25/09/05


د. جاب الله موسى حسن

 

هل يهان الإنسان في بلادنا إلى هذا الحد؟!!

 

"منتهى الجبن والخيانة: أن يقبل القذافى التصالح والتحاور مع الغرب ويرفض التصالح والتحاور مع الشعب الليبي!!"

 

لابد أن تنحني وأنت تدخل أحد أبواب سجون الجماهيرية, تطالعك وجوه متجهمة وأجساد ضخمة تستدعي لذاكرتك أساطير عذابات القبر وزبانية جهنم، حفنة من الحراس، قساة ،غلاظ القلوب، بملابسهم الكاكية وأعصيتهم الغليظة ، يشرف عليهم بضعة جنود، بقيادة أحد ضباط المباحث يستقبلون النزلاء الجدد بألفاظ نابية، بذيئة وجارحة، ونظرات كلها تهديد ووعيد،يستولون على ملابسهم المدنية ،يمزقون بعضها، ويحتفظون لأنفسهم بالبعض الآخر.هكذا يقول سجناء سجون  جماهيرية  الإرهاب!!

 

يجلس السجناء مقرفصين دون أن تلامس مؤخرتهم الأرض، أشباه عرايا،بملابسهم الداخلية،ساعات وساعات،يفتشون حقائبهم وبطاطينهم ووسائدهم،وأفواههم وتحت ألسنتهم.ثم يصحبهم أحد الحراس،والكابل الكهربائي في يده ،يسوط من يعتقد أنة يتلكأ  في الذهاب إلى الحلاقين الذين يضربون مقصاتهم في رءوس السجناء ضربات عشوائية، تحيل وجوههم إلى مسخ مشوه!!

 

خمسة شهور من الذل والقهر والإهانة هكذا يحدثنا أحد المفرج عنهم من خلال مكالمة هاتفية بعيد عبوره لمنفذ السلوم الحدودي حيث بداء هذا المعذب والمهان حديثة معنا عن أهوال سجون القذافى، قائلا: تتبادلني السجون،وتتقاذفني الزنازين،من تاجوراء إلى أبو سليم ومن أبو سليم إلى تاجوراء مرات عديدة،رحلة شاقة وعسيرة في سجون طرابلس الإرهاب، عشرات من السجناء بأمتعتهم مقيدون بالقيود الحديدية اكثر من ثلاث ساعات في صندوق محكم الإغلاق إلا من فتحة ،لا تتجاوز عشرين سم، لا يجد السجين موطأ قدم لنفسه، والأجساد محشوة متلاحقة، الوجوه في الوجوه، والأنفاس في الأنفاس، حر قاتل، وتدافع بالمناكب والأيادي المقيدة والأجساد، صراع ضار ومشاجرات عديدة للاقتراب من النافذة. خمسة شهور حزينة ،تجربة مريرة، ومحنة قاسية، زلزلت كياني، وتراكمت في نفسي طبقات من الحزن والغضب ويتساءل هذا المعذب قائلا: هل يهان الإنسان في بلادنا إلى هذا الحد؟!

 

ويستطرد هذا المعذب حديثة  قائلا لم تكن هذه أول مرة ادخل فيها سجون طرابلس الشر،ولم تكن حياة الزنازين جديدة علي،فقد عرفتني السجون وسياط الجلادين،منذ المظاهرات الطلابية بجامعة بنغازي،وسبق اعتقالي وحبسي عدة مرات سابقة، كنت نتأمل خلالها السجناء الجنائيين بعين الرثاء والشفقة وهم يكتوون بنار القهر والعبودية.وهذه المرة ساقني القدر وحب الحرية والذود عن الكرامة إلى هناك في القاع،مع عوادم المجتمع، الذين لفظتهم قيمه الطيبة وفجواته الاجتماعية وأنماطه الاستهلاكية السائدة يتقبلون في الذل والمهانة، يستوي عليهم الخوف والفزع والرعب، ترتجف قلوبهم وترتعد فرائصهم،تهدر كرامتهم وينتهك  جسدهم يتلقون الضرب بالكابلات الكهربائية وسياط الجنود والهراوات والكفوف، خمسة اشهر مريرة،رغم قسوة الجراح والندوب ،هي تجربة فريدة ثرية وعميقة في هذه السجون مع العزل ومسلوبي الإرادة،الأمراض تأكل أجسادهم وتلتهم عظامهم، والأوبئة تحصد أرواحهم،رأيت المصابين بالشلل النصفي والشلل الرعاشي،عشرات من السجناء تنتشر في أجسادهم الدمامل والخراريج، دون عناية أو رعاية وعيادات صورية وأطباء تحجرت قلوبهم ونُزعت منها الرحمة!!

 

عزيزي القارئ أنني انقل إليك بأمانة مأساة  سجون طرابلس الخيانة كما  نقلها لنا أحد  المفرج عنهم  والذي تفوح من حديثة مرارة الألم في وصفة للوضع المأساوي لهذه السجون. أن جرعة الماء في سجون الجماهيرية نادرة ونفيسة وكسرة الخبز غالية وثمينة وكوب الشاي درة،بل لؤلؤة يقتسمها بضعة رجال والسيجارة تشتري الرجال وتستعبدهم و دورات المياه مهينة ومذلة ، عشرات من السجناء يتبولون ويتبرزون ويخرجون غازاتهم أمام بعضهم البعض، مشهد كريه،وغير ادمي لا يليق حتى بالحيوانات، يتكرر يوميا في سجون الجماهيرية ،ويقال عنها بأنها افضل من سجون اسكتلندا!!عجبي! السجن في جماهيرية القذافى هو عبارة عن ماسورة مجار ضخمة وكبيرة،رائحة كريهة وعفنة. أما الطعام الذي يقدم لهؤلاء المذلين المهانين  فحدث ولا حرج،يتم اقتسام معظم اللحم والبيض بين حراس الزنازين، وإعادة بيعه خارج السجن، والمكرونة والفاصوليا والرز، هذه الوجبات التي تأتي بالتناوب يوم بعد يوم، يتم إلقاؤها في المخلفات ،لا يقترب منها أحد، فهي تأتي في أوان مكشوفة تستقبل النفايات والأوساخ التي تتساقط من أسقف المطابخ !!

 

خمسة شهور مأساوية  منها أسبوعان، في أبو سليم، لن تتخيل الفرحة مهما أوتيت من قوة تخيل، التي تدخل على السجين الذي يُطلب للتحقيق قلبه يرقص طربا، وكأنه ذاهب إلى عرس، أو مفرج عنه، عقول شيطانية وشريرة، سادية تكره البشر وتسعد بعذابات الآخرين هي التي اختارت موقع السجن، وصممته كتلة خرسانية واحدة، أسقف وحوائط وأرضيات، سبعة عنابر على سطح الأرض، تضرب الشمس فيها طوال النهار، وتضخ هذه الحرارة لقاتلة طوال الليل في الزنازين الواطئة بلا نوافذ، زنازين تتكدس وتحشر بالسجناء بواقع خمسة وعشرين سم لكل نزيل،يقضي تسع عشرة ساعة يوميا، يأكل ويشرب ويقوم ويقعد وينام على هذه المساحة التي لا تكاد تكفي قطا أو فارا!!

 

والزيارات نادرة فبعد المكان  يشق على أهالينا  في برقة الحزينة الذين يتكبدون مشقة الطريق وحرارة الصحراء، والرحلة إلى طرابلس الغبن باهظة التكاليف،وإدارة السجون الليبية، تحرم الطهي، وتمنع السخانات وتضرب حصارا على الشاي وهي الإدارة الوحيدة بين سجون العالم حسب معلوماتي التي تنفرد بهذا الإجراء وتقدم النذر القليل من الطعام إلى السجناء الذين يشاركهم الحراس في اقتسامه.لا شمس تدخل زنازين هذه السجون ولا هواء يتجدد، بل الموت بالحمى التيفودية والاختناق والجفاف. أن الإنسان في هذه الزنازين يجف ويختنق من الرطوبة والعرق الغزير الذي يسيل من أجساد السجناء، وثاني أكسيد الكربون الذي يزفرونه، ويظل جاثما على صدورهم، جثث خرجت في نعوشها من هذه السجون طيلة شهور الصيف الماضي، في سجن تاجوراء مات أحد السجناء بين يدي بعد أن ظل ينازع خمسة عشر يوما من الحمى التي داهمته، ويظل السجناء يطرقون أبواب الزنازين كلما وقع أحد منهم محموما أو مختنقا، مريضا أو ميتا، ولا يتلقون إلا الشتائم والتهديد والوعيد، وإذا فتح أحد أبواب الزنازين لا يكون إلا للضرب والتعذيب والتنكيل على أيدي الجلادين،أما عن العيادة فحدث ولا حرج لا ينال شرف الذهاب ليها المرضى، بل يذهب المرشدون إلى الطبيب ومنه إلى المخابرات ،يقدمون تقاريرهم ونميمتهم!!

 

وختاما: أن السجون الليبية يطلق عليها بضعة أسماء تكشف عن جوهر وملامح وتضاريس وطبيعة الحياة خلف جدرانها :تارة اسمها النهاية، وتارة اسمها وادي الموت، في إشارة إلى وادي الموت الواقع  في  الجنوب الغربي من جماهيرية الإرهاب الذي يبتلع رماله المتحركة كل من يمر بها وأخيرا: تحياتي إلى المعارضة و منظمة ألفا ومنظمات حقوق الإنسان في الغرب الديموقراطي الحضاري!! 

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع