27/09/05


د. جاب الله موسى حسن

 

ارفع رأسك يا أخي!!

 

"الأحرار  يفضلون أن يموتوا في النور... على أن يعيشوا في الظلام..!!" 

 

استعار أوغاد سبتمبر شعار "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستبداد!!" وكلنا يعرف من أين آتو بهذا الشعار الفج.والسؤال هو: ماذا فعل هذا الشعار بالإنسان الليبي هل حرر إرادته ؟ وهل حافظ على كرامته؟! هدة أسئلة يجيب عنها  المواطن الليبي بعد  ستة وثلاثون عاما من الفقر والدل والهوان!!  

 

إن الواقع المعاش يقول إن اخطر ما ارتكبه الانقلابيين في ليبيا هو تدمير الشخصية الليبية…وإبادة القيم النبيلة التي كان يتميز بها الإنسان الليبي قبل اعتلاء الاثنى عشر الأوغاد على مقاليد السلطة وسرقتهم  لأحلام المواطن ومستقبله. ولو أن الانقلابيين دمروا معالم الوطن وهدموا القصور والكنائس ... ولو أن الانقلابيين دمروا البنية التحتية للتعليم والصحة… ولو أن الانقلابيين دمروا المؤسسة العسكرية فقط  لهان الأمر ولأمكن إزالة الأنقاض  وإعادة البناء من جديد!!

 

ولكن المصيبة أن يد الانقلابيين قد امتدت إلي داخل الإنسان ذاته لتنتهك عرضه وكرامته ولتدمر قيمه وتراثه وهذا اخطر أنواع الدمار الذي يصعب إزالته ويصعب تعويضه لقد ارتكب انقلاب سبتمبر منذ اليوم الأول اعظم الكبائر ضد حقوق الإنسان ،وكانت خطوته الأولى تمهيداً واضحاً لتهميش المواطن واستعباده كان أول قرارات الانقلاب هو إلغاء الدستور ثم إلغاء الأحزاب ثم فرض الرقابة على الصحف ثم الأعتقالات الجماعية ثم المحاكمات الصورية" وقيل إن كل ذلك كان من اجل حماية الثورة من أعداء الثورة!!

 

وكان ثاني قرارات الانقلابيين هو رفض الديمقراطية والاستمرار في المسيرة "الثورية" رغم ما أعلنه الانقلابيين من مبادئ. لم يكن اهتمام الانقلابيين  بالإعلام والثقافة من اجل الإعلام والثقافة, بل كان من اجل دعم الانقلاب ومساندته. فقد سخر الانقلابيين كل مواد الإعلام والثقافة للإشادة بالانقلابيين وتمجيد أقوالهم و أفعالهم!! وحتى الكره  لم تحظ باهتمام الانقلابيين إلا بسبب أهميتها في تخدير الجماهير وتغيب وعيهم, أم الإنجاز الكبير الذي قام به الانقلابيين منذ يومهم الأول فهو بناء اكبر أجهزة التجسس على المواطنين وفرق اغتيال بزعم حماية ما أطلقوا عليه ـ ظلماً وبهتاناً   بالثورة ـ  من مؤامرات الرجعية والاستعمار وتجنيد مئات الأعوان "البصاصين" للتغلغل في كافة الأوساط المدنية والعسكرية, وتعاظم  نشاط هذه الأجهزة القمعية في النوادي والمقاهي والأحياء السكنية بعد تقسيمها إلي مربعات أمنية،حتى طال  شعور الخوف غرف النوم لرصد أعداء القذافي وضرب أي محاولة للنيل من آمن القذافي!! وكان الإغراء بالمال والنفوذ يتدفق من اللجان الثورية لتجنيد العناصر الضعيفة. وقد اتسعت الصلاحية لتشمل عمالا وطلاب وقضاة ومحامين ودبلوماسيين وأساتذة جامعات وموظفين من مختلف الدرجات وأصبحت هذه الشبكة الضخمة تغطي البلاد من أقصاها  إلي أقصاها وتتسابق عناصرها للإيقاع بمن شاء حظهم العاثر أن ينطقوا بكلمة أو يقولوا رأيا في القذافي!! وكانت  القيم الجديدة التي رسختها دولة الظلم والطغيان هي الولاء للقذافي وتتبع أعداءه. في كل مكان والإبلاغ عنهم فوراً وكتابة التقارير فيما يقولون ويفعلون وكانت قيادات اللجان الثورية مولعة بتأليف المؤامرات الكبرى وكانت الصحافة والإعلام تتلقف هذه المؤامرات بالمانشيتات العريضة وتزفها للرأي العام كالبشرى السعيدة وتبدأ المحاكمات وتكال الاتهامات وتقدم الأدلة وتنتهي بأحكام قاسية يضيع فيها مئات الأبرياء في هذا المناخ المحموم تشكلت شخصية جيل الفاتح وهو الجيل الذي شب على هذه  الممارسات الإرهابية وعاش في ظل الخوف والترقب والرياء والنفاق وتثقف على خطب  القذافي وأكاذيب صوت الوطن العربي الكبير يهتف باسم الصقر الأوحد  كل صباح ويردد بطولاته الوهمية كل مساء وينام على أحلامه و بُطولاته… التي ستبيد العدو وتحقق الوحدة العربية الشاملة !!  وهكذا  اختصر  انقلاب  سبتمبر الشخصية  الليبية  و حولها  إلي  كائن  طفيلي يستمرئ الاستبداد  و  يستحسن الخضوع فالصقر الأوحد  هو مانح الأرزاق ومانعها وهو قابض الأرواح ومطلقها وكل شئ لا بد أن يمر من أبوابه ابتدأ بأجهزة مخابراته وانتهاء  بلجانه الثورية!! وقد كان هذا التشوه الذي أصاب الشخصية الليبية سبباً في ظهور الاستلاب السياسي ورفض المشاركة السياسية والاكتفاء بالفرجة على الأحداث الكبرى والمصائب العظيمة التي تنـزل بالوطن وقد شارك الشعب في صنع هذا الاستلاب عندما امتنع عن التصدي الجاد لهدا الظلم والمخاطرة بمواجهته مهما كانت العواقب فقد ماتت أو كادت جذوة الأمل في تغيير الواقع واصبح الاستسلام والخنوع سيد الساحة فقد كانت دروس  الإعدام والسحل في الميادين العامة ومحارب الجامعات  وقتل السجناء في سجونهم وحقن الأطفال بمرض الموت في مستشفياتهم وتفجير الطائرات المدنية في كبد السماء و أحكام السجن المؤبد كافية لأقناع الجميع بعدم القيام بأي نوع من الرفض والعصيان واكتفى الجميع ولله الحمد بالحديث داخل غرف الجلوس المظلمة " المرابيع" !!

 

أن من  يبني ليبيا ؟ هو من يعيش من أجلها؟! إذا كان انسانها مهمشاً مقهوراً لا يملك قدرة المشاركة في صنع مصيره؟! لقد دمر انقلاب سبتمبر فيما دمر أغلى واثمن شئ  يعتز بها الإنسان و هو الانتماء للوطن مما دفع المواطن إلي  الانكفاء و الانزواء والسلبية  في الداخلأو الهجرة إلي الخارج ولم تفهم اللجان الثورية أن الوطن ليس قطعة ارض نأكل عليها وننام عليها ونتناسل عليها ولو كان الوطن كذلك لكانت بريطانيا  أو أمريكا افضل آلف مرة من ليبيا ولكن الوطن أهم من ذلك بكثير فهو الأب و ألام و الأسرة وهو الحماية والوقاية والرعاية والمظلة التي يستظل بها المواطن في المحن والنكبات هو المساواة الحقة في الحقوق والواجبات وهو المشاركة الدائبة في صنع المصير!! والوطن بهذا المعنى هو الذي نحيا ونموت من اجله هو الذي نحبه ونفتديه أما إذا تحول كما تحول بالفعل  إلي مرتع للجان الثورية وسجن لأبناء الوطنفلا يجوز أن نتوقع انتماء ولا اهتماما بشئون الوطن وهذا ما نجح انقلاب سبتمبر في تحقيقه عندما أهدر ابسط حقوق الإنسان!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع