلم و المتحذلق
الذي يرخي للسانه العنان... فتقرع مسامعه آية واحدة .. لو تفكر أحدنا في
مغزاها للجم لسانه بلجام من صمت رهيب.. كيف لا وهي تُقرر أن (ما يَلْفِظُ مِنْ
قَوْلٍ إلاّ لديه رقيبُ عتيد) سورة ( ق ) آية – 18 -.
كذا الكلمة التي
يسطرها بنان الكاتب يُسجلها الرقيب العتيد المُكلف بصحيفة الإنسان.. فإن كان
اللفظ خالصاً لله صواباً... فيا فوز الكاتبين... وإلا حُسِبت الكلمة على
صاحبها .. وسجلها مَلِك السيئات ليوم يجعل الولدان شِيِبا... فإن عَقِمَ
الكاتب جواباً يوم الحساب ..و لم يكن ثمة إخلاصٍ ولا صواب.. عضَّ أنامله
وقَرَع سِنه.. ولاتَ ساعة مَنْدَمِ... أي ليس الوقت وقت ندامة وتحسر.
وما أحسن قول
الشاعر مُحذراً و مُنبهاً:
كَتَبتُ وقد أيقنتُ يوم كِتابتي ... بِأنّ يَدَيَّ
تَفْنَى و يَبْقى كِتَابُها
فإنْ كَتَبَتْ خيراً سَتُجْزَى بِهِ ... وإن
كَتَبَتْ شَراً عليها حِسابُها
وما أجمل هذين
البيتين عندما سطرهما صاحبهما قائلاً:
وما
من كاتبٍ إلاّ سيفنى ... ويبقى الدهر ما كتبت يداهُ
فلا تكتُبْ بكفك غيرَ شيء ... يَسُرُكَ في القيامة أن تراه
لقد آلمني وآلم
كُل قارئ ليبي يُحب الله ورسوله – صلوات ربي وسلامه عليه – جرأة بعض الكُتاب
الليبيين على كتاب الله - سبحانه وتعالى – همزاً ولمزاً وتشكيكاً في ثوابت
ديننا الحنيف!! مستخفين بالمُحكم من الألفاظ القرآنية!! مُتبعين المُتشابه
منه.. ابتغاء الفتنة .. وابتغاء تأويله!! ناسين أو متناسين أن كُل كلمة
مَحْسوبة إمَّا لهم أو عليهم.. وغرهُم حِلمُ الحليمِ سبحانه بهم!! وقد غاب عن
هؤلاء خطورة ما يكتبون وأبعاد ما يُسطِرون.. وكأنه ما مر بهم قول رسولنا
الكريم مُحذراً من خطورة الكلمة "والكلمة هنا تستوي نطقاً باللسان.. أو خطًاً
بالبنان": (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما
بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه) رواه الترمذي – وصححه عن بلال بن
الحارث رضي الله عنه مرفوعاً.
إن مِن أجّلِ
نِعَمِ الله علينا – نعمة البيان – أي قدرة الإنسان على الإيضاح و التعبير
(1) ... وإن المتتبع للصفحات الليبية الإلكترونية – سواء منها داخل البلد أو
خارجه – يلاحظ أن بعض أصحاب الأقلام الليبية لا يُقدِرون هذه النعمة حق
قَدْرِها... فتراها و قد تنصلت من دينها الإسلامي الذي أكرم الله به أهل
ليبيا من قبائل "الليبو والتحنو والمشواش" عندما أصبحوا أنصاراً للفاتحين
المهاجرين من الصحابة والتابعين.
لقد انقضى شهر
رمضان المبارك لهذا العام .. والقلوب لازالت متعلقة بروحانيات صوم نهاره..
وقيام لياليه... وأنتهز هذه الفرصة الطيبة كي أهيب بأصحاب الأقلام الليبية
وأُناشدهم الحفاظ على النسيج المتناسق والمتآلف للمجتمع الليبي المسلم عقيدة
وعبادة و منهاج حياة!!.
ألا يكفي مجتمعنا
الليبي "القطط السِمان" الذين أحدثوا خرقاً مادياً اقتصاديا .. نتج عنه تفاوت
طبقي ملحوظ أسهم في نهش وتفتيت ذلكم النسيج المجتمعي الذي فقد بعضاً من
التناسق والتآلف الذي عهده طوال عقود مضت!!
إن من يحاول
المساس بثوابت ديننا العظيم الذي اجتمعت عليه أمتنا... أُحمله مسئولية الهوة
والأخدود الذي بدأت تتسع فضاءاته ومساحاته عل حساب وحدة الوطن والمجتمع
الليبي المسلم.
إن برقة و فزان
وطرابلس الغرب أرض إسلامية قبل أن يطلق عليها الإيطاليون اسم "ليبيا".. وإن
دماء الصحابة والتابعين الذين شرفوها بالإسلام لن تذهب هدرا... وإن شجرة
التوت لا تُنبت إلا توتاً... ولن يستقيم الظِلُ والعود أعوج... وعلى الذين
تجرؤا على ثوابت ديننا الإسلامي الحنيف.. عليهم ألا يكونوا أقل شجاعة من "سلمان
رشدي" الذي تمسك بجنسيته "البريطانية" بعد هذياناته الشيطانية .. مشتهراً
بالكاتب البريطاني من أصل هندي.
لماذا لا يخرج
أمثال هؤلاء إلى العلن بأسمائهم الحقيقية – كما فعل "سلمان رشدي" – طالما
أنهم مقتنعون بما يكتبون .. ويعلنوا عن أفكارهم بكل صراحة ... فمن شاء فليؤمن
ومن شاء فليكفر ... وهنا تتحقق سُنة التمحيص .. ويَمِيز الله الخبيث من الطيب.
وقد يرد بخَلَد
أحدهم أن هذا منهج إقصائي أًحادي النظرة.. أقول لأمثال هؤلاء: كلُ قد علم
صلاته وتسبيحه.. وليعرض كل منهم نفسه على القرآن الكريم والسنة المطهرة
الشريفة.. فإن لم يكن أحدنا قرآناً يمشي على الأرض – كما وصفت أمنا عائشة
رضوان الله عليها – خُلُقَ رسولنا العظيم – الله صلى الله عليه وسلم – ...
فعلينا أن نؤوب و نعود لننهل من هذا المعين الصافي الرباني... وإلا فالموت
أقرب إلينا من حبل الوريد.
ونظرة سريعة
للمشهد الثقافي داخل الوطن الآن .. ولما يُنشر في كثير من الصفحات الليبية
الداخلية ... كفيلة للتدليل على توجهات بعض أصحاب هذه الأقلام التي تعزف
سيمفونية رائعة المُسمى.. ولكنها في قمة النشاز الثقافي الوطني الليبي.
لقد درست علم
الموسيقى أربع سنوات في معهد علي الشعالية عندما كان في شارع "تورينو" (via –Torino)
وكنت من المتخرجين من الدفعة الأولى عام 1977 ميلادي .. وكان دوري في فرقة
المعهد "المايسترو" ... لذلك فإن النشاز عندي وإن لم يكن موسيقياً- فإن ما
يكسبه الفنان من: "رومانسية "بعد تخرجه – كفيل بأن يكتشف غياب "الأوكتاف"
النغمي الثقافي والذي ترفضه معزوفاتنا الثقافية الأصيلة...
"الأوكتاف" هو توافق النغمة الأولى مع
الثالثة والخامسة في السلم الموسيقي مثلاُ...
أما في مشهدنا
الثقافي الليبي عامة... فإن كثيرين من كتابنا هم معنا على خشبة المسرح...
منهم من تألق باسمه الحقيقي ولبس أحسن الثياب... إلا أن عزفه (كتاباته
الثقافية) لا زالت نشازاً... وكثير منهم يفتقد إلى مَلَكَةِ الكتابة وفُنونها..
أمّا المَلَكة.. فهي هِبة من المولى سبحانه .. ولا يُلَقاها إلا ذو حظ عظيم...
وأما فن الكتابة فهو نتاج جهد متواصل من الإطلاع المستمر يرتقي بصاحبه إلى
مصاف المثقفين... ثم الخبرة التي تأتي بعد ممارسة عملية لفن الكتابة.. وما
يُلَّقاها إلا الصابرون العاكفون على الاطلاع المستمر.
أناشد كل كاتب
ليبي يُحب الخير لوطنه و لقومه ولأمته الإسلامية... أن يقف وقفة جادّة أمام
هذه النعمة العظيمة – نعمة البيان – أناشده أن يسأل نفسه يوم ولدته أُمه: هل
كان بمقدوره أن يكتب كلمة واحدة أو يتلفظ بعبارة واضحة؟! فإن كان جوابه حتماً:
لا ... أختم معه خواطري متعجباً مستفسراً: هل جزاءُ الإحسان إلا الإحسان؟!
صلاح عبد العزيز
جنيف – سويسرا –
21/10/2007 ميلادي
- ( 1 ) ذكر ابن كثير( رحمه الله) مامختصره: يخبر تعالي
عن فضله ورحمته بخلقه, أنه أنزل لعباده القرآن, ويسر حفظه وفهمه علي من
رحمه فقال : ( الرحمن* علم القرآن* خلق الإنسان* علمه البيان*)
قال الحسن: يعني النطق...
- وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( للشيخ محمد حسنين مخلوف ) مانصه
:( خلق الإنسان* علمه البيان) أي خلق النوع الإنساني علي أبدع صوره,
ومكنه من بيان ما في نفسه بالمنطق الفصيح, ومن فهم بيان غيره, فتميز بذلك
عن الحيوان, واستعد لتلقي العلوم والخلافة في الأرض. وهذه نعم عظمى توجب
الشكر والتعظيم لله تعالي...
- وذكر صاحب الظلال ( سيد قطب ) ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ ما مختصره :خلق
الإنسان* علمه البيان).. أننا نري الإنسان ينطق ويعبر ويبين, ويتفاهم
و يتجاوب مع الآخرين.. فننسي بطول الألفة عظمة هذه الهبة وضخامة هذه
الخارقة... فيردنا القرآن إليها.. ويوقظنا لتدبرها في مواضع شتى... إن
تكوين جهاز النطق وحده عجيبة لاينقضي منها العجب..
مدونة الكاتب
"ليبيا..... يا نغماً في خاطري"
|
|
|