مجلة (صوت ليبيا) وذكرى المرحومة خديجة الجهمى !
الهادي عبد الله الزاوي
قرأت فيما أحرص باستمرار على قراءته ، فى موقع أخبار ليبيا - ونحن مازلنا داخل ليبيا ولم ولن نبارحها أبدا - مقالا قيّما ورائعا فى صياغته وان جاءت " الوقائع " التى بنى الكاتب عليها " المقال " تنقصها الدقة ، وليست ، فى غالبها ، صحيحة !
المقال ، للكاتب الليبي المعروف ، الأستاذ مفتاح السيد الشريف ، وهو أحد المثقفين الليبيين الأوائل ، من جيل الرواد فى الخمسينيات ، الذين ضاع صوتهم فى زحمة الضجيج الثوري واختفت أقلامهم من ساحة الإعلام فى ليبيا منذ وقوع انقلاب الفاتح من سبتمبر1969 ! ، وقد لزم ، مفتاح الشريف منذ ذلك الحين ، مكاتب " وظائفه السامية " فى كل من روما وألمانيا الاتحادية وبلدان أفريقية أخرى متعدّدة ، وبقى يمارس وظائفه الرسمية فى دولة القذافى ، أو على هامشها، حتى بلغ سن التقاعد ! وعندها اختار عدم العودة إلى ليبيا والبقاء آمنا مطمئنا فى بلد زوجته بألمانيا ، ويبدو أنه وجد بعد ذلك ، الفرصة ما زالت سانحة للعودة للكتابة ، ولو بأسماء مستعارة وأحيانا باسمه الحقيقي ، بعد ثلاثين سنة من الصمت والانزواء ، وهو موقف أشرف وأسلم ، على كل حال ، من مواقف " الأقلام الخائنة " والرديئة التى تلتزم على الدوام ، البقاء مع السلطة .. سواء كانت " ملكية " أو انتقلت إلى يد الرعاع والأشرار من عساكر البدو الذين نفذوا انقلاب " الفاتح " من سبتمبر المشبوه، من أمثال كامل أعراب وأمين مازن وعلى مصطفى الظراط وعلى خشيم واحمد ابراهيم الفقيه !
وقد عرفنا " مفتاح الشريف " فى العهد السابق : ناقدا أدبيا وكاتبا صحفيا مرموقا إلى جانب كتاب الرعيل الأول من أمثال عبد القادر أبو هروس وفاضل المسعودى ويوسف ألدلنسى ويوسف القويرى ومحمد فريد سياله وعبد الله القويرى وكامل المقهور والشاعر عبد الحميد البكوش وغيرهم من كتاب اليسار والطليعة التقدمية فى ليبيا .. ليبيا " الملكية الدستورية " التى راهنت فى بدايات نشأتها بعد الاستقلال على إرساء قواعد التعليم الحقيقي للأجيال الجديدة والتوسع فى انتشاره من أجل الخروج الفعلي والسريع من التخلف وبناء دولة ليبيا الحديثة والانطلاق فى اتجاه التاريخ وعلى ضوء حقائق العصر الحديث، وقد نصّ دستور دولتها على جعل التعليم للبنين والبنات إجباريا وأمّن " انطلاق الثقافة وحركة التنوير" وحرية الفكر والتعبير وتقدم وسائل الاعلام والنشر والصحافة .
مفتاح السيد الشريف هذا إذن، أحد أبرز كتاب الطليعة التقدمية الليبية وواحد من عناصر النخبة والشباب العصامي الذى تعلم وعلم نفسه بنفسه وأصبح فى العهد الملكي من موظفي الدولة الكبارالكفئين بدءا من أول وظيفة تقلدها فى مكتب رئيس الوزراء السيد مصطفى بن حليم وتدرجه بعد ذلك فى وظائفه المهمة بوزارة الاقتصاد ، ثم السلك الخارجي حتى أدركه عهد " الانقلاب " الذى انخدع الشريف به كما انخدع به عند وقوعه معظم " مثقفي اليسارالليبى " وحسبوه " ثورة وطنية " بالفعل وليس مشروعا أمريكيا ونفطيا مخططا له بعناية ومدبرا له بقدر كبير وخطير من الدهاء والمكر، الا أن ( خطاب زواره الهستيرى) فى 15 أبريل 1973 ، وثورة القذافى الثقافية هي التى فضحت حقيقة هويته وصدمت بالتالي تصورات اليسار الليبي الحالمة وخيبت أوهامهم وسفهت آمال الجميع ، ووضعت أغلبهم أمام الخيار الصعب : العمل فى خدمة تسلط طغمة العساكر الرثة ورعاع البدو – على رأى طيب الذكر، البعيد القريب : فاضل المسعودى - وجهلهم وجاهليتهم جريا وراء ( لقمة العيش) أو تداعيات الجبن والطمع والأنانية .. أوالبقاء فى الظل والانزواء فى مكاتب وظائفهم الرسمية ، والاهتمام فقط بنجاة النفس وضمان العيش بعيدا عن المتاعب والمخاطر .. ولك الله يا ليبيا !
.. الا أن مفتاح السيد الشريف - رغم كل ذلك - كان على ما يبدو- يستشعر فداحة ما حدث ويدرك هول الكارثة، فاضطر للنأى بنفسه عن ( الهمل ) وتجنّب التورط فى " زلة " قد تحسب عليه بعد ذلك .. وكم ذا بليبيا من أصناف الهمل، الذين كان فى إمكانهم أن يحترموا أنفسهم ويبتعدوا عن المشاركة فى مهازل وحقارة ( السرك الثوري المنحط ) ويكتفوا بما وصلوا إليه من أسباب الستر والعيش بكفاف وتواضع .. ولا يتنكروا للماضي المجيد ولا للرجال الذين فتحوا أمامهم أبواب التعليم والحياة الكريمة والارتقاء والوجاهة والمناصب الهامة ، ومقاعد البرلمان أيضا، من أمثال خليفة التليسى وعلى مصطفى الظراط المصراتى، و" فضيلة " الشيخ محمود صبحي ، وبشير .المغيربى، الذى بقى فى الخدمة حتى استغنى عنه، فربط حبال انتهازيته بسلطان الخليج، وتفرّغ لكتابة مذكراته .. مصمما - كبقية زملائه الانتهازيين – على أن يتربع باستمرارعلى مقعد بين " الأخيار فى الاسلام، أى " العهد المباد " وتوافه الأخيار فى الجاهلية .. جاهلية معمر بو منيار القذافى ؟
ومن ألمانيا الاتحادية، الآمنة، حيث يعيش سنيي التقاعد، استأنف مفتاح الشريف ، الكتابة بانتظام وغزارة ، معبّرا عن عمق انشغاله بقضايا الوطن والاهتمام بتفاصيل محنته الرهيبة، من خلال " مقالات " وتراجم، هي غاية فى الروعة والأسلوب المتمكن والعمق والموضوعية وسعة الثقافة .
وهو الآن بحق، من القلة القليلة التى لاينبغى أن يفوت قراء المواقع الأنترنيتية " من ذوى المستوى المستنير " متابعة ما يكتب، رغم ما تزدحم به هذه المواقع من الغث والهديان والجهالة وضحالة الفكر وانحطاط اللغة ورداءة الأسلوب الذى يثير الغثيان ويدعو للأسف الشديد ويكشف – فى الوقت نفسه - المستوى الذى انحط إليه الكثير من الجيل الجديد من كتاب زمن القذافى .. وعهد ( هوجة ) الفاتح من سبتمبر غير المجيدة ..
الا أن ما جاء فى مقاله بتاريخ 16 مارس الماضى 2005 عن " تكريم السلطة القذافية " للمرحومة السيدة خديجة الجهمى بعنوان : وفاء لذكرى خديجة الجهمى – التى رحمها الله، لم تكن وفية بالقدر المناسب للعهد الذى رحّب بعودتها من المهجر وبوأها مكانا فوق مؤهلاتها الثقافية والإعلامية والشخصية، فى الإذاعة ووسائل الإعلام – .. الا أن ما جاء فى مقال مفتاح " بضع أسطر " كانت هي التى لفتت نظري، لما تضمنته من معلومات مغلوطة ووقائع غير صحيحة تجعلني – وجعلتني - رغم إعزازي وتقديري للكاتب والصديق القديم، فى حاجة إلى هذه المداخلة القصيرة حتى أصحح ما تضمنه المقال من أخطاء لا يمكن أن يتسبب فيها الا التقدم فى السن، وما قد يعتري الذاكرة الإنسانية بمرورالزمن من ضعف ، ولحرصي الشديد على أن تبقى كتابات مفتاح الشريف على الدوام ، بنفس المستوى وعلى ذلك القدر من القيمة والجودة والمصداقية والدقة .. وحتى نكون أمناء مع التاريخ وأوفياء للحقيقة ولمفتاح نفسه، ولكى لا نبخس الناس أشياءهم كما هي سمة عصر الغوغاء ومركبات شخصية جيل القذافى وإفرازات نظامه الهمجي المتخلف.
******
يتذكر مفتاح الشريف " كيف بدأت أول معرفته بخديحة الجهمى عام 1954 فى القاهرة فيقول : " عندما بدأت فى تجميع مواد العدد الأول من مجلة كنت أتولى تحريرها هناك باسم ( صوت ليبيا ) ناطقة باسم نادى ليبيا الثقافي . و" .. وعرضت على خديجة أن تساهم فى العدد الأول من المجلة الوليدة ، وتكون أول فتاة ليبية ترسل مقالة من المهجر إلى أخواتها وأمهاتها فى أرض الوطن ، انتابها استغراب شديد ، كيف لنا نحن الطلبة " الكحيانين " من ليبيا أن نحصل على ترخيص بإصدار مجلة فى القاهرة – فضلا عن توفير تكلفتها طبعا- فشرحت لها ( التكنيك ) الذى اهتديت إليه مع الأخوة وهو: أننا عثرنا على مثقف مصري كان يصدر مجلة فصلية – مرخص بها – تحمل اسم ( الجامعة العربية )، وكان يصفف حروفها بيده ويطبعها بمطبعته المتواضعة فى أحد شوارع القاهرة العتيقة وتوقفت عن الصدور لضيق ذات اليد بسبب ضيق ( ذات ) السوق ! وبعد تقليب الأمر من عدة وجوه ، استحال علينا استعمال الترخيص الذى فى حوزته لكي نستغله فى إصدار ما أجمعنا عليه وتشبتنا به، أن يكون صوتا لليبيا يزف اسمها ، خاصة فى القاهرة عاصمة العرب الثقافية والسياسية ، لا سيما أن ثورتها كانت فى عنفوانها تلهب جموعهم فى كل مكان ، فجاءت الفكرة اللماعة بأن يكون الغلاف هكذا " مجلة الجامعة العربية تقدم ( بحروف صغيرة ) " صوت ليبيا " بحروف كبيرة يرفرف عليها العلم الوطني ( كما يرى القراء فى الصورة .. ) .. " أما التكلفة التى أنقصها المثقف الطيب إلى ما يساعده فى سد الرمق - فقد تعاهدنا على أن نجمعها له من ثمن بيع العدد لطلابنا الليبيين، فلم نلجأ بطلب العون من سفارة ليبيا لأننا كنا مناوئين لسياسة حكومتها فى توقيع المعاهدات المعروفة. وهكذا كان .. "
******
ولكن الذى كان فى الواقع ليس هذا الذى يرويه السيد مفتاح الشريف بخصوص صدور مجلة ( صوت ليبيا ) .. فلصدور هذه المجلة قصة أخرى لا علاقة لها بكل تلك الطرائف التى ذكرها الكاتب !!
ان الذى أصدر العدد الأول والعدد الثاني من مجلة ( صوت ليبيا ) باسم نادى طرابلس الغرب الثقافى ، هو فاضل المسعودى الذى نجح فى تحويل " النادى " يوم ذاك من مجرد مكان للقيا ولعب " البنج بنج " واحتساء كوب من الشاي المصري الخفيف من يد مدير مقصف النادي ، النوبى ( عم حسبو ) .. من ناد عاد إلى " " بؤرة " لتسييس الطلبة ودفعهم إلي الاهتمام بما يجرى داخل ليبيا وخاصة فى الفترة الانتقالية قبيل إعلان الاستقلال وعقب قيام الدولة الليبية ..
وبمبادرة المسعودى مع زميله وصديقه محمد عمر الطشاني تم إصدار أول مجلة ثقافية للنادى باسم ( صوت ليبيا ) التى ذكرنا بها الآن مقال السيد مفتاح الشريف !
وهما، أي فاضل المسعودى ومحمد عمر الطشاني هما اللذان استأجرا رخصة المجلة المصرية المتوقفة عن الصدور من صاحبها الذى كان يصدرها باسم ( الجامعة العربية ) ، ليصدرا برخصتها ( صوت ليبيا) إذ كان قانون النشر والمطبوعات فى العهد الملكي ( قبل ثورة يوليو) لا يلغى رخص الصحف لمجرد توقفها عن الصدور، ويجيز إصدار نشرات باسمها، أي باسم المطبوعة السابقة، على أن يظهر اسم الصحيفة المرخصة الأصلية على غلاف الإصدار الجديد . وكان الأسطي حسين كاظمى، صاحب محل ( زنكغراف النصر) الواقع بجانب دار الكتب المصرية، بميدان ( باب الخلق ) هو صاحب فكرة استئجار الرخصة من صاحب المجلة ، وهوالذى اقترح على صديقيه الليبيين : المسعودى والطشاني استئجار رخصة مجلة ( الجامعة العربية ) وتوسط لهما مع صديقه صاحب المجلة المتوقفة عن الصدور، مقابل مبلغ مقطوع متواضع تقاضاه الرجل منهما.
وتولى المسعودى وضع تصميم مجلة ( صوت ليبيا) بمهارته الصحفية المتميّزة وتحديد أبوابها الرئيسية وتنفيذ عملية الإخراج ، أما "خطوط الأبواب والعناوين " فقد كتبها له أستاذه فى فن الخط ، المرحوم محمد حسنى الخطاط ، والد الفنانة " نجاة " التى عرفت " بنجاة الصغيرة " وهو أيضا والد الفنانة الراحلة سعاد حسنى وبقية أخواتها . وكان للمرحوم محمد حسنى مكتب لكتابة الخطوط بالشارع الذى يبدا من ميدان الأوبرا من جانب جامع الكيخيا وينحدر إلى اتجاه منطقة عابدين ، وقد سمى بعد إلغاء الملكية وتنصيب اللواء محمد نجيب رئيسا للجمهورية بشارع الجمهورية ، وكان الشاب فاروق ، ابن الخطاط محمد حسنى يساعده والده بالعمل فى هذا المكتب لأنه خطاط أيضا.
والخطاط محمد حسنى صديق شخصي للأسطي حسين كاظمي ، صاحب محل زنكغراف النصر، وهو مصري من أصل إيراني ، وبعد وفاته رحمه الله فى نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، تولى ابنه الأكبر، الشاب النابه الأستاذ عبد الوهاب استلام المحل وحافظ على استمراره حتى سنة 1991 ، وبعدها انقطعت صلتي أنا " صديق كل الأطراف " بالقاهرة ولكنني علمت مؤخرا بأن المحل ما زال مفتوحا ويعمل فى نفس المكان والعنوان .
******
أصدر فاضل المسعودى الذى تولّى أيضا رئاسة النادى بقية الدورة، بعد سفر رئيسه الأستاذ مصطفى القويرى إلى ليبيا .. أصدرعددين من مجلة ( صوت ليبيا ) أرسلا إلى مكتبة الفرجانى فى طرابلس حيث تولت بيعها وتوزيعها، إلى جانب توزيعها المحدود جدا وسط الطلبة من أعضاء النادي فى القاهرة.
وكان طلبة طرابلس قد أسسوا هذا النادى فى أعقاب انتهاء الحرب العالمية باسم ( نادى طرابلس الغرب الثقافي ) وقبل أن تنتهي دورة مجلس الإدارة، حاول المسعودى حث معارفه وأصدقائه من طلبة ولاية برقة للانضمام إلى النادي وتحويل اسمه بعد انضمامهم إليه ، إلى ( نادى ليبيا ) بدلا من اسمه القديم، ولكن غالبية طلبة برقة من أصدقائه ومعارفه، رفضوا يومها الانضمام واشترطوا أولا " تغيير" الاسم القديم !
وطالب عدد آخر منهم بوضع النادي تحت إشراف السفارة الليبية التى لم يكن قد مضى سوى وقت قصير على افتتاحها ، فلم يقبل المسعودى بهذه الشروط وبقى النادي باسمه القديم وبعيدا عن السفارة الليبية، وحرص المسعودى على أن يواصل نشاطه المعارض من خلاله ومن خارجه ، ضد المعاهدة البريطانية ، ثم الاتفاقية الأمريكية ! وبالمناسبة فقد كان فاضل المسعودى " أول شاب ليبي " يوجه بيانات من إذاعة ( صوت العرب ) إلى الشعب الليبي يهاجم فيها المعاهدة البريطانية ويحرض على عدم القبول بها ، وكان احمد سعيد يقدم " المسعودى " يومها بابن ليبيا البار.. وكان المسعودى ينعث رئيس الحكومة الليبية المرحوم محمود المنتصر، بمحمود المنكسر!!
******
عند انتهاء مدة المسعودى كسكرتير ورئيس للنادى ، ترك النادي الذى استطاعت السفارة والطلبة المعتدلون عندها تغيير اسمه ووضعه تحت إشرافها وتأمين دعمه ماليا ! وتفرغ المسعودى ومحمد عمر الطشاني لأصدارمجلة سياسية أخرى باسم ( المعركة ) تهاجم المعاهدة البريطانية ، وتعارض إبرام المعاهدة الثانية ، التى كان يجرى السيد مصطفى بن حليم التحضير لإبرامها مع الولايات المتحدة الأمريكية !
وكان المسعودى والطشانى قد حصلا على الإذن بإصدار " المعركة " من مكتب وزير الإرشاد وهو الصاغ صلاح سالم (عضو مجلس الثورة ووزير الارشاد) ولكن تدخّل السفارة الليبية لدى وزارة الإرشاد جعل الصاغ صلاح سالم يتراجع فى موافقته ويأمر بمنع استمرار صدور المجلة الذى لم يكن قد صدرمنها الا عدد واحد ! .. بل تعرض المسعودى والطشانى الى المتاعب اذ صدر فى حقها قرارمن مباحث أمن الدولة بالابعاد ، وتمكن المهندس المصرى المرحوم محمد سعيد الحكيم الى انقاذهما من الابعاد بفضل علاقته بقائد الجناح ، عضو مجلس قيادة الثورة حسن ابراهيم الذى تمكن من الابقاء عليهما فى مصر!!
بعد ذلك بفترة ، تعرض المسعودى للاعتقال ولبث فى السجن ، وتنقل بين سجن وآخر، حتى انتهى به المطاف إلى سجن الأجانب بالإسكندرية حيث رحّل منه " مخفورا " الى بلاده ليبيا وذلك فى 12 يناير1956 !؟
******
بعد تغيير اسم النادي وتحت إشراف السفارة الليبية فى القاهرة والتى بدأت تدعم ميزانيته ، قامت مجموعة أخرى من الطلبة ، على رأسها المرحومان : على احمد أبو زقيه ومحمد بن يونس بإعادة إصدار( صوت ليبيا ) بنفس الرخصة التى أجرّها المسعودى والطشاني ، وأصدرت عددا أو عددين بعد إجراء تعديل طفيف على الغلاف وذلك بوضع "علم المملكة " عليه ، كما يظهر فى العدد الذى نشر غلافه السيد مفتاح الشريف ، ثم توقفت المجلة عن الصدور نهائيا ، وربما يعود ذلك إلى اكتشاف القائمين عليها بأن الثورة المصرية قد ألغت قوانين النشر والطبع السابقة ولم يعد فى الإمكان اصدار مطبوعة باسم مطبوعة أخرى ، وربما بسبب سياسة العهد الجديد للثورة المصرية التى عدّلت القوانين واتجهت إلى تضييق مجالات النشر والعمل الصحفي الحر، قبل أن تصادر الثورة بصورة كاملة الصحف الحرة والمستقلة وجرائد الأحزاب السياسية و تؤمم الصحافة وتحيلها إلى قطاع عام تسيره الدولة .
وأعود إلى ( صوت ليبيا ) التى أسسها وأصدرها المسعودى، باسم نادى طرابلس الغرب الثقافي ، لكى لا يفوتني ذكر بعض من الكتاب الذين اشتركوا فى تحريرها مثل على أبو زقيه ويوسف هامان والكاتب الموهوب محمد مصطفى المازق رحمه الله ، الذى كتب فى العدد الأول بالاتفاق مع صديقه المسعودى مقالا عنيفا ضد ( حجاب المرأة، داعيا فيه للسفور) ليثيرا اهتمام الناس بالمجلة داخل ليبيا ويلفتا اليها النظر .. ولكنهما فوجئا بعد صدور العدد الأول بفشل المحاولة وعدم حدوث أي رد فعل من أي طرف من القراء !! فطلب المسعودى من محمد المازق أن يرد على المقال الذى كتبه بمقال آخر عنيف واستفزازي وباسم مستعار فلعلهم ينجحون فى استدراج " الناس فى ليبيا " إلى الاهتمام بالموضوع الذى كان من المفروض أن يثير الكثير من حساسية واهتمام الذين يضعون " سفور المرأة الليبية وحجابها " على رأس كل ما يشغلهم من القضايا ! ولكن ذلك أيضا لم يثر اهتمام أحد، لا داخل ليبيا ولا حتى فى أوساط أعضاء النادي من الطلبة الأزهريين أنفسهم !!
وبالنسبة، لمجلة ( المعركة ) فقد صدرت باسم المسعودى : رئيسا للتحرير ومحمد عمر الطشاني مديرا عاما، وكان الطشاني يعمل يومها فى جريدة (القاهرة) التى أصدرها الصحفي اللبناني المصري أسعد داغر، اثر ثورة يوليو ثم ما لبثت أن توقفت هى الأخرى عن الصدور بسبب " مناخ يوليو" الذى أخذ فى السيطرة على أجواء مصر بعد انتكاستها الديمقراطية وسيطرة العسكر والدكتاتورية عليها فى أعقاب إقصاء زعيمها الطيب اللواء محمد نجيب الذى حاول أن يعيد العساكر الى الثكنات ويبعدهم عن السلطة ولكن نائبه البكباشى جمال عبد الناصر تمكن مع مجموعته العسكرية من افشال المحاولة واقصاء نجيب والتفرد بالسلطة.
ويجد المرء فى ( ترويسة مجلة المعركة ) اسم المرحوم فريد أشرف ، مدرجا بصفته ( سكرتيرا للتحرير) وقد اكتشفت أن فريد أشرف لم يخط سطرا واحدا فى المجلة ولم يهتم بصدورها على الإطلاق (! ؟) وقد حيّرنى ذلك الأمر وأثار دهشتي ! وعندما سألت فاضل المسعودى عن الحكمة من ذلك، أجابني بقوله: " لكي نعطى طابع الشمولية للمجلة بوجود اسم واحد على الأقل، من شباب بنغازي على غلافها " ..
وقد كان فريد أشرف ، رحمه الله يوم ذاك من أصدقاء الطشاني والمسعودى القريبين قبل أن يباعد بينه وبين المسعودى بالذات شدة تعلق المسعودى بهويته الليبية وشعاره المشهور ( ليبيا أولا ) بينما كان المرحوم فريد أشرف ( ذىالجذورالكريتلية) رحمه الله ، قد تحوّل إلى مناضل قومي عربي ، وواحد من غلاة البعثيين فى ليبيا !
تلك هي الحقيقة بشأن مجلة ( صوت ليبيا ) الذى تحدث عنها مقال مفتاح الشريف ، والتى عادت على يد المسعودى للصدور مرة أخرى فى 7 أبريل سنة 1979 من لندن كأول دورية معارضة لأول تنظيم ليبيّ معارض، هو " الحركة الديمقراطية الليبية " التى أسسها المسعودى بمساهمة وحماس عناصر ليبية من عناصر التنظيم ليس من المناسب ذكر أسمائهم لأن بعضهم موجود الآن فى ليبيا وسهل التناول من سلطة الفاتح من سبتمبر( ؟)
وقد تواصل صدور( صوت ليبيا ) فى عهدها الجديد من لندن أكثر ممن عام ، قبل أن تتوقف هي الأخرى عن الصدور لأسباب سياسية لا مجال لذكرها ! ******
فى مايو 1990 شاءت الأقدار أن أتواجد فى الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد تعمدت التوجّه إلى مكتبة الكونغرس للاطلاع وأخذ صورة من مجلة ( صوت ليبيا ) الأولى التى كنت أعرف أنها كانت بهذه المكتبة يوم كنت موظفا فى البعثة الليبية بالأمم المتحدة، ولكنني – للأسف - لم أعثر على عدد واحد منها ، وقد أخبرني المسئول عن القسم العربي بها وهو اللبناني الأستاذ جورج عطية ، الذى عرفناه منذ كان فى ليبيا فى بداية حياته، أخبرني بأنه اكتشف سرقتها من المكتبة من طرف أشخاص يرجح أن يكونوا ليبيين !!
وما زلت أتمنى - لو كان فى العمر بقية – أن أعثر على نسخ من الأعداد الأولى للمجلة لدى أحد من المثقفين وكذلك عن العدد اليتيم لمجلة ( المعركة ) لكي يكتمل الحديث عن ذكريات المرحلة الذهبية من تاريخ البدايات المجيدة للشباب الليبي فى مضمار العمل الوطني والعمل الصحفي .. والنضال من أجل ليبيا التى كنا نحلم .
******
كان الشابان الكتلويان ( نسبة إلى الحزب الذى كانا ينتميان إليه وهو الكتلة الوطنية الحرة ) عنصران متمّيزان فى ذلك الزمن عن بقية شباب تلك الفترة حماسا ونشاطا وطنيا وكفاءة صحفية على وجه الخصوص، فهما أول من كتب ونشر" بيانات سياسية " تعبر عن وجهة نظر حزبهما فى الشأن الليبي قبل وأثناء إعلان الاستقلال فى صحف مصرية معروفة وكان لهما موقف ونشاط ملفت للنظر ضد إبرام المعاهدات الإنجليزية والأمريكية، والى جانب ما أشرت إليه من عمل صحفي تمثل فى إصدار مجلتي: صوت ليبيا ومجلة المعركة ، فالطشاني عمل صحفيا متخصصا بالشأن الليبي فى الجريدة اليومية ( القاهرة ) قبل توقفها عن الصدور !
وبالمناسبة أيضا ، فقد تذكرت أن محمد عمر الطشاني، كان وهو لا يزال طالبا فى المدرسة الثانوية فى طرابلس سنة 1947 قد عمل " مراسلا صحفيا " لجريدة ( العرب ) الذى كان يصدرها الإعلامي العراقي الدولي يونس بحري من باريس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وكانت تصل وتوزع فى طرابلس أثناء سلطة الإدارة العسكرية البريطانية يوم ذاك !!
يونس بحري هذا الذى لا تعرفه الأجيال الليبية المخضرمة والجديدة، كان أبرزصحفى وكاتب وإذاعي وأوسع شهرة على مستوى العالم العربي ومستوى العالم الذى يهتم بشئون العرب أثناء الحرب العالمية الثانية، فهو الذى كان قد أنشأ ( القسم العربي ) بإذاعة برلين أيام هتلر وشن بواسطته أخطر وأشهر الحملات الإذاعية ضد الإنجليز ، مناديا باستقلال بلدان العرب وتحررها من سيطرة الاستعمارالبريطانى، وشاءت الأقدار بعد توقف جريدته " العرب " أن جاء إلى ليبيا عقب إعلان استقلالها وعين مستشارا صحفيا للملك إدريس ، ثم اضطر لمغادرتها اثر تعرضه لمكيدة شخصية دبرها له واحد من أصدقائه الليبيين استهدفت هزّ ثقة الملك فيه وإفساد علاقاته بشخصيات رسمية فى الدولة .
******
بعد عودتهما الى أرض الوطن سنة 1956 قام فاضل المسعودى ومحمد عمرالطشاني بإنشاء إدارة للمطبوعات والنشر لولاية فزان بدعوة وتشجيع رئيس مجلسها التنفيذي الشاب الوطنى السيد سيف النصر عبد الجليل، على أساس أن يتمكن فاضل المسعودى بعد انشاء ادارة للمطبوعات ومطبعة حكومية ، من إنشاء جريدة مستقلة أسماها جريدة ( فزان )، بعد ان يستقيل من العمل مع الحكومة، وقد تم له ذلك، ولكن اختلافه مع صديق عمره محمد عمر الطشاني اضطره إلى ترك الولاية والعودة إلى طرابلس والتخلى عن المشروع، بعد أن دفع بالعدد الأول من الجريدة للمطبعة ! وظهربعد ذلك فى جريدة " الرائد " التى كان يصدرها المرحوم الشيخ الطاهر البشتى فى طرابلس ، ظهرمجرد " محرر صحفي" بالرائد !
وصدرت جريدة ( فزان ) بعد ذلك تحت إشراف إدارة المطبوعات كجريدة رسمية للولاية وساهم فى تحريرها الكاتب الموهوب " المرحوم محمد مصطفى المازق " والأديب الراحل يوسف هامان، ونشرت ذات يوم فى زاوية " رسائل القراء " رسالة لتلميذ مجهول يدعى معمر بو منيار القذافى، لا تلفت الرسالة النظر، ومع ذلك فان نشر الرسالة باختصار فى زاوية القراء قد أثار – على ما يبدو – غضب التلميذ وحقده على الجريدة ! ويبدوأنه حفظ ذلك الحقد فى نفسه! وعندما وقعت المعجزة التاريخية، وحدث الانقلاب العجيب الذى أوصل معمر بو منيارهذا إلى قمة السلطة، كان على رأس أوليات أحلامه تأميم الصحافة وتقديم كل من عمل بها إلى المحاكمة ليدانوا جميعا بتهمة العمل فى العهد الملكي، وليبعدوا نهائيا عن أي عمل صحفي ، ويبادوا فى دهاليز الإهمال والنسيان !!
******
وشكرا لمفتاح الشريف الذى حرك فى أذهاننا ذكريات العهد الذهبي وذكريات جيله من الرواد وقصص الرجال الكبار الذين وضعوا اللبنات الأولى للنهضة الصحفية فى ليبيا قبل أن تداهمها الكارثة وينجح الأمريكان فى إنهاء دولتها.
وتحياتي لأصدقاء الزمن الجميل جميعا .. تحياتي لزملاء الطفولة والمدرسة ومصر، الأعزاء على الدوام: محمد عمرالطشاني وفاضل المسعودى، وتمنياتي لهم جميعا بالصحة والسلامة، ورجائي أن لا يتوقف المسعودى عن الكتابة رغم ما نعرفه عن صعوبة ظروفه وتعدد متاعبه .. فلديه الكثير مما يعرف ومما ينبغي كتابته من أجل ليبيا اليوم وليبيا الغد .
وتحياتي الحارة أيضا للأستاذ الشريف الذى ذكرنا بهذا الموضوع وتمنياتي الحارة له بسلامة الذاكرة والحرص الذى كنا نعرفه عنه فى التعلق بالأمانة التاريخية والدقة والحياد والموضوعية فى كل ما يتناوله من قضايا هامة وقيمة، بالنسبة لتاريخ الوطن وماضيه المجيد والمشرف.
ومع الموضوع بعض ما عثرت عليه من صور الذكريات الجميلة للمراحل التاريخية الذهبية والطيبة، للشابين " الكتلويين " اللذين يزحف " النسيان "عليهما الآن فى الذاكرة الوطنية بفعل ضجيج وصخب ثورة الرعاع التى تهيمن منذ أكثر من ثلث قرن على ليبيا المنكوبة ولا يسمع فيها صوت أو يذكر اسم أو تظهر صورة الا صورة " الدمية الأمريكية " التى صنعوا منها " قائدا وحاكما أوحد " يصرف كل الأمور لصالح الذين اصطنعوه ، ويقوم على مدى ثلث قرن " بالمهمة المستحيلة " مهمة إبادة ليبيا وتدمير شعبها وطمس تاريخها لصالحهم وحدهم، وصالح كل الأعداء ، فلعلى أمتع بهذه الصور، القارئ، وأرفع من معنوياته ، وأوقد فى صدره مشاعل الأمل.
فليبيا وطننا .. لن تباد .. ولن تموت ..
" الهادي عبد الله " الزاوية
صورة صديقنا المشترك المرحوم الأوسطي حسين كاظم صاحب زنكغراف النصر مع مجموعة من أصدقائه بينهم على اليسار المرحوم محمد حسنى الخطاط وأمامه كريمته التى كانت بالفعل صغيرة : السيدة نجاة الصغيرة
صورة الصديق العزيز محمد عمر الطشاني ، زميل المسعودى التاريخي وصاحب جريدة الحرية حتى توقفها عن الصدور فى عهد الانقلاب ، أثناء استقباله من طرف الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة سنة 1968.
صورة .من داخل نادى ليبيا بعد أن أصبح تحت إشراف السفارة الليبية ، وبمناسبة زيارة السفير المرحوم السيد إبراهيم السنوسى، ويرى فى الصورة الطلبة الجالسون: المهندس عمر بن عامر ومنصور رشيد الكيخيا وسالم بوقعيقيص، ويحيط بالسفير عبد المجيد كاره واحمد شرلاله ومحمد بن يونس والدكتور نوري كويرى والمرحوم عزالدين المبروك .. ومعذرة للذاكرة التى بدأت تشيخ وتهرم فلم أتذكر بقية الأسماء
صورة الصديق البعيد القريب فاضل المسعودى سنة 1955 أيام القاهرة و صورة المسعودى فى طفولته ، عند مجيئه الى مصر، أعلم أنه سيعتبرها هدية ثمينة !
صورة الشاب محمد عمر الطشانى فى القاهرة
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()