|
قد أسلفت القول بما لا
يزيد عليه في مقال السابق بعنوان (ليبيا اليوم) بعض ما يعانيه
المواطن الليبي من مأسي يومية متكررة وبيان ما آلت إليه الأمور
والاوضاع خلال مسيره ما يزيد عن ثلاثة عقود ونيف مذ وقوع
الانقلاب المشئوم. وفى مقالى هذا احاول تسليط الضوء على
المسئول الأول والأخير عن هذه المأساة وعلى من تقع على عاتقه
المسئولية.
فكما هو معلوم لدى الجميع فقد أصاب جل
أو كل أبناء ليبيا القمع والاضطهاد الذي يصب عليهم من قبل
النظام واعوانه والارهاب اليومى الذي يمارس على المواطن، تساوي
في هذا الطفل والشيخ الطاعن في السن، كما أخذت المرأة الليبية
نصيبا قاسيا. ولم يسلم من هذه الممارسات الإرهابية حتى رفاق
القذافي نفسه، ومن نصبوه في قمة السلطة، و أوصلوه إلى سدة
الحكم!!
إن الشعب الليبي وقواه الوطنيه
(المعارضة الليبية) والمجتمع الدولى تمتلك الأدلة الدامغة
والكافيه لادانه القذافي واعوانه عن جرائمه والمضحك المبكي أن
محاولة البعض تبرئة القذافي مما حصل من الويلات، والتستر على
جرائمه طيلة السنوات العجاف المنصرمة بشتى الحجج والمبررات
الواهية والزائفة .
أنّ المسؤولية -قطعا -الأولى والأساسية
والكاملة عن كافّة هذه الجرائم والانتهاكات إنّما تقع على
المدعوّ معمر القذافي.. و أعوانه و بقية عناصر النظام وينبغي
في هذا السياق التأكيد على انه يوجد عشرات إن لم يكن مئات
الشهود على هده الجرائم وهي تؤكّد
بما لا يدع أيّ مجال للشكّ بأنّ المدعو معمر القذافي هو
المسؤول الأول والرئيسي والأخير عن كافّة الجرائم والمظالم
التي ارتكبت بحقِّ الشعب الليبي في ظلّ النظام الانقلابي طوال
هذه السنوات ولن يغيّر من هذه الحقائق أو يقلّل من قيمتها
وأهمّيتها شيئاً..
من ذلك:
· ادّعاء القذافي في مناسبات عديدة
بأنّه ليس بحاكم ولا ملك ولا رئيس... فالصلاحيات الثورية التي
أعطاها القذافي لنفسه تتجاوز ما أعطته كافّة الدساتير
والقوانين لأي حاكم أو ملك أو رئيس.
· أو قدرة القذافي ونجاحه في إصدار
كافّة أوامره وتعليماته شِفاهاً ودون دليل مكتوب، أو نجاحه في
تغييب وإخفاء أدلّة وقرائن وشهود تورّطه وتدلّل على مسؤوليته
سواء أكانت هذه الأدلة والقرائن مادية أو بشرية. فالمعروف أنّ
جميع الحكام الطغاة ممّن هم على شاكلة القذافي لا يعطون أوامر
كتابية كما أنّهم لا يتردّدون حتى في تصفية من يخشون أن يكونوا
شهوداً يوماً ما على جرائمهم.
· ادّعاء القذافي بعدم علمه بما جرى من
مظالم ومفاسد وجرائم وتجاوزات في ظلّ نظامه الانقلابي على
امتداد هذه السنوات. فيقول مثلا في خطاب له:
... أنا
اعتبر أن هناك فساداً قمتم به، وأنكم الشعب بكامله قد انحرف
ولوكانت هناك حكومة أطيح بها أو قام عليها انقلاب.. أما
بالنسبة لي فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن أعترف أنني حكمت
هذه البلاد في يوم من الأيام إطلاقاً، ثم أنني بأي مسوغة أخرى،
لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية أي توجيه أو نصح أو إرشاد من الآن
فصاعداً وكل المسؤولية هي مسؤولية الليبيين رجالاً ونساءً
وبالتالي فلا تحملوني مسؤولية أنني حكمت أي يوم في ليبيا...
وحتى لو لم يكن القذافي يعلم بتلك
المظالم والجرائم والتجاوزات، فهو يظلّ مسؤولاً عنها بحكم مبدأ
مسؤولية الرئيس عن أعمال تابعيه.
يقول الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض بما
نصّه هناك مبدأ دولي حاسم.. وهو أنّ الرئيس يُسأل عن أعمال
تابعيه، حتى لو لم يكن أصدر أوامر وحتى لو لم يكن يعلم... في
خبرتي العملية ما لقيتش رئيس بيدّي أوامر مكتوبة أبداً، بيدّي
إمّا أوامر شفهية، يا إمّا يسكت ويسيبهم يتصرّفوا دون أن
يتدخّل، فحتى السكوت يعتبر جريمة، وحتى عدم العلم يعتبر جريمة،
لأنّ الرئيس مفروض أن يعلم .
( أن السكوت على جرائم الطاغية من جانب
العالم العربي أولاً،والمجتمع الدولي ثانياً هو الذي ادخل
ليبيا هذا النفق المظلم، وحملها ثمنا باهظا من دماء أبنائها،
على رغم أنها معروفة للقاصي والداني، ولا نغالي إذا ما قلنا
بأن التاريخ الحديث لم يشهد حاكما دمويا مثل القذافي.
أن محاكمة القذافي وأركان نظامه ضرورة
إنسانية، والقنا عات الجديدة لدى بعض الأوساط الدولية بمقاضاة
صدام حسين وأركان نظامه تبقى ناقصة ما لم تتحول إلى آليات عمل
محددة كتقديم طلب رسمي إلى مجلس الأمن لبحث قرار تشكيل محكمة
دولية لمحاكمة القذافي وأركان نظامه والسؤال الذي يطرح نفسه
بقوة هو: ألم يحن الوقت بعد لمقاضاة القتلة والمجرمين من أمثال
القذافي وأعوانه! ؟ نترك الإجابة على هذا السؤال للأسرة
الدولية التي ظلت تراقب الأوضاع المأسوية داخل ليبيا،وتلحظ
معاناة الموت البطيء لشعب يرزح تحت طائلة الجوع والمرض، والقمع
والاضطهاد الذي قل نظيره في عصرنا الحديث ،وهم يدركون حجم
الكارثة التي حلت بالوطن الجريح. ومن هنا فان الدول العربية
الشقيقة مدعوة للانضمام إلى فكرة مقاضاة القذافي وأركان نظامه،
علما بان الكرة في مرمى الأشقاء العرب لبلورة موقف دولي مساندة
للفكرة عبر إيجاد الآليات لحمل المنظمة الدولية لتشكيل مثل هذه
المحكمة بدلا من التعاطف مع الشعب الليبي الذي لا يسمن ولا
يغني من جوع. وغير خفي أن بقاء القذافي في الحكم واستمراره
يشكل خطرا على أمن دول الجوار، وزعزعة استقرار الشمال
الأفريقي، وتهديد السلام العالمي، وقبل هذا وذاك دمار الشعب
الليبي وفنائه. ولذافان الشعب الليبي بكل شرائحه الاجتماعية
يتطلع لإخوانه من الدول الشقيقة والصديقة الوقوف معه من اجل
حمل المجتمع الدولي لمقاضاة القذافي وأركان نظامه بوصفهم مجرمي
حرب لينالوا جزائهم العادل، ويكونوا بذلك عبرة لغيرهم من مجرمي
وجلادي الشعوب في سائر إرجاء المعمورة)
وخلاصه القول اقول انه لا يكفي أن يقال
أنّ ليبيا تعيش اليوم ومنذ استيلاء انقلاب سبتمبر على
مقدراتها، واقعاً مأساوياً كارثياً ازداد مع السنوات سوءاً
وتفاقماً، ولكن ينبغي أن يتمّ التأكيد في الوقت نفسه على أنّ
هذا الواقع هو من صنع القذافي، وهو نتاج توجّهاته وسياساته
وممارساته، وأنّه هو المسؤول الأول والرئيسي عنه...
إنّ المطالبة بتقديم القذافي إلى القضاء
العادل ومحاكمته عمّا ارتكبه وجنته يداه على امتداد ستا
والثلاثين عاماً الماضية هي حقّ طبيعي ومشروع للشعب الليبي
تسنده كافّة الشرائع السماوية والوضعية.
وإنّ هذه المطالبة هي حقّ عام لكافّة
الليبيّين.. ولا يملك أيّ شخص أو فئة منهم الصفة التي تخوله
للتنازل عن هذا الحقّ تحت أيّ ظرف وبأيّ ذريعة.. وأي مبرّر كما
أنّ هذه المطالبة هي ضرورة وطنية حيوية إذا أردنا –نحن
الليبيّين- صلاح أوضاع بلادنا على أسس صحيحة راسخة، ورغبنا في
الحيلولة دون تكرار هذه المأساة. الكارثة مرّة أخرى في
المستقبل او ليس قد حان الوقت للتخلص من القذافى ومحاكمته على
جرائمه ؟
احمد
عبدالرحمن (ابن الوطن)
ahmed_abdelrhman@hotmail.info
*هذا المقال هو في مجمله
تلخيص
لكتاب "مأساة ليبيا ومسئولية القذافي"
للدكتور محمد يوسف المقريف، وننبه القارئ الكريم
على جودته ونفاسته فلينظر ان تيسر.
ومقال "أن الأوان لمحاكمة القذافي وأركان
نظامه" للدكتور جاب الله موسى حسن.
1-خلال اللقاء الذي أجراه معه برنامج بلا
حدود بقناة الجزيرة العربية يوم 17/12/2003،
الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض حاصل على
الماجستير في القانون الدولي من جامعة كمبريدج ببريطانيا 1953
وعلى الدكتوراه من جامعة باريس عام 1954 وعمل عام أستاذاً
للقانون الدولي في جامعات باريس وكولومبيا في الولايات المتحدة
الأمريكية وصنعاء وبيروت. اختارته الأمم المتحدة 1995 عبر
الانتخاب كأحد الأعضاء عام التسعة للمحكمة الدولية لمحاكمة
مجرمي الحرب. |